من الرسالة إلى معاوية.. الدراما التاريخية أزمة مستمرة في العالم العربي

شاركنا:
مطالبات بوقف عرض مسلسل "معاوية" (تويتر)
هايلايت
  • الجدل حول الأعمال التاريخية ليس جديدا.
  • النقاش يتركز حول تجسيد الشخصيات الدينية.
  • مؤرخون شككوا بالمعلومات الواردة في الأعمال التاريخية.
  • مسلسل "معاوية" يثير جدلا قبل عرضه في رمضان 2023.

في كل عام، مع الإعلان عن الأعمال الفنية التي ستُعرض في شهر رمضان، دائما ما تثير المسلسلات التاريخية جدلا كبيرا قبل عرضها وتصل إلى حد شنّ حملات لمقاطعة العمل وعدم مشاهدته.

وبدأ الجدل هذا العام مبكرا بشأن مسلسل "معاوية"، الذي يتناول سيرة مؤسس الدولة الأموية معاوية بن أبي سفيان، والذي يعتبر شخصية جدلية في تاريخ الإسلامي حيث يعتبره السنة "أحد صحابة النبي محمد ومؤسس لإحدى أعظم الدول في التاريخ الإسلامي (الدولة الأموية)"، بينما يرى الشيعة أنه "اعتدى على السلطة ونكّلت أسرته بعلي بن أبي طالب وأولاده".

وفور إعلان قناة "إم بي سي" عن المسلسل، أصدر زعيم التيار الصدري الشيعي في العراق مقتدى الصدر بيانا طالب فيه السعودية والقناة بوقف بث المسلسل حتى لا تحدث فتنة بين السنة والشيعة.

وفي بيان نشره على موقع "تويتر" قال الصدر: "أرى من الأجدر والأفضل بل المتعيّن أن تتراجع قناة إم بي سي عن بث مسلسل درامي بخصوص معاوية، فهو رأس الفتنة الطائفية وأول من سنّ سب الصحابة وأول من خرج عن إمام زمانه وشقّ صفّ الوحدة الإسلامية".

وأضاف: "بث مثل هذه المسلسلات مخالف للسياسات الجديدة المعتدلة التي انتهجتها المملكة"، متابعا "لا داعي لجرح مشاعر إخوتكم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها".

وردّ بعض النقاد أن المسلسل لا يستحق هذا الجدل وأن إيران أنتجت الكثير من الأعمال الفنية، التي تمجّد بعض الشخصيات الدينية الشيعية.

كما أعلنت قناة "الشعائر" الموالية لإيران عن إنتاج فيلم سينمائي ضخم بعنوان "شجاعة أبو لؤلؤة" لتجسيد شخصية قاتل عمر بن الخطاب والمعروف باسم "أبو لؤلؤة المجوسي".

يرى أستاذ التاريخ أيمن فوزي في حديثه مع منصة "المشهد" أن الرفض لمسلسل معاوية قبل العرض هو نابع من عقيدة أيدولوجية وليس لأسباب تاريخية، مشيرا إلى أن المسلسل لا بد من أن يظهر انتصار الأمويين على الهاشميين وهو ما قد يرفضه الشيعة.

من جانبه، يعتقد الناقد الفني طارق الشناوي في حديثه مع منصة "لمشهد" أن المسلسل سيسعى لتقريب وجهات النظر بين الشيعة والسنة، ومعالجة هذه الخلافات بالعودة إلى بداية الصراع بين الاثنين في مسلسل معاوية.

تجسيد الشخصيات

هذا الجدل حول الأعمال الفنية التاريخية ليس جديدا بل يعود إلى ستينيات القرن الماضي، ويؤكد الشناوي أن أغلب الأعمال التاريخية التي تناولت حتى أشخاص في العصر الحديث تعرضت للانتقاد.

وأرجع هذا الجدل إلى أن الكثير من الوقائع التاريخية في العالم العربي "مشكوك في صدقها وصحتها".

بينما يرى فوزي أن هذا الجدل يرجع إلى أن الأعمال الفنية التاريخية أصبحت مصدرا مهما للمعلومات لكثير من الناس خصوصا مع تراجع القراء.

من جانبها، ترى الناقدة الفنية ماجدة خير الله أن الجمهور العربي "غير قادر على التعامل مع الدراما التاريخية واستقبالها بشكلٍ واع بسبب خوفه من اهتزاز الصورة التاريخية لبعض الشخصيات المقدسة لديه".

وأكدت خير الله في تصريحات لمنصة "المشهد" أن الأغلبية يعتمدون في معلوماتهم التاريخية على الكتاب المدرسي الذي تم تلقينه لهم ولا يريدون تغييرها، ويخشون من تلقي أي معلومات جديدة من مصادر مختلفة".

وبحسب النقاد، غالبا ما يكون الجدل بسبب أزمة تجسيد بعض الشخصيات الدينية والتي يرى البعض أنها مقدسة كما حدث في فيلم الرسالة للمخرج العالمي مصطفى العقاد، عندما تم تجسيد شخصية حمزة بن عبدالمطلب عم النبي محمد، وبعض أفراد "العشرة المبشّرين بالجنة".

وحدث هذا الجدل أيضا عند بث مسلسل عمر الذي يجسد شخصية الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وطالب البعض بمقاطعة المسلسل وخاصة أنه يجسد شخصيات جميع صحابة النبي.

وتقول خير الله إن "البعض لايزال لديه جهل فني في فكرة الفصل بين الممثل والشخصية التاريخية التي يجسدها، وأنه ليس هو، بل شخص عادي له حياته الخاصة وسيظهر في أعمال فنية أخرى".

وشدّدت على ضرورة تدريس الفنون والدراما في المدرس لتغيير هذه المفاهيم.

ويتفق الشناوي مع هذا الرأي قائلا "إننا كعرب مهما كانت ديانتنا نتعامل مع الشخصيات الدينية كشخصيات أسطورية لا يجوز تجسيدها"، وأشار إلى أن بعض المسيحيين في مصر رفضوا تجسيد شخصية بابا شنودة بدعوى أنه "لا يوجد فنان مناسب لتجسيد الشخصية".

وأضاف أنه تحدث مع شيخ الأزهر أحمد الطيب بسبب استمرار رفض الأزهر تجسيد بعض الشخصيات، وأخبره الطيب إنه يوجد إجماعا بين علماء المسلمين على ذلك، وأنهم يرفضون أن يجسد شخص أحد الأنبياء أو الصحابة ويظهر فيما بعد في دور مرتشي أو حرامي لأنه.

في المقابل، يرى فوزي أنه عند اختيار فنانين لتجسيد بعض الشخصيات الدينية المهمة يجب مراعاة تاريخها الفني وأن يكون بعيدا عن الابتذال.

المعلومات التاريخية

أما السبب الثاني لهذا الجدل، فهو تشكيك الكثيرون في المعلومات الواردة في هذه الأعمال التاريخية، ويتهمونها بـ"تزييف التاريخ".

حدث ذلك عن إنتاج في فيلم الناصر صلاح الدين للمخرج يوسف شاهين في عام 1963، واتهمه البعض "بتزييف التاريخ" وشكّكوا في الكثير من المعلومات الواردة فيه مثل خيانة حاكم عكا.

لكن هذا الخلاف حول المعلومات التاريخية ظهر بقوة عند عرض مسلسل فتح الأندلس للمخرج الكويتي محمد العنزي، وشكك المغاربة والجزائريين في المعلومات الواردة في المسلسل، وقالوا إن العمل تجاهل الدور التاريخي لبلاد المغرب في فتح الأندلس وأنه يقدم "نظرة استعلائية للمشرق على المغرب".

كما شكّك بعض الأشخاص في أصول شخصية القائد المسلم طارق بن زياد وهل هو عربي أم أمازيغي من تلسمان في الجزائر أم منطقة الريف في المغرب؟

ووصل الجدل إلى البرلمان المغربي حيث وجه النائب عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المهدي الفاطمي سؤالا كتابيا بشأنه لوزير الشباب والثقافة والتواصل، كما تم رفع دعوى قضائية لوقف بث المسلسل على القناة الأولى المغربية.

وقال مؤرخون مغاربة إنه تم تهميش دور طارق بن زياد لأنه أمازيغي مغاربي لصالح قادة عرب آخرين، كما اعترضوا على بعض الديكورات والملابس التي ظهرت في المسلسل.

ويُرجع المؤرخ المصري أيمن فوزي أن هذه الأخطاء التاريخية إلى عدة أسباب:

  • استخدام الأعمال الفنية التاريخية في الإسقاطات السياسية كما حدث في فيلم الناصر صلاح الدين، وتم استخدامه للترويج للقومية العربية وبالتالي شوّه بعض الحقائق التاريخية.
  • عدم مراجعة هذه الأعمال من قبل مؤرخين مختصين في الحقبة التاريخية، وهو عكس ما يحدث في أي عمل فني تاريخي في الغرب يتم الإشراف على كتابته من قبل مختصين.
  • البناء الدرامي للعمل الفني قد يؤدي إلى تشويه بعض الحقائق التاريخية، عند عرض أي عمل تاريخي يجب أن تظهر الشخصية التاريخية كما كانت في الواقع بدون أي تزييف أو استخدامات سياسية.
  • بعض الأخطاء في الديكورات والملابس والأطعمة قد تؤثر على مصداقية العمل الفني التاريخي.

في المقابل، يقول الشناوي إن البناء الدرامي والتفاصيل في المسلسل هي ملك للمؤلف والمخرج.

ويؤكد أنه يجب الاهتمام أكثر بالدراما التاريخية العربية، مشيرا إلى أنها تحتاج إلى مزيد من الأبحاث والدراسات. 

(المشهد)