كان نموذجًا للوسامة، التي كانت عاملًا محوريًا في تشكيل نجوميته ومسيرته السينمائية الطويلة، إذ قال عنها ذات يوم "لقد حصلت على كل شيء بفضل هذا الجمال".
آلان ديلون، الذي رحل عن عالمنا اليوم بعمر الـ 88 تميّز عن سواه من الممثلين الفرنسيين الكبار بهذه الوسامة التي طبعت كثيرا من نجوم الشاشة الأميركيين، ومن مكوّناتها جاذبية لا تُضاهى، وعينان زرقاوان، ونظرة قاتلة، ناهيك بندبة خفيفة على ذقنه، ناجمة عن حادث سيارة تعرّض له خلال التصوير عندما كان في الثالثة والعشرين.
ولاحظ جان مارك باريسي في كتابه الروائي عن سيرة ديلون بعنوان "مشكلة مع الجمال" أن "هوليوود كان لديها براندو وإيستوود وردفورد وبيتي ونيومان الذين مثّل كلّ منهم نوعًا مختلفًا من الجمال (...) أما في فرنسا، فديلون وحده تمتع بالجمال إلى هذا الحد".
أحد عمالقة السينما الفرنسية
وكان ديلون واحدًا من عمالقة السينما الفرنسية الأربعة في نهاية خمسينيات القرن العشرين، مع لينو فينتورا وجان غابان وجان بول بلموندو، لكنه تميّز عنهم بصفاته الجمالية.
لكنّ ديلون الذي كان النظير الذكر لحسناء الشاشة الفرنسية في تلك الحقبة بريجيت باردو، واستخدم جماله كسلاح، لم يكتف بطلّته البهية هذه التي طبعت الشاشة اعتبارًا من عام 1960 في فيلم "بلان سولاي" Plein Soleil للمخرج رينيه كليمان.
فهذا الفيلم الذي أدى فيه ديلون دور القاتل توم ريبلي الذي يكلفه ثري أميركي بمساعدته في إعادة نجله الموجود في إيطاليا مع شريكة حياته، تضمّن مشهدا شهيرا شكّل محطة رئيسية في مسيرة الممثل الفرنسي، يظهر فيه من دون قميص، يقود مركبًا شراعيًا في وسط البحر الأبيض المتوسط.
وقال ديلون لمجلة "باري ماتش: عام 2018 "عندما عُرضَ عليّ العمل في السينما، طرحت السؤال: لماذا أنا؟ و(...) كانوا يتحدثون معي عن هذا الجمال باستمرار"،
وجه لا تظهر عليه المشاعر
ويُروى أن والدة ديلون إيديت التي أخذ عنها الجمال كانت تنزّهه، صغيراً، في حديقة "بارك دي سو"، وتضع على عربة الأطفال لافتة تحمل العبارة الآتية: "أنظروا إليّ، لكن لا تلمسوني!".
وكان ديلون يُخبر أنه أدرك أن ملامحه البدنية كانت توفّر له السلطة من خلال إغواء نساء غالبا ما كنّ بكبرنه سناً. وقال: "كنّ مجنونات بي إذ يبدو أنني كنت وسيمًا. لقد أعطينني هذه الفرصة لأمثّل في السينما".
وعندما سئل في مقابلة تلفزيونية عام 1990 إذا كانت الوسامة أمرًا مزعجًا، أجاب من دون تواضع زائف: "إنها مشكلة إذا كنت وسيمًا وغبيًا، لكنها ليست حالتي".
والأرجح أن جاك دوراي هو المخرج الأكثر إبرازاً لجمالية ديلون، من خلال تركيزه بالكاميرا على تقاسيم جسمه عند حافة حوض السباحة في فيلم "لا بيسين" La Piscine عام 1969 مع خطيبته السابقة رومي شنايدر.
وأعادت دار "ديور" استخدام مشاهد هذا الفيلم بعد 40 عامًا، مفضلة الاستعانة بجسد ديلون على اللجوء إلى الممثلين الوسيمين المعاصرين في إعلانات عطرها "أو سوفاج" Eau Sauvage...
ولوسامة ديلون طابع آخر أيضا يتمثل في الجمال البارد الذي أفاد منه المخرجون في أفلام التشويق، وخصوصًا جان بيار ملفيل في فيلم "لو ساموراي" Le Samouraï عام 1967، من خلال نظرات قاتل ذي وجه لا تظهر عليه العواطف والانفعالات.
ومن المحطات البارزة أيضًا في هذا الإطار ملصقًا "بورسالينو"Borsalino الذي يظهر فيه بقبعة على رأسه، و"لو كلان دي سيسيليان" Le Clan des Siciliens حيث يوجه مسدسه نحو المشاهدين، جنباً إلى جنب مع غابان وفينتورا...
بعد وفاة ديلون، ربما طويت أيضا إلى غير رجعة فكرة مطابقة الممثلين لمعايير جمال ثابتة ولنموذج واحد للوسامة، إذ يسعى الفن السابع إلى الابتعاد عن الصور النمطية والانفتاح على قدر أكبر من التنوع.
وكانت بريجيت باردو التي عاصرت ديلون قاطعة في قولها عام 2018: "ليس هناك ديلون جديد بين الممثلين الفرنسيين الجدد. فهم ملتحون، أو صُلع، أو سيئون الملبس... والسؤال أين ذهبت جينات الجمال!".
خلافات أبنائه
عقب وفاة الفنان الفرنسي، قال أبناؤه الثلاثة في بيان مشترك، واضعين خلافاتهم جانبا بعدما كانوا في نزاع قضائي لأشهر بشأن والدهم الذي أضعفه المرض، إنّ "ألان فابيان وأنوشكا وأنتوني، وكذلك لوبو (كلب ديلون)، يعلنون بعميق الحزن رحيل والدهم. لقد توفي بسلام داخل منزله في دوشي، محاطا بأولاده الثلاثة وعائلته (...) التي تطلب منكم احترام خصوصيته، في لحظة الحداد المؤلمة هذه".
وقال نجله أنتوني لوكالة فرانس برس إنّ نجم "بلان سولاي" و"لو ساموراي" و"لا بيسين" توفي قرابة الثالثة صباحا.
وفي منشور عبر منصة "إكس"، علّق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على وفاة ديلون، بالقول "موسيو كلاين أو روكو، لو غيبار أو لو ساموراي، آلان ديلون أدى أدوارا أسطورية، وجعل العالم يحلم. لقد منح وجهه الذي لا يُنسى ليقلب حياتنا رأسا على عقب".
وعلّقت بريجيت باردو، في رسالة مكتوبة بخط اليد أرسلتها إلى وكالة فرانس برس، على وفاة ديلون بالقول "إنّ رحيل ديلون يُحدث فراغا كبيرا لن يتمكن أي شيء أو أحد من ملئه".
وكتبت المرأة التي لا تزال آخر أسطورة حية للفن السابع الفرنسي "كان يمثل أفضل ما في السينما الفرنسية المرموقة. فهو سفير للأناقة والموهبة والجمال"، مضيفةً "لقد خسرت صديقا وشريكا".
وعبر منصة التواصل الاجتماعي نفسها، كتبت وزيرة الثقافة المستقيلة رشيدة داتي "آلان ديلون لم يعد موجودا. كنّا نعتقد أنه لا يرحل لأنّه عاش حيوات عدة"، معتبرة أنه "يترك بوفاته فرنسا يتيمة من أجمل أدوار على الشاشة".
وتصدر ديلون عناوين الأخبار في صيف 2023 عندما رفع أبناؤه الثلاثة دعوى ضد المعاونة المنزلية للنجم هيرومي رولان، التي يُقال أحيانا إنها شريكته، متّهمين إياها بـ"استغلال ضعف" والدهم. وقد رُدت الشكاوى وأُغلق الملف.
ثم خاض أولاده سنة 2024 معارك في ما بينهم عبر الإعلام والقضاء. واتهم الابنان أختهما بالتلاعب بوالدهما الذي كان يعاني سرطان الغدد الليمفاوية وأصيب بجلطة دماغية عام 2019، وإخفاء حقيقة وضعه الصحي عنهما.
وفي مايو 2019، عاد ديلون إلى السجادة الحمراء ضمن مهرجان كان السينمائي ليتسلم سعفة ذهبية فخرية. وقال حينها دامعاً وبلهجة مؤثرة "إنه كتكريم بعد الوفاة، ولكن في حياتي".
وأضاف الرجل الذي عاش سنواته الأخيرة في منزله المحاط بأسوار عالية في دوشي حيث كان يرغب في أن يُدفن على مقربة من كلابه "سأغادر، لكنني لن أذهب من دون أن أشكركم".
(أ ف ب)