أعلنت السلطات الأردنية القبض على الأشخاص الثلاثة الذين نفذوا جريمة حمود. وبذلك، لم يعد السؤال الأساسي: من ارتكب الاعتداء؟ بل لماذا ارتكبه، وما خلفياته، وهل تقف وراءه دوافع أو ارتباطات تتجاوز المنفذين أنفسهم؟
القبض على المتهمين خطوة مهمة، لكنه لا ينهي الأسئلة المحيطة بالجريمة. فاستهداف مواطنين مسيحيين يضع المجتمع الأردني أمام مسؤولية مشتركة لحماية السلم الأهلي، ومنع توظيف الاعتداء في التحريض الطائفي أو إثارة الشكوك بين المواطنين.
في مثل هذه الحوادث، تبدأ معركة موازية على الرواية: طرف يسارع إلى تصوير الجريمة باعتبارها دليلاً على صراع طائفي، وآخر يربطها بمخططات خارجية أو جهات تسعى إلى ضرب استقرار البلاد. لكن أياً من هذه التفسيرات لا يصبح حقيقة بمجرد تداوله. فهناك فرق بين من ارتكب الجريمة، ومن حرّض عليها إن ثبت وجود تحريض، ومن يحاول استثمارها سياسياً أو إعلامياً. والخلط بين هذه المستويات لا يكشف الحقيقة، بل يفتح الباب أمام اتهامات تسبق الأدلة.
المطلوب أن تكشف التحقيقات دوافع المنفذين، وأن تتحقق من أي صلات تنظيمية أو تحريض سابق، وأن تتسع الملاحقات إذا ظهرت أدلة تستدعي ذلك. وفي المقابل، لا ينبغي تحويل كل سؤال إلى نظرية مؤامرة، ولا كل احتمال إلى اتهام جاهز. فالحزم في التحقيق والدقة في توجيه الاتهام مساران متكاملان، وكلاهما ضروري للوصول إلى الحقيقة.
وتبرز هنا أهمية التواصل الواضح مع الرأي العام، وإعلان ما تسمح به إجراءات التحقيق من معلومات في الوقت المناسب، وتوضيح ما ثبت وما لا يزال قيد التحقق. فالمعلومات الدقيقة تساعد على الحد من الشائعات، وتمنح المجتمع فرصة لفهم ما جرى بعيداً عن الروايات المتضاربة. كما أن الدعوة إلى الوحدة الوطنية تصبح أكثر تأثيراً حين تقترن بكشف الحقائق ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته.
والأهم ألا تتحول الجريمة إلى محاكمة جماعية للمسيحيين أو المسلمين، أو إلى فرصة لأصحاب خطاب الكراهية كي يفرضوا على الأردنيين خصومة لم يختاروها. المسؤولية جنائية وفردية، وأي تعميم على جماعة كاملة لا يخدم العدالة، بل يوسع دائرة الضرر ويفتح المجال أمام مزيد من الانقسام.
إن خطورة الجريمة لا تكمن في الاعتداء وحده، بل أيضاً في الطريقة التي يمكن أن تُستغل بها تداعياته. فقد يسعى متطرفون أو ناشرو شائعات إلى توظيف الحادثة لإثارة الفتنة، وقد تحاول جهات أخرى استثمارها سياسياً أو إعلامياً. لكن احتمال الاستغلال لا يثبت وجود تخطيط مسبق أو ارتباطات خارجية؛ فهذه مسائل لا يحسمها سوى الدليل. والتمييز بين الجريمة ومن يستفيد من تداعياتها يظل ضرورياً لفهم المشهد من دون الوقوع في فخ الاتهامات غير المثبتة.
لقد أصبح المنفذون الـ3 في قبضة السلطات، لكن اكتمال الحقيقة يتطلب معرفة دوافعهم والظروف التي أحاطت بالجريمة، والتحقق من أي أدوار أخرى إذا كشفت التحقيقات ما يستدعي ذلك. والأردن، بما يملكه من خبرة في التعامل مع التحديات الأمنية والاجتماعية، معنيّ بأن تبقى القضية في إطارها القانوني، وألا تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات أو تغذية الانقسامات.
المطلوب واضح: كشف الدوافع، وإعلان ما تثبته الأدلة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، وقطع الطريق على تجار الفتنة. فلا يجوز أن يفلت الجناة من العدالة، ولا أن يفلت المحرّضون إن ثبت وجودهم، ولا أن تتحول جريمة ارتكبها أفراد إلى شرخ يدفع المجتمع الأردني كله ثمنه.
