فيديو - يورغو شلهوب: لقاءات "المشهد" سهّلت عليّ أداء دوري في "المحافظة 15"

شاركنا:
يورغو شلهوب يؤكد عدم لقائه بأي معتقل أثناء التحضير للدور وإنما اعتمد على لقاءات المشهد وغيرها من القنوات
في حلقة مؤثرة من برنامج "توتر عالي" عبر قناة "المشهد"، استضاف الإعلامي طوني خليفة الممثل اللبناني يورغو شلهوب للحديث عن تجربته في مسلسل المحافظة 15، وتجسيد شخصية "فؤاد"، الشاب الخارج من أهوال سجن صيدنايا.

يورغو شلهوب يتحدث عن البكاء الأول وصدمة القراءة

استهل الإعلامي طوني خليفة اللقاء بسؤال مباشر وعاطفي: كم مرة بكى شلهوب وهو يقرأ النص؟ سؤال كان قد نوى طرحه على كاتبة العمل كارين رزق الله، لكنه وجّهه إلى بطل المسلسل.

وقد جاءت إجابة يورغو شلهوب صريحة؛ فقد اعترف أنه تأثر بشدة خلال القراءة الأولى، خصوصًا أن النص كان يحمل مفاجآت متتالية، ومشاهد مشحونة بوجع غير متوقع. كان يقرأ المشاهد من دون تحضير مسبق، فتداهمه الجمل والمواقف بقسوتها، فيشعر برجفة حقيقية تدفعه إلى البكاء.

أوضح أن التحدي الأكبر لم يكن في التأثر، بل في القدرة على استعادة ذلك الإحساس الصادق أثناء التصوير. فمشاعر القراءة الأولى عفوية ومباغتة، أما أمام الكاميرا فالممثل مطالب بإعادة إنتاجها بوعي كامل.

الألم بين التمثيل والواقع

Watch on YouTube

طوني خليفة، الذي سبق أن قدّم حلقات عن التعذيب واستضاف ناجين من السجون، أشار إلى أن مجرد الاستماع لشهاداتهم كان يلاحقه التوتر بعد انتهاء التصوير. فكيف إذًا الحال بممثل يتقمص شخصية عاش صاحبها الحقيقي هذه المأساة؟

رفض يورغو شلهوب أي مقارنة بين تجربته كممثل وتجربة المعتقل الحقيقي. وشدد على أن ما يقوم به هو محاولة تعاطف وتماثل إنساني من أجل تجسيد الشخصية بأكبر قدر من الصدق، لكنه يظل تمثيلًا لا يرقى إلى حجم المعاناة الواقعية.

ومع ذلك، فإن الغوص العميق في الشخصية لم يكن أمرًا بسيطًا. بعد استلام الحلقتين الأوليين، بدأ يشعر أنه يدخل تدريجيًا إلى عوالم مظلمة، فصار يحلم بالدور، بل يعيش كوابيس تحاكي أجواء السجن والتعذيب.

وتحدث الممثل عن أحلام شديدة الواقعية، يختلط فيها الوعي بالنوم، حتى يكاد لا يميز بين الكابوس والحقيقة. كان يضع نفسه مكان الشخصية، ويتساءل: ماذا لو حدث هذا لي فعلًا؟

الخوف من الالتصاق بالدور

وأثار طوني خليفة نقطة مهمة تتعلق بممثلين عالميين احتاجوا إلى علاج نفسي بعد أدوار قاسية التصقوا بها. هل خشي يورغو شلهوب من أن يلازمه هذا الدور طويلًا؟

اعترف يورغو بأنه كان خائفًا بالفعل، خصوصًا أن أدوارًا أخف وطأة سبق أن تركت أثرًا داخليًا لديه. كان قلقًا من أن تتغلغل هذه الشخصية في داخله وتبقى عالقة في أحلامه وأفكاره. لكنه في الوقت نفسه قرر أن يذهب إلى أقصى حدود الصدق، من دون مساومات أو تخفيف من قسوة الدور.

وأوضح يورغو شلهوب أن المفارقة كانت في النتيجة. فبدل أن يخرج مثقلًا بانعكاسات سلبية، شعر بعملية تطهير نفسي، أشبه بما يُعرف بالكاثارسيس.

وتوضيحًا لما قال، أشار يورغو شلهوب أن المشاهد الثقيلة التي غاص فيها، والتي توقع أن تؤذيه، تحولت مع الوقت إلى مساحة تفريغ داخلي. وعلى الرغم من أن تأثيرها كان قاسيًا في البداية، لكنه لاحقًا وجد نفسه يستثمر هذا الألم كنوع من العلاج الذاتي. الدور، بكل سوداويته، أطلق بداخله شيئًا مضيئًا لم يستطع تفسيره تمامًا.

أي العذابات أقسى.. داخل المعتقل أم خارجه؟

طرح طوني خليفة سؤالًا جوهريًا: أيهما أشد ألمًا، عذابات فؤاد داخل المعتقل أم عذابات ما بعد الخروج؟

ليردّ يورغو شلهوب بالحديث عن بُعد ثالث للمعاناة، وهو الخلفية التي بناها بنفسه للشخصية، حتى لو لم تُعرض كاملة على الشاشة. في تصوره، عاش فؤاد مراحل طويلة من الصمود والمقاومة داخل السجن، وهو ما أراد تجسيده في ملامحه ولغته الجسدية عند الخروج. وأصر على أن يظهر بشيء من القوة المتبقية، كدليل على مقاومة سابقة، قبل أن ينكسر تدريجيًا.

أما مرحلة ما بعد الخروج، فكانت معاناة من نوع مختلف. فؤاد يواجه العالم، وكل شيء يبدو جديدًا ومربكًا، والتفاعل الاجتماعي، الذي يعد بديهيًا للآخرين، أصبح بالنسبة له مهمة شاقة. وأوضح يورغو شلهوب أن فؤاد قد فقد القدرة على ارتداء القناع الاجتماعي الذي يتعامل به الناس في حياتهم اليومية. لم يعد يعرف كيف يتصرف، كيف يضبط انفعالاته، أو كيف يتأقلم مع الضجيج والعلاقات.

وبذلك، فإن الجزء الأصعب، بحسب رؤية يورغو شلهوب، هو إعادة التعرف إلى الحياة، حيث كان المعتقل مكانًا مغلقًا بقواعد قاسية ومحددة، أما الخارج فهو فضاء مفتوح مليء بالاحتمالات، مما يجعله مصدر خوف.

ووصف يورغو شلهوب كيف أن التعذيب الذي تعرّض له بطله لم يترك أثرًا جسديًا فقط، بل حطّم بنيته النفسية. أصبح يخاف من أبسط الأشياء، وكأن الخطر يترصده في كل زاوية. الكهرباء، والأصوات المفاجئة، وحتى النظرات، قد تعيد إليه لحظات الرعب التي عاشها. وكأن الشخصية قد انكسرت من الداخل، أو كما قال شلهوب: تمّ كسرها وتحويرها نفسيًا.

ولا يظهر هذا الخوف فقط في ردود فعله، بل في جلسته، في حركته، في نبرة صوته، فأصبح إنسانًا ينتظر الألم في أي لحظة.

الاعتقال لا يطال فردًا واحدًا بل عائلة كاملة

من أبرز النقاط التي شدد عليها يورغو شلهوب في حديثه أن مسلسل المحافظة 15 لا يركّز فقط على تأثير الاعتقال على الفرد، بل يسلّط الضوء على انعكاساته العميقة على العائلة والمحيط. فحين يُعتقل شخص، لا يُسجن وحده؛ بل تُسجن معه عائلته نفسيًا واجتماعيًا.

وأشار إلى ما أصاب أهل الشخصية من ألم وقهر، وكيف يمكن أن يدمّر الاعتقال حياة أسرة بأكملها. هناك أم تموت قهرًا، وأقارب تتبدّل شخصياتهم، وأحبّة تتشوه حياتهم بسبب نظام قمعي لا يكتفي بمعاقبة الفرد، بل يمدّ أذاه إلى كل من حوله.

يورغو شلهوب يستعين بقناة "المشهد" للتحضير للدور

في جزء آخر من الحوار، طرح طوني خليفة سؤالًا مباشرًا حول كيفية استعداد شلهوب للدور، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الممثلين الذين يؤدون أدوارًا حساسة كمدمني المخدرات أو ضحايا العنف أو العاملات في الدعارة، يلجؤون إلى معايشة حقيقية مع أشخاص مرّوا بهذه التجارب لاكتساب مصداقية أكبر.

هل فعل شلهوب الشيء نفسه؟ هل التقى ناجين من السجون أو معتقلين سابقين ليستمع إلى قصصهم مباشرة؟

جاءت إجابته صريحة: لم يلتقِ شخصيًا بأي معتقل سابق، وأوضح أن قراره هذا كان بدافع أخلاقي وإنساني، فلم يشأ أن يعيد أي شخص إلى ذكرياته المؤلمة عبر استجوابه أو دفعه إلى استحضار تفاصيل قد تكون جارحة. ورأى أن من غير المناسب أن يطلب من ناجٍ أن يغوص مجددًا في تجربة قاسية فقط لخدمة عمل درامي.

وبدل اللقاءات المباشرة، اعتمد شلهوب على كمّ كبير من المقابلات المصوّرة والتقارير التلفزيونية المتاحة، سواء عبر قناة "المشهد" أو عبر منصات إعلامية أخرى.

وأشار يورغو شلهوب إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي ومحركات البحث سهّلت المهمة، إذ يمكن الوصول إلى شهادات موثّقة لناجين يروون تجاربهم بأنفسهم.

وشاهد تلك المقابلات بعناية، راقب تعابير الوجوه، طريقة الجلوس، التردد في الكلام، لحظات الصمت. لكنه شدد على أنه لم يرغب في تقليد شخص بعينه. فالشخصية التي يجسدها ليست نسخة عن أحد، بل كيان مستقل له خصوصيته النفسية. أخذ من تجارب متعددة ملامح عامة، ثم صاغ منها روحًا خاصة بالشخصية.

قرار فني.. أم موقف وجودي؟

تساءل طوني خليفة في الحوار: لماذا يختار فنان يتمتع بشعبية واسعة في لبنان وسوريا والعالم العربي أن يؤدي دورًا قد يثير انقسامًا بين جمهوره؟ أليس في ذلك مجازفة بخسارة شريحة من محبيه؟

وبحسب طوني خليفة، هناك جمهور قد يرى في العمل موقفًا سياسيًا ضد النظام السابق، ما قد يدفعه إلى التخلي عن دعمه للفنان، فيما قد يتردد جمهور آخر في تبنّى العمل بسبب التوترات اللبنانية السورية المتجددة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتصاعد خطاب يتهم هذا الطرف أو ذاك بتجاهل معاناة الآخر.

اعتبر يورغو شلهوب أن الفنان، حين يقتنع بدور ما وبالمبدأ الذي يحمله، لا يمكنه أن يتراجع خوفًا من ردود الفعل. وأكد أنه مؤمن برسالة العمل، وأنه يرى في الفن وسيلة لقول الحقيقة كما يراها، لا أداة لإرضاء الجميع. بالنسبة له، المسألة ليست حسابات شعبية بقدر ما هي قناعة داخلية بضرورة تناول قضية مؤلمة ومسكوت عنها.

(المشهد)