في متجر صغير مساحته أمتار عدة في قرية "بوسمايل"، يفترش "العم الطاهر" الأرض وسط أكوام من سعف النخيل وهو منغمس في تقليب السعف الجاف الذي جمعه قبل أيام.
يتحدث أقدم صانع "درينة" في جربة بشغف عن حرفته التي تعلّم أصولها من والده، وحفظ أسرارها منذ أن كان عمره 13 سنة.
و"الدرينة" هي قفص مخروطي الشكل يُصنع من سعف النخيل، هي وسيلة صيد تقليدية يستعملها بحارة تونس في مناطق عدة، وهي أيضا موروث ثقافي.
تُعدّ صناعتها واحدة من الحرف القديمة التي بدأت بالإندثار بعدما تقاعد أغلب حرفييها القدامى، وأهملتها الأجيال الشابة.
العم الطاهر المزداري عميد صانعي "الدرينة"، هو واحد من بضعة حرفيين ما زالوا يمارسون هذه المهنة من أجل الحفاظ عليها على أمل أن تجد طريقها إلى الجيل الجديد.
شيخٌ تجاوز الستين من عمره أمضى أغلبه في هذه المهنة الشاقة والممتعة في الوقت ذاته كما يصفها.
تساعد "الدرينة" كما يؤكد "العم الطاهر" على الحفاظ على البيئة وعلى الثروة السمكية، لذلك يحث المدافعون عن البيئة على استعمالها.
وتصنع "الدرينة" من سعف النخيل غير المثمر والجاف المنتشر بكثرة في جزيرة جربة، ويُقبل البحارة الصغار على شرائها لتكون بمثابة الفخ الذي ينصبونه للأسماك على بعد مئات الأمتار من الشاطئ.
وتُقطع العراجين الكبيرة إلى عراجين صغيرة، كما يُقطع الجزء الصلب والمتماسك فيها إلى أجزاء بالطول، تتم تجزئتها بواسطة السكين إلى خيوط رقيقة جدا، وتُربط فيما بعد بواسطة حبال مصنوعة من نبتة الحلفاء.
ويبدأ نسج "الدرينة" أساسا بتشكيل حلقة من خيوط سعف النخيل يتم فيها شدّ بقية الحبال بطريقة متناغمة جدا، حتى تتشكل الدرينة بشكلها المخروطي وتصبح أداة صيد صديقة للبيئة.
يجيد "العم الطاهر" الذي جرحت عراجين النخل يديه التعامل مع خيوط السعف فينسجها كما تنسج النساء السجاد بكثير من الإتقان والصبر يقول إن "هذه المهنة علّمته إياه"، مضيفا أن "مهنته صناعة يدوية تحتاج إلى مهارة كبيرة في تشكيل وتطويع سعف النخيل لتصبح "درينة" صالحة لصيد ألذ أنواع السمك".
وقد يمضي الحرفيون أحيانا أيّاما في تحضير السعف وتحويله إلى خيوط تصلح لتشكيل "درينة" يؤكد الحرفي.
أكبر "درينة"
وهو منهمك في شد الحبال تارة وإرخائها أخرى ليصنع خيوطا متناسقة يقول إنه يقيسها بالسليقة، يسرد "العم الطاهر" بكثير من الفخر تفاصيل مسيرة تجاوزت نصف قرن في مهنة صناعة "الدرينة" شارك خلالها في معارض عديدة بمناطق مختلفة من تونس وكان من أبرز محطاتها صناعة أكبر "درينة" تجاوز ارتفاعها 4 أمتار.
يقول إنه "أمضى أكثر من ثلاثة أشهر في تحضيرها وقد تطلّب رفعها ونقلها الى المكان الذي عرضت فيه مساعدة العديد من الأشخاص" وهي اليوم معروضة في المفترق الدائري بمدخل القرية الصغيرة.
الخوف من الاندثار
يخشى "العم الطاهر" الذي يقول إنه "لا ينوي ترك مهنته رغم إلحاح أبنائه" أن تختفي "الدرينة" مستقبلا بسبب عزوف الشباب عن تعلّم أصول صناعتها.
يقول بكثير من الحسرة إن ذلك يؤلمه ويحز في نفسه "ليس من السهل علي أن أكون شاهدا على موت حرفة عشقتها منذ كنت طفلا يافعا وسترت عائلتي وأمنت لي شيخوخة كريمة" يؤكد المتحدث.
ومع تقدمه في السن يقول العم الطاهر إن "الدرينة" صارت رفيقته التي تملا أوقات فراغه وتشعره بأنه لا زال قادرا "على العطاء وعلى الحياة".
لا تلقى صناعة "الدرينة" إقبالا كبيرا بين الشباب حيث يعتبرونها مهنة متعبة وفق "العم الطاهر" الذي عرض دون جدوى على كثير منهم تعليمه أصولها، مشددا على أنها لا تدرّ الكثير من المال على صاحبها "لذلك ينفر منها جيل اليوم"، يؤكد الشيخ الستيني.
ويلفت إلى أن عدد الحرفيين الذين لازالوا يمارسون هذه الحرفة صار يُعد على الأصابع رغم أن تونس سعت إلى تسجيل الصيد بـ"الدرينة" في قائمة التراث اللامادي العالمي لمنظمة اليونسكو باعتبارها طريقة فريدة لصيد السمك.
زينة للبيوت
يؤكد " العم الطاهر" أن "الدرينة" لا تستعمل فقط للصيد فقد انتقلت إلى البيوت وصار كثيرون يقبلون على شرائها من أجل استعمالها كديكور إما لتزيين بيوتهم أو محلاتهم.
ويكشف أن هذا التحول ساعده على المحافظة على مورد رزقه لأن الإقبال عادة على "الدرينة" يكون موسميا وينتهي بانتهاء فصل الصّيف.
ويعتقد المتحدث أن إخراج "الدرينة" من الاستعمال البحري وتحولها إلى قطعة ديكور أعاد الروح إلى هذه الحرفة، لافتا إلى أنه قد يفتح الأبواب أمام حرفيي هذه الصناعة ويعيد لهم الأمل بالاستمرار مستقبلا.
(تونس - المشهد)