فيديو - جورج خباز لـ"المشهد": الحفاظ على الكرامة في لبنان صعب.. وهذه أقسى أيام حياتي

شاركنا:
في بودكاست عندي سؤال أوضح جورج خباز أن اللون الأسود له التأثير الأكبر في حياته ولا يشترط أن يكون مرتبطًا بالحزن فقط

في حوار عميق وعفوي جمع الإعلامي محمد قيس بالفنان جورج خباز عبر بودكاست "عندي سؤال" على قناة المشهد، غاص الاثنان في تفاصيل شخصية وفنية وإنسانية من حياة خباز، الذي لم يتردد في مشاركة أفكاره ومشاعره بكل صدق وشفافية.

الحزن والسواد... تأملات فلسفية

سُئل جورج خباز عن اللون الذي كان له التأثير الأكبر على حياته، فأجاب بلا تردد: الأسود، لكنه سرعان ما عمّق الفكرة قائلًا إن "السواد لا يعني بالضرورة الحزن، بل يعكس تجارب صعبة مرّ بها، ويمثل الليل الذي يجد فيه جمالًا وهدوءًا. الحزن بالنسبة له ليس عبئًا بل جزء من التكوين الإنساني".

وحين طلب محمد قيس من جورج خباز أن يعدّد النعم التي يشعر بالامتنان لها، جاءت إجاباته بأن العائلة هي النعمة الأكبر، وكذلك البيئة التي نشأ فيها، والموهبة الفنية، والإيمان، وعلاقته مع المسرح.

وأكد خباز أن لا شيء ينقصه اليوم، إلا في لحظات الفقد، عندما يشتاق لأشخاص غادروا الحياة وكانوا جزءًا كبيرًا من وجدانه، مثل جدته وخالته، التي كانت راقصة ضمن فرقة الرحابنة، وكان لها تأثير فني كبير عليه منذ الطفولة.

Watch on YouTube

الطفولة والمسؤولية المبكرة

وُلد خباز في 5 نوفمبر 1976، قبل أوانه، حيث ولد في الشهر السابع من الحمل.

وكان خباز الابن البكر لعائلة لبنانية، وبعده شقيقته لارا، وشقيقه نيكولا وشقيقته لورا. وصف جورج خباز نفسه بأنه طفل حساس جدًا، يحمل قلقًا دائمًا، ويتحمل مسؤولية مضاعفة تجاه إخوته، وكان يرى نفسه رفيقًا لأبويه لأنه الأقرب سنًا لهم بين إخوته.

تحدث جورج خباز عن كيف أن الحساسية المفرطة عند الطفل قد تكون عبئًا، إذ تؤدي إلى الانفعال من أبسط المواقف. وأوضح خباز أن حساسيته الفنية كانت تدفعه لتحليل كافة المواقف لتصبح هذه المواقف أكر حجمًا مما يفترض أن تكون عليه.

يصف جورج المعرفة بأنها سيف ذو حدّين. فهي من جهة توسّع الأفق وتمنح الإنسان عمقًا وجوديًا، لكنها أيضًا تسرق من اللحظة جمالها. المعرفة تُقلق، وتطرح أسئلة كبرى قد تفسد اللحظة الآنية.

ويعترف بأنه وصل حديثًا إلى قناعة مهمة: "أنا لا أملك سوى هذه اللحظة." فالماضي قد مضى، والمستقبل مجهول وخارج عن سيطرته. لذلك، اختار أن يعيش اللحظة كما هي.

ينتقد خباز واقعنا الشرقي حيث تُهدر اللحظات غالبًا بين التفكير في الماضي أو القلق من المستقبل. يرى أن هذا الهدر هو هدر للحياة نفسها. لكنه اليوم، وبفعل الوعي، صار يعيش لحظات التمارين المسرحية والكتابة بروح مليئة بالمتعة.

ويؤمن بأن الطريق قد تكون أحيانًا أجمل من الوصول. فالفن، كما يقول، لا يتعلق فقط بالعرض النهائي، بل بكل لحظة يُبنى فيها هذا العرض.

من اتفاق الطائف إلى انفجار مرفأ بيروت

يتحدث جورج عن أثر الحروب على حياته، كونه وُلد في العام 1976، في خضم الحرب الأهلية اللبنانية. عايش مراحل مختلفة من الصراعات، من اتفاق الطائف، إلى حروب تموز، ونهر البارد، واغتيال رفيق الحريري، أحداث 7 أيار، وحرب عرسال، وصيدا، وأخيرًا تفجير مرفأ بيروت، وعدوان أيلول.

كل هذه الأحداث، كما يوضح، لم تمر مرور الكرام. هي جزء من تكوينه النفسي، وباتت تزرع القلق في الجينات اللبنانية، قلقٌ ينعكس على كل تفاصيل الحياة، ويؤثر في لحظاتها.

ورغم كل المآسي، يرى خباز أن اللبنانيين يتمتعون بقدرة استثنائية على التكيّف. شعب يعيش التدهور الاقتصادي، والانفجارات، والانهيارات، ويعود إلى التأقلم من جديد. يعتبر هذا التأقلم نعمة ونقمة في آن، إذ يكشف من جهة عن صلابة، ومن جهة أخرى عن مقدار ما تحمّله هذا الشعب من آلام فوق طاقة الفرد العادي.

جورج خباز.. الشجرة التي لم تهاجر

حين سئل: "لماذا لم تغادر رغم أن بوسعك ذلك؟"، أجاب بجواب مؤثر: "هناك نوعان من الناس: الطير والشجر... الطير يحتاج إلى الهجرة ليعيش، أما الشجر فيموت إن اقتُلع من أرضه".

وصف نفسه بالشجرة، المتجذّرة في الأرض رغم العواصف، والتي تزهر في أول ربيع بعد كل موسم قحط. لكنه في الوقت نفسه، لم يوجه اللوم لمن قرر الهجرة، بل رأى أن لكل إنسان الحق في السعي وراء كرامته، لقمة عيشه، واستقراره الذاتي.

أشار خباز بوضوح إلى أن لبنان يمرّ بأزمة كرامة، وقال إن الحفاظ على الكرامة في لبنان اليوم لم يعد أمرًا سهلًا، بل أصبح جهادًا يوميًا. الإنسان يُجبر على خوض معركة مريرة فقط ليصون حقه في العيش بكرامة.

تحدث جورج خباز عن واقع مرير: "حقوقك كإنسان كارثية، والأمور تُحل بالمال والرشاوى". حتى أبسط الحقوق، كقيادة السيارة على أوتوستراد من دون انقطاع الكهرباء، باتت حلمًا. كل ذلك يحدث رغم دفع المواطن للضرائب والرسوم، دون مقابل فعلي من الدولة.

في ظل غياب دولة تحمي الإنسان وتصون حقوقه، يصبح الفرد اللبناني مضطرًا لصناعة قيمته الذاتية بنفسه. منذ العهد العثماني حتى اليوم، لم يُتح للبنان أن يعيش تجربة دولة حقيقية سوى لفترات قصيرة في عهد كميل شمعون وفؤاد شهاب وشارل الحلو. أما البقية، فهي فترات تدهور، وحروب، وسقوط في فوضى اللادولة.

وحسبما يقول جورج خباز: "في هذا الفراغ، نشأت شخصية لبنانية تعززت فيها الفردية والأنانية. اللبناني أينما ذهب ينجح كفرد، لكنه يفشل كجماعة. السبب؟ لم نُربَّ تحت مظلة دولة علمانية تضمن العدالة والمساواة، بل تربينا على صنع "دولتنا الخاصة" داخل الدولة الغائبة".

أمثالنا الشعبية، كما وصفها خباز، هي مرآة لهذا الواقع المُرّ:

"مين ما أخذ أمي بصير عمي"، "إيد ما فيك تعضها بوسها وادعي عليها بالكسر"، "الهريبة تلتين المراجل"، "بعد حماري ما ينبت حشيش"، "100 مرّة جبان ولا مرّة الله يرحمه"، "عصفور بالإيد ولا عشرة عالشجرة".

كلها أمثال تُظهر كيف تكيف الناس مع واقع قاسٍ، واختاروا السلامة على المقاومة، والانكماش على المواجهة.

على الرغم من سوداوية الواقع، لا يفقد جورج خباز الأمل. هو يعترف بالأزمة، لكنه يؤمن بمحاولة الخروج منها، وإن كان الطريق طويلًا وشاقًا.

شدّد خباز على أن الدين الحقيقي يدعو إلى المحبة والانفتاح، مشيرًا إلى أن الطائفية لا تمت إلى جوهر الإيمان بصلة.

وقال جورج خباز: "لا يمكنك أن تكون مواطنًا صالحًا قبل أن تكون إنسانًا صالحًا، والإنسان الصالح هو الخير الذي لا يؤذي".

من طفولة بسيطة إلى حياة غنية بالقيم

ينتقل الحديث إلى طفولته في منطقة البترون. يتحدث عن والده الذي كان يعمل في مجال الورش والتعهدات بعد أن أغلق مكتبته خلال الحرب. يصف جورج تلك الأيام بأنها كانت بسيطة، لكن مليئة بالقيم والدفء العائلي. يتذكر كيف كانوا يفرحون بحذاء جديد للعيد، ويقدّر صبر والدته القلقة على غياب والده الذي كان يقطع 3 حواجز يوميًا للوصول إلى عمله في بيروت.

ويقول: "كنا من طبقة وسطى، أو أقل، بس عشنا حياة حلوة فيها محبة وتكاتف، وكنا نحس بقيمة كل شي صغير".

من المشاهد العالقة في ذاكرته، تجمعه مع إخوته حول "اللوكس" أثناء انقطاع الكهرباء، حيث كانوا يمثلون مسرحيات الرحابنة بتشجيع من خالته. يقول إنه حفظ أكثر من 20 مسرحية للرحابنة عن ظهر قلب. 

(المشهد)