تأثير الكسوف الكلي للشمس على الحيوانات
يوفر الكسوف الكلي للشمس لعلماء الأحياء تجربة طبيعية تكاد تكون مستحيلة التكرار: إدخال الكائنات الحية فجأة في شبه ليل، من دون تغيير الوقت.
في 3 سبتمبر 2026، اختارت وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" لصورة اليوم الفلكية صورة مثيرة للاهتمام: طائر لقلق يقف على عشه في بولندا خلال المرحلة الجزئية من الكسوف الشمسي الأخير. وأشارت الوكالة في تعليقها إلى السلوكيات غير المعتادة التي يمكن ملاحظتها عندما تنخفض الإضاءة بشكل حاد في منتصف النهار: طيور تصمت فجأة، وحيوانات تستعد للنوم، وأصوات ليلية تبدأ بالظهور.. ثم تعود الأمور إلى طبيعتها بعد بضع دقائق.
المشهد لافت، لكن ماذا نعرف فعلاً؟ الإجابة أكثر تعقيداً من القول إن "الحيوانات تعتقد أن الليل حلّ". فبعضها ينتقل بالفعل إلى سلوكيات مسائية أو ليلية، بينما يصبح بعضها الآخر أكثر نشاطا أو توترا، في حين لا تغيّر أنواع كثيرة سلوكها تقريباً. وتظهر الدراسات الحديثة أن رد الفعل يعتمد على النوع، وعلاقته بالضوء، وشدة انخفاض الإضاءة فعلياً.
الكسوف.. مختبر ضخم للإيقاعات البيولوجية
بالنسبة إلى عالم الأحياء، يتمتع الكسوف الكلي بميزة استثنائية: ففي غضون دقائق قليلة، يمكن أن تنتقل الإضاءة من مستوى ضوء فترة بعد الظهر العادية إلى أجواء شبيهة بالغسق أو الليل، ثم تعود إلى الارتفاع بالسرعة نفسها تقريبا.
والضوء أحد أهم المؤشرات الزمنية في عالم الحيوان. فهو يساعد على تنظيم النشاط اليومي، والتغريد، والبحث عن الغذاء، والراحة، والتنقل لدى أنواع كثيرة.
لذلك، يتيح الكسوف طرح سؤال يكاد يكون تجريبياً: ماذا يحدث عندما تقول الساعة "إنه بعد الظهر"، بينما تستقبل العينان فجأة إشارة تقول "إنه الليل"؟
ويحب العلماء هذا النوع من الظواهر، لكن لديه عيب واضح: لا يمكن مطالبة الشمس بأن تعيد التجربة الثلاثاء المقبل عند الساعة الـ3 بعد الظهر للتحقق من النتيجة. ولذلك تبقى الدراسات قليلة، كما تختلف طرق إجراء التجارب أحياناً بشكل كبير.
مشهد صوتي أن يتغير خلال دقائق
تُعد الطيور اليوم المجال الذي تتوفر فيه أكثر البيانات إثارة للاهتمام.
وخلال الكسوف الكلي الذي شهدته أميركا الشمالية في 8 أبريل 2024، جمع فريق من الباحثين أكثر من 10,000 ملاحظة من مواطنين، إلى جانب تحليل آلي لما يقرب من 100,000 صوت. وأظهرت النتائج أن أكثر من نصف الأنواع التي تمت مراقبتها غيّرت إيقاعها السلوكي.
وبعد مرحلة الكسوف الكلي، أصدرت أنواع كثيرة أصواتاً تشبه جوقة الفجر، كما لو أن دقائق الظلام القليلة أعقبها صباح جديد.
وتقدم دراسة صوتية واسعة أخرى، شملت 181 نوعاً و873 موقعاً خلال كسوفي 2023 و2024، تفصيلاً مثيراً للاهتمام. فخلال الكسوف الكلي، أصدرت معظم الأنواع أصواتاً أقل، بينما زادت عدة أنواع ليلية أو أنواع ذات عيون كبيرة من تغريدها.
لكن هذا الصمت الجماعي ظهر خصوصاً عندما كان أكثر من 94% من قرص الشمس محجوباً.
أما عندما كانت نسبة الحجب أقل من ذلك، فقد اختلفت ردود الفعل وكانت في كثير من الأحيان أضعف بكثير. ولذلك، فإن الكسوف الجزئي، حتى لو بدا مذهلاً بالنسبة إلينا، لا يمثل بالضرورة "ليلاً زائفاً" بالنسبة إلى الطيور.
النحل يقدم مثالاً آخر لافتاً
تابع باحثون نشاط مستعمرات من نحل العسل خلال الكسوف الكلي الذي حدث في 21 أغسطس 2017 في الولايات المتحدة. ومع انخفاض مستوى الضوء، تراجع نشاط النحل في البحث عن الغذاء بشكل كبير، لكنه لم يتوقف تماماً، خلافاً لبعض الملاحظات السابقة.
وخلال مرحلة الكسوف الكلي، عاد عدد قليل جداً من النحل إلى الخلية أيضاً. وخلص الباحثون إلى أن مستوى الإضاءة المحيطة يمكن أن يتغلب، ولو مؤقتاً، على الإيقاع اليومي المعتاد للنحل في البحث عن الغذاء.
بعض العناكب تفكك شباكها
ربما تكون هذه هي القصة التي تستحق أن تُروى في العشاء المقبل.
خلال الكسوف الكلي الذي حدث في 11 يوليو 1991 في المكسيك، كان باحثون يراقبون مستعمرات من عناكب "Metepeira incrassata" التي تنسج شبكات دائرية.
كان كل شيء يسير بشكل طبيعي حتى مرحلة الكسوف الكلي. عندها بدأت أعداد كبيرة من العناكب في تفكيك شباكها، وهو سلوك يتوافق مع روتينها اليومي المعتاد.
وعندما عادت الشمس، بدأت العناكب في إعادة بناء شباكها. والأكثر إثارة أن العلماء كانوا قد أضاءوا بشكل اصطناعي جزءاً من المستعمرة. أما العناكب التي بقيت في الضوء فلم تفكك شباكها.
وتقدم هذه التجربة مؤشراً قوياً بشكل خاص على أن انخفاض مستوى الإضاءة هو الذي يحفز هذا السلوك لدى هذا النوع.
في حدائق الحيوان
رصدت دراسة نُشرت عام 2020 سلوك 17 مجموعة من الحيوانات في حديقة "ريفر بانكس" للحيوانات في ولاية كارولاينا الجنوبية خلال كسوف 2017.
وأظهرت 13 مجموعة سلوكاً مختلفاً عن روتينها المعتاد، بينما تبنت 8 مجموعات سلوكيات مرتبطة بالمساء أو الليل. فقد توجهت بعض الطيور إلى أماكن مبيتها، بينما توجهت الغوريلا والفيلة وتنين كومودو إلى مناطقها الليلية.
وبدت بعض الأنواع أيضاً أكثر توتراً أو اضطراباً.
لكن الباحثين أشاروا إلى مشكلة: كانت الحديقة ممتلئة بالزوار الذين كانوا بدورهم في حالة حماس شديد بسبب الكسوف. ولذلك يصعب تحديد ما إذا كانت الزرافة تستجيب للسماء التي أصبحت مظلمة، أم لمئات البشر الذين بدأوا في الصراخ في الوقت نفسه.
وفي دراسة نُشرت في يوليو 2026 في حديقة حيوان "غرونبي" في كيبيك، أزيل هذا العامل تحديداً، إذ كانت الحديقة مغلقة أمام الجمهور خلال الكسوف الكلي لعام 2024.
وفي هذه الحالة، لم تغيّر معظم الأنواع الـ10 التي تمت متابعتها سلوكها إلا قليلاً. غير أن قرود المكاك اليابانية خفضت نشاطها بشكل كبير وصعدت إلى أماكن أعلى بين الأغصان.
وتكمن أهمية النتيجة في أن بعض القصص المثيرة عن "ذعر الحيوانات أثناء الكسوف" قد تخلط بين تأثير تغير الضوء وتأثير اضطراب البشر أنفسهم.
وبعض الحيوانات.. تواصل ببساطة يومها
ليست كل الأنواع تتأثر بالكسوف.فخلال الكسوف الكلي الذي شهدته أوروبا في 11 أغسطس 1999، تابع باحثون 12 بقرة حلوب. وعلى الرغم من انخفاض مستوى الإضاءة إلى درجة مماثلة تقريباً لليل لمدة نحو دقيقتين، لم يكن للكسوف تأثير واضح، أو كان تأثيره محدوداً، على سلوك الرعي والاجترار لديها.
(ترجمات)
