"سر نجاحي غباؤكم".. هل احتال بيكاسو على جمهوره؟

شاركنا:
لوحات بيكاسو بمثابة تأريخ للحياة التي عاشها الفنان في مختلف أبعادها (رويترز)
هايلايت
  • في عام 1952، كُتبت رسالة يتهم فيها الفنان الإسباني بابلو بيكاسو معجبيه بأنهم فقدوا الذوق الرفيع.
  • الرسالة التي كتبها الفنان إلى صحفي إيطالي لوثت سمعته، إذ قال فيها إنه يدين بنجاحه لغباء الناس.
  • التصريحات التي تُنسب إلى بيكاسو نُشرت في حقبة الحرب الباردة، حيث كان الفن أحد أسلحة معاركها.

"من التكعيبية وما بعدها بمختلف الأشكال الفنية أرضيت هؤلاء السادة: الغني، الفقير، المقلد، الأصيل، العاطل عن العمل، الاستثنائي. أرضيتهم بكل المراوغات التي خطرت في بالي، وكلما قل فهمهم بلوحاتي زاد إعجابهم بها".

هكذا لخص الرسام الإسباني بابلو بيكاسو نجاحه باستخفاف في رسالة نسبت إليه نشرت عام 1951. فما الذي دفع بيكاسو إلى التقليل من قيمة فنه وإهانة جمهوره؟ وما المثير في لوحاته غير المفهومة ليكون من أعظم شخصيات القرن العشرين، وأشهر فناني العالم؟

كلما قلّ فهمهم زاد إعجابهم!

الرسالة التي نشرها الصحفي الإيطالي جيوفاني بابيني، كشفت أن بيكاسو فنان يدين بنجاحه لغباء الناس، وكلما كانت أعماله أكثر غرابة زاد إعجاب الجمهور به.

مقتطف من الرسالة يقول فيها بيكاسو: "اليوم أنا مشهور وثري لكن عندما أكون مع نفسي لا أمتلك الشجاعة لأكون فنانا بالمعنى القديم للفن، أدركت أن الفن انتهى، حكم عليه بالفناء. فمستقبل الفن في المتاحف والمكتبات لأنه من بقايا الماضي غير المفهوم وغير المجدي".

لم يقف بيكاسو عند التعبير عن نظرته القاتلة للفنون، بل تجاوزها ليُهين جمهوره ويتهمه بفقدان الذوق الرفيع. "يقول أفلاطون الجمال هو روعة الحقيقة، لكن إذا بنى الفنان فنه على الأكاذيب، فماذا سيحدث للفن؟"، يتساءل بيكاسو.

اعتراف صادم للفنان العبقري يُقر فيه التالي: "مات الفن لسبب بسيط وهو أن من يدعون إنتاجه يهتمون فقط بالمال وليس بالفن، لم نعد نشعر بالفن كضرورة روحية، كما كان الحال في القرون الماضية".

هذه الأفكار ضربت سمعة الفنان الطيبة الراسخة في أذهان مُحبيه.

الفن سلاح الحرب الباردة

لكن لا يُمكننا الحكم على ما جاء في رسالة بيكاسو المزعومة من دون وضعها في سياقها التاريخي: حقبة الحرب الباردة، ومن دون فهم أيديولوجيا ناشرها: جيوفاني بابيني.

في عام 1951، نشر بابيني "الكتاب الأسود". أحد مؤلفاته التي أحدثت فضيحة لا تنسى لأحد أشهر الشخصيات في القرن العشرين، لكن سرعان ما سينقلب السحر على الساحر. اشتهر ابن فلورنسا بعدائه لرجال الدين، ثم قادته أفكاره العدمية إلى الدفاع عن الفاشية.

سيلتقي الصحفي طوال مسيرته المهنية بالعديد من المشاهير الذين نسب لبعضهم اعترافات تعكس فكره المتمرد فقط لا حقيقة ضيوفه. أحد هؤلاء بابلو بيكاسو، الذي كان في أوج عطائه في الأربعينيات وبداية الخمسينيات. بيكاسو وبابيني كلاهما ولدا في عام 1881، التقيا في عام 1912 وحافظا على علاقتهما لسنوات.

لكن في عام 1944 نُظم معرض للرسام الأندلسي في قصر طوكيو بالعاصمة الفرنسية باريس. قدم أعمالاً فنية وصفها النازيون بـ "المنحطة"، فطوقها الأمن الفرنسي خوفاً من تخريبها. لكن سمعة صاحبها هُشّمت من طرف صديقه الإيطالي بعدما باعدهما خلافهما الفكري.

استخدم بابيني معرفته بالرسام الإسباني لأغراض سياسية، تمثلت أساسا في تشويه سمعة بيكاسو عضو الحزب الشيوعي الفرنسي المناهض للفاشية. فزعم أن بيكاسو كتب لها رسالة أظهرت غرورا وجشعا ووقاحة قائد المدرسة التكعيبية.

الجهل عدو الفن

سُئل بيكاسو لماذا بعض لوحاته غير مفهومة؟ فأجاب: "العالم بلا معنى... لماذا تريدون مني أن أرسم لوحات ذات معنى". لطالما بدت لوحاته غريبة، فوضوية وغامضة خاصة بعد نشر كتاب صديقه الخائن. منذ لك الوقت حتى اليوم لا يزال البعض يشكك في معنى وأهمية ما خطته يد بيكاسو اليسرى.

"حين يرى الإنسان فناً ولا يفهمه، إما يتجاهله أو يهاجمه"، يقول الفنان التشكيلي المغربي يونس الميلودي الذي قال في تصريح لمنصة "المشهد": "هناك نوع ثالث يجهل الفن لكنه يثير فضوله، يبحث على تاريخه، فيعجب به، وبالتالي لا يمكن أن تفهم لوحات بيكاسو إذا لم تكن ملما بتاريخ الفنان".

ويشير الرسام المغربي إلى أن "بيكاسو ليس فنانا عاديا، هو ابن رسام ونحات يُتقن الرسم بدقة عالية"، مضيفا أن "فنه التكعيبي جاء بعد وقت طويل من التجارب الفنية والحياتية التي أثرت على إبداعاته فمزج ببراعة بين السريالية والتكعيبية".

وأوضح أن اللوحة عبارة عن عرض لوعي فنان يشتغل بشكل معين في فترة محددة من دون أن تلتقي الفنان تعرف حياته وتفهم نظرته للفترة التي عاش فيها من خلال لوحته. وأضاف "اللوحة بمثابة تأريخ للفترة التي عاشها الفنان في مختلف أبعادها".

وكذلك كانت لوحات بيكاسو طوال ترحاله الدائم بين اللونين الأزرق والوردي. أخذنا من خلال اللون الأول إلى أحياء الفقراء في فرنسا التي انطلق من خلالها ليعبر عن مآسي الضعفاء حتى أدخلنا في كآبة نكاد لا نخرج منها، ثم يفاجئنا من خلال اللون الثاني بلوحات يصور فيها فرح الشعوب وتلاقيهم وتلاقح ثقافاتهم.

بغض النظر إن كان بيكاسو محتالا أو سلاحا في الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، سيبقى اسمه محفورا في كتب التاريخ كواحد من أعظم الفنانين الذين عرفتهم البشرية.

(المشهد)