تريد باكستان أن تدخل بين سوريا وإيران من باب الوساطة، وكأن المنطقة كانت تنتظر منذ سنوات وصول وسيط جديد يحمل مفاتيح الحل. لكن قبل أن تسأل إسلام آباد عن قدرتها على تقريب دمشق وطهران، هناك سؤال أبسط: ما الذي يجعلها تعتقد أصلاً أنها مؤهلة لهذا الدور؟ فباكستان لم تثبت حتى الآن أنها قوة وساطة إقليمية قادرة على فرض حضورها أو إنتاج تسويات ناجحة، وهي نفسها غارقة في أزمات سياسية واقتصادية وأمنية، وتواجه تحديات داخلية وحدودية لم تنجح في حسمها. ومع ذلك، يبدو أنها قررت أن تنتقل فجأة من إدارة أزماتها إلى إدارة أزمات الشرق الأوسط.
دمشق لا تبحث عن وسيط
المشكلة ليست في أن تحاول باكستان التوسط بين بلدين. المشكلة في الثقة الزائدة التي تتعامل بها إسلام آباد مع موقعها الجديد. فامتلاك علاقات مع السعودية وتركيا وإيران وأميركا لا يحول الدولة تلقائياً إلى وسيط نزيه أو قوة إقليمية مؤثرة. العلاقات شيء، والنفوذ شيء آخر، والقدرة على جمع الأطراف حول طاولة شيء ثالث. وقد تكون باكستان قادرة على فتح أبواب مغلقة، لكنها لم تقدم حتى الآن ما يكفي لإقناع المنطقة بأنها تملك مشروعاً دبلوماسياً يمكن الاعتماد عليه في الملفات الكبرى.
والأغرب أن إسلام آباد اختارت سوريا وإيران تحديداً لتختبر فيها قدراتها الجديدة. دمشق لا تبحث عن وسيط يختصر لها تاريخاً ثقيلاً مع طهران، ولا تبدو في حاجة إلى عاصمة أخرى تشرح لها كيف تعيد ترتيب علاقاتها الإقليمية. العلاقة السورية الإيرانية ليست خلافاً على بيان دبلوماسي أو سوء تفاهم يمكن حله بفنجان شاي ومصافحة أمام الكاميرات. هناك سنوات من التدخل الإيراني في سوريا، وشبكات نفوذ ومصالح أمنية وسياسية، وذاكرة سورية ثقيلة تجاه الدور الإيراني خلال الحرب. ولذلك فإن أي حديث عن الوساطة يحتاج أولاً إلى فهم ما الذي تغير في دمشق، لا إلى افتراض أن الطرفين ينتظران وسيطاً ثالثاً.
بل إن دمشق نفسها لم تبد حماساً للدور الباكستاني. فقد قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن على إيران أن تعترف أولاً بما فعلته في سوريا والسوريين، موضحاً أن وساطة باكستانية فورية ليست مطروحة ويمكن بحثها إذا دعت الحاجة. وهذا التصريح يكشف مشكلة أساسية في المبادرة الباكستانية، وهي أن الوسيط عادة يأتي عندما يطلبه المتخاصمون أو عندما يثق الطرفان بأنه قادر على مساعدتهما. أما أن تقدم دولة نفسها وسيطاً قبل أن ترى الأطراف أن الوساطة هي المشكلة التي تحتاج إلى حل، فذلك أقرب إلى البحث عن دور منه إلى الاستجابة لحاجة دبلوماسية.
وكيف يمكن لدولة ترتبط باتفاق دفاعي مع السعودية وتركيا أن تقدم نفسها في الوقت نفسه باعتبارها وسيطاً محايداً في الملفات التي تمس إيران؟ وكيف يمكن لدمشق أن تنظر إليها كطرف لا مصلحة له في إعادة تشكيل العلاقة السورية الإيرانية، بينما تعمل إسلام آباد على توسيع حضورها في المنطقة؟
الشرق الأوسط ليس نادياً مفتوحاً
الأهم من ذلك أن باكستان تبدو وكأنها تقفز فوق سؤال أكبر يتعلق بقدرتها نفسها. دولة تعاني من تحديات أمنية واقتصادية وسياسية مزمنة، وتواجه توترات حدودية معقدة، لم تنته بعد من ترتيب بيتها الإقليمي، تريد الآن أن تقنع الشرق الأوسط بأنها قادرة على إدارة علاقة شديدة الحساسية بين دمشق وطهران. هذا لا يعني أن باكستان ضعيفة، لكنه يعني أن عليها أولاً أن تثبت قدرتها على تحويل إمكاناتها إلى نفوذ فعلي، لا أن تفترض أن امتلاك السلاح والعلاقات يكفي للحصول على مقعد في الصف الأول.
الشرق الأوسط ليس نادياً مفتوحاً لمن يملك أكبر عدد من أرقام الهواتف. العلاقات الدولية لا تعمل بمنطق "أنا أعرف الجميع، إذن أنا وسيط". النفوذ يحتاج إلى سجل، والثقة تحتاج إلى وقت، والوساطة تحتاج إلى قبول الأطراف. وهذه كلها أمور لم تثبت باكستان أنها تملكها بالقدر الذي يسمح لها بالتعامل مع نفسها باعتبارها لاعباً إقليمياً رئيسياً.
وربما لهذا السبب يبدو التحرك الباكستاني أقرب إلى محاولة لاقتناص اللحظة. المنطقة تعيد ترتيب نفسها، وإيران خرجت من مرحلة مختلفة، وسوريا تعيد بناء علاقاتها، والسعودية وتركيا تبحثان عن ترتيبات أمنية جديدة، والولايات المتحدة تعيد تعريف وجودها وأدوارها. وفي مثل هذه اللحظات تظهر شهية الدول المتوسطة إلى توسيع أدوارها. وباكستان ترى فرصة لا تريد أن تفوتها، لكن الفرصة شيء، والأهلية شيء آخر.
إذا كانت إسلام آباد تريد بالفعل مساعدة سوريا وإيران، فلا مشكلة في ذلك. يمكنها أن تفتح قناة، وتنقل رسالة، وتساعد على خفض التوتر. أما أن تتحول كل قناة إلى دليل على أنها أصبحت قوة إقليمية، فذلك يحتاج إلى قدر أكبر من التواضع السياسي. المنطقة لا تحتاج إلى وسيط يكتشف نفوذه وهو يتوسط، ولا إلى دولة تستخدم خلافات الآخرين لتثبيت موقعها على الخريطة.
سوريا ليست بحاجة إلى أن تستبدل نفوذاً بنفوذ آخر، ولا إلى عاصمة جديدة تتحدث باسم مصالحها. ما تحتاجه هو أن تستعيد قرارها وأن تحدد بنفسها طبيعة علاقتها بإيران، وفقاً لمصالحها وشروطها. وإذا أرادت باكستان أن تساعد، فأهلاً بها كوسيط يعرف حدوده.
أما إذا كانت تريد أن تستخدم الوساطة لتصبح لاعباً، فلتقل ذلك بوضوح. عندها يمكن مناقشة طموحها كسياسة نفوذ، لا تسويقه كعمل خيري دبلوماسي.
المشكلة في باكستان ليست أنها تريد دوراً أكبر في الشرق الأوسط. من حقها أن تطمح. المشكلة أنها تتصرف أحياناً كما لو أن الطموح وحده يصنع القوة، وكأن مجرد الجلوس بين طرفين متخاصمين يمنح الجالس وزن الطرفين.
إسلام آباد تريد أن تكون وسيطاً بين سوريا وإيران، قبل أن تثبت أنها وسيط قوي أصلاً. وهذه ليست مشكلة سوريا وإيران، بقدر ما هي مشكلة باكستان مع تعريفها الجديد لنفسها.
