ما هو الذكاء الاصطناعي التوليدي؟ سؤال قد يسأله الكثيرون في ظلّ الانتشار الكبير للذكاء الاصطناعي في عالمنا الحالي، وما شكله من ثورة في كلّ المجالات ومختلف القطاعات.
فإن كنت من المهتمين في الغوص بتفاصيل كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لمعرفة المزيد عنه وعن من هو مؤسسه وأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي وعن نماذج الذكاء الاصطناعي وما يجب على المستخدمين أن يعرفوه ويكونوا على دراية تامة به، نقدم لك في هذا الموضوع كل التفاصيل التي تتعلق بهذا المصطلح.
ما المقصود بالذكاء التوليدي؟
الذكاء الاصطناعي التوليدي أو Generative AI هو أحد أبرز فروع الذكاء الاصطناعي الحديث يعرف بالعقل الثاني. ويعتبر نقلة نوعية في الطريقة التي تتفاعل بها الآلات مع الإنسان.
وهو ليس كالبشر أي ليس كائنا واعيا ولا يمتلك مشاعر أو إدراكا للذات بل يقوم على خوارزميات معقدة من نماذج التعلم العميق التي تحاكي طريقة تفكير الدماغ البشري في تحليل الأنماط واستنتاج العلاقات بين البيانات.
مميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
يتميز استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي بقدرته على إنشاء محتوى أصلي سواء كان هذا المحتوى نصوص أو صور أو موسيقى أو مقاطع فيديو أو حتى شيفرات تتعلق بالبرمجة وذلك استجابة لطلب المستخدم ما يجعله مختلفا تماما عن الطرازات السابقة لأنه قادر على الإبداع والتفكير في الأشياء بشكل أعمق وهو ما لم يكن متاحا في الأجيال السابقة من الذكاء الاصطناعي.
وقد أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي محط اهتمام لدى العالم منذ إطلاق تطبيق ChatGPT عام 2022 الذي أظهر للعالم كيف يمكن للآلة أن تحاور الإنسان بلغة طبيعية وتنتج نصوصا شبيهة بكتابة البشر.
وبعد ذلك كرت السبحة إذ تبعه عدد من التطبيقات الأخرى مثل DALL·E وMidjourney في تصميم الصور وبرامج Deepfake الذي يقوم بإنشاء مقاطع فيديو أقرب ما يكون إلى الواقع ولكن مزيفة.
وقد انتقل الذكاء الاصطناعي التوليدي مع هذا التطور من مرحلة التحليل إلى مرحلة الإبداع والإنتاج ليصبح أداة يستخدمها الكتاب والمصممون والمبرمجون وحتى المؤسسات في تعزيز الإنتاجية وتحسين جودة العمل.
وفي هذا السياق، تشير بعض الدراسات الحديثة ومنها أبحاث "McKinsey" إلى أن نحو ثلث المؤسسات حول العالم بدأت بالفعل في استخدام الذكاء التوليدي بشكل منتظم ضمن عملياتها اليومية في خطوة تعكس بداية عصر جديد تتقاطع فيه القدرات البشرية والإبداع الآلي.
مثال على الذكاء الاصطناعي التوليدي
أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي وأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تمتاز بقدرتها على إنتاج أنواع متعددة من المحتوى الإبداعي في مجالات مختلفة ما جعله أداة أدت إلى ثورة في عالم التقنية والفن والعلوم. تتنوع نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي وتطبيقاته والأمثلة عليه لتشمل النصوص والصور والفيديوهات والموسيقى والتعليمات البرمجية وحتى البيانات. ويتم استخدامها جميعها في مجالات مثل التعليم والترفيه والبرمجة والرعاية الصحية ودعم العملاء. وفي ما يلي أبرز الأمثلة على قدرات استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في كل مجال:
إنشاء النصوص
يعتبر توليد النصوص من أكثر استخدامات الذكاء التوليدي شيوعا. فالنماذج المعتمدة على تقنيات المحولات أي Transformers مثل ChatGPT وغيره تستطيع كتابة محتوى مترابط ومتناسق يشمل التعليمات والمقالات والتقارير والمدونات وحتى النصوص الإبداعية والفنية والشعر. كما يمكنها تلخيص الوثائق الطويلة أو كتابة أوصاف للمنتجات والمواقع الإلكترونية ما يوفر الوقت ويحسن كفاءة الكتاب والعاملين في مجالات التسويق والإعلام.
الصور والفيديوهات
شكّلت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل DALL·E وMidjourney وStable Diffusion نقلة في عالم التصميم إذ بات بإمكان المستخدمين إنشاء صور فنية أو واقعية أو خيالية انطلاقا من مجرد وصف نصي يكتبونه للتطبيق ليحوّل نصّهم من مجرد تخيل إلى واقع. كما يمكنها تعديل الصور وتحسينها أو نقل أنماط الرسم بين الصور المختلفة.
أما في مجال الفيديو فتتيح نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي إنشاء رسوم متحركة ومؤثرات بصرية بسرعة ودقة تفوق الطرق التقليدية ما أحدث ثورة في صناعة المحتوى المرئي والإعلانات.
الصوت والموسيقى
إلى جانب ما ذكرناه للذكاء الاصطناعي ونماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي القدرة على إنتاج أصوات بشرية طبيعية تستخدم في النصوص الصوتية وللمساعدة في سرد الكتب الصوتية وخدمة العملاء. كما تستخدم الخوارزميات نفسها في تأليف موسيقى أصلية تحاكي أعمال ملحنين محترفين مع إمكانية توليد ألحان جديدة من الصفر وبشكل تام بأساليب موسيقية مختلفة.
التعليمات البرمجية أو البرمجة
في مجال التكنولوجيا تساعد أدوات للذكاء الاصطناعي مثل GitHub Copilot وChatGPT Code Interpreter المطورين على كتابة التعليمات البرمجية وتصحيحها واقتراح حلول بشكل تلقائي. ويمكن للنماذج التوليدية ترجمة الكودات بين لغات برمجة متعددة أو إنشاء تطبيقات أولية بسرعة ما يزيد من إنتاجية المبرمجين ويزيد من الإبداع في هذا القطاع.
التصميم والفن
أصبح الفنانون والمصممون يعتمدون على الذكاء التوليدي لتطوير تصميمات مبتكرة وأعمال فنية سواء في الرسومات الغرافيكية أو في تصميم البيئات والشخصيات داخل الألعاب والواقع الافتراضي. هذا الاستخدام أتاح دمج الفن بالتكنولوجيا.
المحاكاة والبيانات
في المجال العلمي والطبي يمكن للنماذج التوليدية إنشاء بيانات باستخدام الذكاء الاصطناعي تستخدم في تدريب الأنظمة أو في اكتشاف الأدوية. فعلى سبيل المثال تولد خوارزميات الذكاء الاصطناعي تراكيب جزيئية جديدة بخصائص محددة تساعد العلماء على تطوير مركبات دوائية مبتكرة بسرعة أكبر وبتكلفة أقل.
من هو مؤسس الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
إن كنت تسأل نفسك من هو مؤسس الذكاء الاصطناعي التوليدي ومن اخترعه فإن هذا الابتكار لا ينسب إلى شخص واحد فقط لأنه ليس اختراعا منفردا بل هو ثمرة جهود جماعية امتدت على مدى عقود من الزمن في مجالي الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي. فقد شارك في تطويره عدد كبير من العلماء والمهندسين والباحثين حول العالم الذين ساهموا بشكل تدريجي في بناء المفاهيم والتقنيات التي يقوم عليها هذا النوع من الذكاء.
مراحل تطوّره
بدأت ملامح الذكاء التوليدي بالظهور مع تطور النماذج التوليدية مثل ما يعرف بالشبكات العصبية المتكررة والشبكات التوليدية التنافسية وهي تقنيات سمحت للآلة للمرة الأولى بإنشاء محتوى جديد يشبه ما ينتجه الإنسان.
ومع مرور الوقت جاءت ثورة التعلم العميق أي Deep Learning لتحدث قفزة نوعية في هذا المجال إذ مكنت النماذج من فهم كميات ضخمة من البيانات وتحليلها بطريقة تحاكي عمل دماغ الإنسان ما جعلها قادرة على توليد نصوص وصور وأصوات أكثر واقعية وإبداع.
ومن خلال هذه التطورات المتراكمة نشأ الذكاء الاصطناعي التوليدي بشكله الحديث الذي نراه ونستخدمه اليوم في تطبيقات مثل ChatGPT وDALL·E وغيرهما. وقد لعبت مؤسسات عالمية رائدة مثل OpenAI وGoogle وعدد من الجامعات ومراكز الأبحاث دورا كبيراً في تطوير هذه التقنيات ودفعها نحو الاستخدام العملي الواسع.
يعني كل ذلك أنّه يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي التوليدي هو نتاج رحلة علمية مشتركة شارك فيها المئات من العقول المبدعة حول العالم لتمنحنا اليوم واحدة من أكثر التقنيات تأثيرا في عصرنا الحالي.
مخاطر الذكاء الاصطناعي التوليدي
رغم ما يقدمه من فرص هائلة في مجالات التعليم والإعلام والتسويق والطب وغيرها ورغم فوائده الكبيرة إلا أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يثير أيضا تحديات أخلاقية وتقنية تتعلق بالدقة والمصداقية وحقوق الملكية الفكرية، كما أنّ هناك عدد من المخاطر الأمنية التي يجب على المستخدمين أن يكونوا على دراية بها. وفي ما يلي أبرز هذه المخاطر:
الهلوسة
من أبرز مشاكل الذكاء التوليدي ما يعرف بـ"الهلوسة" وهي حالة تنتج فيها النماذج معلومات غير صحيحة لكنها تبدو منطقية ومقنعة. على سبيل المثال قد يقدم النموذج استشهادات أو وقائع لم تحدث أصلا. وقد شكل هذا الأمر خطرا كبيرا في المجالات الحساسة كالقانون أو الطب وقد حصلت بعض الأحداث التي حصلت في عدد من البلدان. ويعود ذلك إلى أنّه يمكن أن يؤدي إلى قرارات خاطئة. ولتقليل هذه المشكلة يعمل المطورون على وضع حواجز أمان تربط النماذج بمصادر موثوقة وتخضعها للتحديث والمراجعة الدائمة مثل ما يحصل في الإصدار الجديد من ChatGPT.
المخرجات غير المنسجمة
يلاحظ البعض أحيانا أن النماذج التوليدية قد تنتج إجابات مختلفة عن نفس السؤال وذلك نظرا لطبيعتها الاحتمالية. ورغم أن هذا التنوع قد يكون مفيدا في بعض الحالات كالإبداع مثلاً، إلا أنه غير مرغوب فيه في التطبيقات التي تحتاج إلى ثبات في النتائج مثل خدمة العملاء أو المساعدات الذكية.
التحيز
تعتمد النماذج التوليدية على بيانات ضخمة مأخوذة من الإنترنت ما يجعلها عرضة لاكتساب تحيزات اجتماعية أو ثقافية موجودة في هذه البيانات. وقد يؤدي ذلك إلى إنتاج محتوى متحيّز أو غير عادل أو مسيء. ولتجنب ذلك، يسعى المطورون إلى تنويع بيانات التدريب ومراجعة مخرجات النماذج باستمرار لضمان حيادها وعدالتها.
التزييف العميق أو Deepfake
يعتبر التزييف العميق من أخطر تطبيقات الذكاء التوليدي إذ يمكن إنشاء صور أو مقاطع فيديو أو تسجيلات صوتية واقعية لأشخاص يقولون أو يفعلون أشياء لم تحدث في الحقيقة. ويتم استغلال هذا النوع في نشر الأخبار الكاذبة أو الإساءة للآخرين أو حتى في عمليات الاحتيال المالي. وللتصدي له يعمل الباحثون على تطوير أدوات قادرة على كشف التزييف العميق إلى جانب تعزيز الوعي لدى المستخدمين بضرورة التحقق من صحة المحتوى قبل مشاركته.
غياب الشفافية وصعوبة التفسير
تعرف النماذج التوليدية بأنها صندوق أسود أي أن طريقة اتخاذها للقرارات غير واضحة حتى بالنسبة لمطوريها. وهذا الغموض يجعل من الصعب تفسير النتائج أو فهم كيفية الوصول إليها. لذلك، يجري العمل على تطوير ما يسمى بالذكاء الاصطناعي القابل للتفسير الذي يساعد في تعزيز الثقة والفهم لآلية عمل النماذج.
الذكاء الاصطناعي التوليدي والأمن
يمكن إساءة استخدام الذكاء التوليدي في إنشاء محتوى مضلل أو ضار مثل رسائل التصيد أو الهويات المزيفة ما يشكل تهديدا للأمن الرقمي.
كما يمكن أن يؤدي إدخال بيانات خاصة أو ملكية فكرية إلى كشف معلومات حساسة. لذا ينصح دائماً بتوخي الحذر في استخدام البيانات ومراقبة المخرجات لحماية الحقوق والمعلومات.
المخاطر الأمنية التي يجب على المستخدمين أن يكونوا على دراية بها:
الاحتيال والهندسة الاجتماعية المتقدمة
يمكن للذكاء الاصطتاالتوليدي إنشاء رسائل بريدية ونصوص ومنشورات مخصّصة تبدو حقيقية جدًّا لكنها في الحقيقة أدوات تصيد واحيال ما يزيد من قدرة المحتالين على إقناع الضحايا.
ولذلك ينصج بالتحقق دائما من هوية المرسل وعدم النقر على روابط مشبوهة أو مشاركة معلومات حساسة عبر الرسائل.
اختراق كلمات المرور
يمكن للذكاء الاصطناعي توليد خوارزميات وتخمينات أكثر ذكاء لكلمات المرور ما يجعل هجمات التخمين الآلية أخطر ويجعلها قادرة على اختراق حساباتنا. وفي هذا السياق ينصح باستخدام كلمات مرور طويلة وفريدة ومصادقة متعددة العوامل.
الهجمات الآلية
يمكن للذكاء الاصطناعي إنشاء رسائل احتيال أو برمجيات ضارة بكميات كبيرة وبسرعة عبر الذكاء الاضطناعي التوليدي ما يزيد من نطاق وفاعلية الهجمات الإلكترونية.
التلاعب بأنظمة التحقق والروبوتات (CAPTCHA)
الروبوتات تتطور وباتت قادرة على الاحتيال على "I'm not a robot"، فتحسن قدرات الروبوتات المدعومة بالذكاء التوليدي جعلها قادرة على محاكاة السلوك البشري ما يضعف فعالية بعض آليات الحماية.
الخصوصية والبيانات الحساسة
عند إدخال بيانات حساسة في أدوات توليد المحتوى أو أثناء تدريب النماذج قد تتسرب أو تستخدم بطريقة غير مصرح بها. ولذلك ينصح دائماً بتفعيل طبقات أمان إضافية مثل التحقق الثانوي ومراقبة السلوك المشبوه.
المعلومات المضللة
قد يؤدي الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى انتشار محتوى مزيف أو غير موثوق ما يقلل من قدرة الناس على التمييز بين الأخبار والمعلومات الصحيحة وتلك الخطئة ما يؤثر على الأفراد والمؤسسات.
نقاط ضعف الذكاء الاصطناعي التوليدي
للذكاء الاصطناعي التوليدي قدرات هائلة في إنتاج المحتوى وحل المشكلات وكما ذكرنا أشعل ثورة في معظم القطاعات لكنه ليس خاليا من نقاط تالضعف التي قد تؤثر على موثوقيته وأمان استخدامه. ويمكن اختصار أبرز نقاط ضعف الذكاء الاصطناعي التوليدي في ما يلي:
- التحيز والإنصاف
- الخصوصية
- الملكية الفكرية
- نقص الإبداع
- مخاوف أخلاقية
- هلوسات الذكاء الاصطناعي التوليدي
- الافتقار إلى الفهم الدقيق
- قضايا بيئية
- الذكاء الاصطناعي المسؤول
- التحيز الخوارزمي
- طبيعة الصندوق الأسود
- خصوصية البيانات وأمنها
- صعوبة التكيف
- يشجع على الكسل البشري
- الهلوسات
- قابلية التفسير
- انعدام المساءلة
- محدودية بيانات التدريب.
(المشهد)