اقتحم الذكاء الاصطناعي أوجه الحياة كافة، حتى بات بمثابة صديق وفيّ، في حدود قدراته. وبالفعل، يوفّر الذكاء الاصطناعي مجموعة واسعة من القدرات التي قد تعزز الإنتاجية، حيث تعتمد مخرجاته على المجال الذي يُستخدم فيه، كما أنه يعالج المعلومات والنصوص، ويساهم في الإبداع وتوليد المحتوى، ويقدم المساعدة الشخصية والتعليم، ويساهم في طرح رعاية صحية وعلوم.
ولكن هذا ليس كل شيء.. فالذكاء الاصطناعي قادر حتى على اقتراح حلول لمشاكل عاطفية، لكنه يبقى عاجزًا عن التنبؤ بما قد يحصل مستقبلًا، فهذا ليس دوره في الأساس، فهو يجيب على أسئلة ترتبط بالمستقبل بناءً على معطيات معينة، لكن دونما حسم.
أمّا في الرياضة وتحديدًا كرة القدم، ذاع صيت ما يُعرف بـ"الحاسوب العملاق"، وهو أداة تقنية تابعة لـ"أوبتا"، لكنها تعمل بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي.
"أوبتا" شركة رائدة عالميًا في مجال جمع وتحليل البيانات الرياضية المباشرة، وأهم ما يميزها في عالم الرياضة يتمثل في:
- جمع البيانات التفصيلية، حيث تراقب وتسجل كل لمسة للكرة في المباراة.
- وضع "تصنيفات القوة"، كتصنيف عالمي لأكثر من 15 ألف فريق رجال ونساء، ما يسمح بمقارنة قوة الأندية في مختلف الدوريات والقارات.
- تطوير المؤشرات المتقدمة كالمفاهيم الإحصائية الحديثة التي أصبحت ركيزة في التحليل الرياضي، مثل الأهداف المتوقعة، بالإضافة إلى اعتماد ما يعرف بـ"أوبتا فيجن" (تقنيات لتحديد قدرة اللاعبين على التمرير والتأثير الميداني).
وتغطي "أوبتا" أكثر من 30 رياضة في 70 دولة، وتُزود كبرى القنوات الرياضية، الصحف، الأندية، ومواقع المراهنات بالإحصائيات والرسوم البيانية الحيّة، وهي شريك للاتحاد الدولي لكرة القدم، كأول موزع رسمي عالمي لبيانات كأس العالم 2026.
وتقوم العلاقة بين "أوبتا" والذكاء الاصطناعي، على تحويل البيانات الخام إلى رؤى تنبؤية وتكتيكية متطورة، حيث تملك الأولى أكبر قاعدة بيانات رياضية في العالم، وهي تستخدم الذكاء الاصطناعي لمعالجتها.
أرسنال.. أخيرًا
وعندما يحاول "الحاسوب العملاق" توقع نتيجة ما، فهو لا يقوم بالعملية مرة واحدة، بل يجري آلاف المحاكات للمباراة أو الموسم، تصل إلى 10 آلاف مرة في ثوانٍ. وفي كل محاكاة، يضع احتمالات لإصابة لاعب، أو طرد، أو تسجيل هدف مبكر.
ويعتمد في توقعاته على تحويل اللعبة إلى معادلات رياضية معقدة تشمل:
- تحليل "قوة الفريق" (يُمنح درجة تقييم ديناميكية تتغير بعد كل مباراة، وتعتمد على مستوى الخصم وجودة الفرص وليس النتيجة فقط).
- تقنية "تعلم الآلة" (يتعلم من أخطائه السابقة من خلال تعديل الخوارزمية).
- إدخال المتغيرات الحيّة، مثل الحالة البدنية (بيانات من حساسات يرتديها اللاعبون توضح مستويات الإجهاد).
- سوق الانتقالات (تحديث التوقعات فور التوقيع مع لاعب جديد).
- الظروف الجوية (تأثير المطر أو الحرارة على أداء فرق معينة، بناءً على سجلها التاريخي في ظروف مشابهة).
ماذا توقع "الحاسوب العملاق" للموسم الراهن؟
وقام "الحاسوب العملاق" بمحاكاة موسم دوريات كرة القدم في أوروبا، بناءً على جدول المباريات المعلن وما تم استخلاصه من الجولات السابقة.
وبناءً عليه، رأى بأن أرسنال سيكسر صيامًا دام 22 عامًا، لم يحقق خلالها لقب بطل الدوري الإنجليزي، كما منحه نسبة 84.44% للتتويج، رغم خسارته الأخيرة على أرضه أمام مانشستر يونايتد.
وأرسنال يتصدر الترتيب بـ 50 نقطة، بعد مضي 23 جولة من أصل 38، أمام مانشستر سيتي وأستون فيلا (46 نقطة لكل منهما). وتوقع أن يحصد "المدفعجية"، 81 نقطة في نهاية الموسم مقابل 73 لـ"فيلا" و71 لـ"سيتي".
وفي إسبانيا، يرى بأنّ فرصة برشلونة للاحتفاظ بلقب الدوري تصل إلى 63.64% مقابل 34.59 لريال مدريد، رغم أنّ الفارق بينهما لا يتعدى النقطة الواحدة، (52 مقابل 51) قبل 17 جولة على الختام.
و"الحاسوب العملاق" لم يمنح بايرن ميونيخ أكثر من 68% لإحراز لقب الدوري الألماني، رغم أنّ ثمة نوعًا من التسليم بأن تتويج "العملاق البافاري" مجرد مسألة وقت، خصوصًا أنّ صفوفه تكتظ بالنجوم، ما جعله يتقدم بفارق 8 نقاط على بوروسيا دورتموند، بعد مضي 19 جولة من أصل 34. وصحيح أنّه تعرض قبل أيام للخسارة الأولى في الدوري أمام أوغسبورغ على أرضه، غير أنّه كان الطرف الأفضل من دون منازع.
وفي المقابل، بدا "الحاسوب" نفسه حاسمًا في مسألة الصراع على اللقب الفرنسي مع منح باريس سان جرمان، بطل أوروبا، نسبة 82.4% للاحتفاظ بـ"العرش"، علمًا أنّه يقف على قمة الترتيب بـ45 نقطة أمام لنس (43)، قبل 15 مرحلة على النهاية.
وفي إيطاليا، تبلغ فرصة إنتر ميلان في التتويج 74.63% أمام ميلان (13.92) ونابولي (6.88). ويبدو التوقع منطقيًا، خصوصًا أنّ "نيراتزوري" يتبوأ الترتيب بـ52 نقطة، أمام "روسونيري" (47)، فيما يأتي روما ثالثًا ونابولي رابعًا (43 نقطة لكل منهما)، قبل 16 جولة على الختام.
منافسات قارية
وتُستخدم بيانات "الحاسوب العملاق" من قبل وسائل الإعلام لتقديم تحليل أعمق للمشجعين، ولدى مكاتب المراهنات لتحديد احتمالات الفوز والخسارة، ومن الأندية أحيانًا بغية فهم نقاط القوة والضعف مقارنةً بالمنافسين.
ولا يقتصر عمل هذه المنظومة على البطولات المحلية، بل يمتد إلى المنافسات القارية، وهنا تكمن المساعدة الكبرى التي تضعها البيانات في متناول الجميع.
وعلى جبهة دوري أبطال أوروبا مثلًا، وضع "الحاسوب" أرسنال في المقدمة بنسبة تتويج تصل إلى 31% رغم أنّ الفريق اللندني لم يسبق له الفوز باللقب القاري. وجاء بايرن ميونيخ ثانيًا (17%). ويبدو الترتيب منطقيًا، لأن الفريقين يقدمان العروض الأجمل في أوروبا.
وتقاسم المركز الثالث مانشستر سيتي وبرشلونة بنسبة 8% لكل منهما، في ظل غياب ريال مدريد عن المراكز المتقدمة، وهو الفائز باللقب 15 مرة (رقم قياسي)، ربما نتيجة التخبط الفني الذي أفضى إلى رحيل المدرب تشابي ألونسو وحلول ألفارو أربيلوا مكانه.
ومن المعلوم أنّ أرسنال وبايرن ميونيخ، هما الوحيدان اللذان ضمنا بلوغ دور الـ16 مباشرةً في "تشامبيونز ليغ" وفق النظام الجديد، الذي اعتمد ابتداءً من الموسم المنصرم، إذ يتصدر الأول المجموعة الموحدة بـ21 نقطة من 21 ممكنة، مقابل 18 للفريق الألماني، الذي حقق 6 انتصارات مقابل هزيمة وحيدة تكبدها أمام أرسنال نفسه.
وبالنسبة إلى برشلونة التاسع (13 نقطة) و"سيتي" الحادي عشر (13 أيضًا)، فهما لم يضمنا حتى الساعة التأهل المباشر إلى الدور التالي، بانتظار مباريات الجولة الختامية، يوم الأربعاء.
وسيختتم الموسم بالبطولة الأهم: كأس العالم في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. هنا أيضًا كان لـ"الحاسوب العملاق" كلمته حين سئل في يناير الجاري عن هوية البطل، فاختار إسبانيا، بطلة أوروبا، بنسبة 17%، أمام فرنسا (14.1) وإنكلترا (11.8).
وحتى أنّه ذهب أبعد من ذلك حين توقع هوية المنتخبات التي ستتوج باللقب العالمي في السنوات المقبلة، فاختار البرازيل (2030)، فرنسا (2034)، ألمانيا (2038)، إنجلترا (2042)، الأرجنتين (2046)، هولندا (2050)، إيطاليا (2054)، نيجيريا (2058)، إسبانيا (2062)، البرتغال (2066) واليابان (2070).
وتبقى كل هذه التوقعات مجرد نتيجة لقراءة الأنماط المتكررة في بيانات قائمة على الأرقام. وقد يَصدق الذكاء الاصطناعي أحيانًا، لكن حتى إن صحّت توقعاته كلها، فهي ستأتي من باب صدفة نادرة لا تمنحه الحق في الادعاء بـ"فوقية فنية"، إذ سيُقال على الدوام: "كذب الذكاء الاصطناعي.. ولو صدق".
(المشهد)