لائحة "نسبة السعادة"

آخر تحديث:

شاركنا:
"باريس" مرشح بديهي لانتزاع لقب الدوري المحلي بشكل موسمي (رويترز)

في المستوى الأعلى من كرة القدم التنافسية، لا شيء يعلو أهميةً على الألقاب لترسيخ حضورٍ وهيبة، مع كل ما يتبع ذلك من مداخيل تجارية وتوسع اقتصادي وقدرة شرائية في سوق الانتقالات.

السقوط في دوري أبطال أوروبا بالنسبة إلى أندية كبيرة مثل ريال مدريد الإسباني ومواطنه برشلونة، بايرن ميونيخ الألماني، باريس سان جرمان الفرنسي، أرسنال ومانشستر سيتي وليفربول الإنجليزية، يشكل _في الوقت الراهن_ خطوة ناقصة على طريق تحقيق هدف مركزي، بالنظر إلى القيمة السوقية لتلك الفرق.

وطالما أنّ للمسابقة بطلاً موسمياً واحداً، فإن الآخرين يعتبرون، حُكماً، خاسرين نسبياً، ليس على مستوى العائدات التي قد تتجاوز، بأيّ حال، حدود المئة مليون يورو لكل منهم، بل على الصعيد التنافسي.

لكن هل يمكن تعويض التعثر القاري داخلياً؟ في إسبانيا، تبقى خسارة اللقب الأوروبي صعبة على ريال مدريد وبرشلونة، لكن الترضية قائمة بحال الفوز بالدوري المحلي، نظراً إلى الصراع التاريخي بين "الملكي" و"العملاق الكتالوني".

تاريخياً، يحمل التتويج بالـ"ليغا" بُعدَين، فهو يمنح صاحبه زعامة محلية تترافق مع تفوّق مطلوب على خصم لدود. من هنا، يمكن اعتبار الموسم الراهن لبرشلونة ناجحاً نسبياً كونه شهد تتويجه بالدوري رغم وضعه المالي الصعب. أما الفوز بمسابقة الكأس المحلية فلا يُعتبر حصاداً قيّماً لـ"الكبيرين"، بل مجرد مكمّل للقب الدوري أو لقب "الأبطال".

مسابقة دخيلة

يختلف الأمر في إنجلترا. الجماهير تعطي الأولوية للدوري المحلي، تاريخياً، فيما يعتبر دوري الأبطال "مسابقة دخيلة" على الخصوصية الإنجليزية. صحيح أنها بطولة مرموقة وهدفُ الأندية الكبرى، إلا أنّ الزعامة القارية في إنجلترا تحوّلت حديثاً مدعاةَ فخرٍ محلية.

كان لزاماً على مانشستر سيتي التتويج باللقب القاري بفعل الدعم منقطع النظير والرؤية الثاقبة لملّاكه، ووجود المدرب الإسباني جوسيب غوارديولا، وهو ما تم إنجازه بالفعل.

مشجع أرسنال، من جانبه، لا يتردد في التعبير عن تفضيله الـ"بريمير ليغ" على دوري الأبطال رغم بلوغ ناديه النهائي للمرة الثانية فقط وبحثه الحثيث عن لقب قاري أول، وذلك لأسباب عدة أبرزها العودة إلى زعامة إنجلترا الغائب عنها منذ 2004.

الواقع الإنجليزي مُبَرَّر، فالصراع على الدوري مفتوح بين "الستة الكبار" رغم تراجع توتنهام وتشيلسي ومانشستر يونايتد. لذا توجّب على "سيتي" العمل دون هوادة للسيطرة على المسابقة المحلية، واستلزم من ليفربول جهداً مضاعفاً وتعاقداً مع المدرب الألماني الفذّ، يورغن كلوب، للوقوف في جه "مدّ السيتيزنس".

وبينما يحصر ريال مدريد تركيزه في برشلونة محلياً، والعكس صحيح، وفي ظل منافسة محدودة من الآخرين، وبينهم أتلتيكو مدريد، فإن الحرب على الجبهتين، الإسبانية والأوروبية، مطلوبة، فيما يستوجب الأمر من أندية القمة في إنجلترا تركيزاً بنسبة 50 إلى 60% على الجبهة الداخلية المثقلة تحدياتٍ، قبل التخطيط للمعترك القاري.

المنافسة على جبهات مختلفة يحتاج عمقاً في التشكيلة، بدلاء بمستوى الأساسيين، وبعض الحظ. خير مثال: أرسنال. دعم صفوفه بما لذّ وطاب من نجوم، فتصدر الدوري الممتاز والمجموعة الموحدة لدوري الأبطال وبلغ النهائي.

وبالنسبة للحظ، لم يكن رجال المدرب الإسباني ميكيل أرتيتا بحاجة إليه، إذ لم يتركوا شيئاً للصدفة بدليل تفاديهم الخسارة في المسابقة الأوروبية الأم وتصدرهم قائمة أقوى الفرق دفاعياً فيها (6 أهداف فقط).

كأس إنجلترا تكتسب سمعة تاريخية لكن الفوز بودّها يبقى جائزة ترضية لمن فاته قطار الدوري من المرشحين. أهميتها تتفاوت بين نادٍ وآخر.

زعامة محلية

في فرنسا، حتّمت الاستثمارات القطرية على نادي باريس سان جرمان سيطرة محلية كخطوة أولى، ومن ثم زعامة أوروبية عُمل عليها طويلاً من خلال صفقات "باب أول" شملت الأرجنتيني ليونيل ميسي، البرازيلي نيمار والفرنسي كيليان مبابي، لكن الفرج لم يأتِ إلا مع وصول المدرب الإسباني لويس إنريكي. فقد تخلّص من نجوم الصف الأول، ثم ركن إلى بناء منظومة يعمل فيها كل لاعب للآخر، والنتيجة: تتويج أول بدوري الأبطال في الموسم الماضي، وبلوغ نهائي الموسم الراهن.

"باريس" مرشح بديهي لانتزاع لقب الدوري المحلي بشكل موسمي، وهو ما أنجزه في الموسم الراهن. لكن النادي الذي تأسس في 1970، وضع نفسه في مكان يحتّم عليه الوقوف على النقطة الأعلى من منصة التتويج الأوروبي بعدما ابتعد بأشواط عن منافسيه المحليين، متسلّحاً بميزانية لا يجاريه فيها أحد.

لا يختلف وضع بايرن ميونخ عن "سان جرمان"، في ألمانيا. فقد وضع نفسه في مكان لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه محلياً.

استقرار مالي أهّله تعزيز صفوفه بأسماء لامعة من الدوري الممتاز، الأغلى والأفضل: الإنجليزي هاري كاين، الفرنسي مايكل أوليسي والكولومبي لويس دياز.

ما يميّز "العملاق البافاري" عن "باريس" هو اختلاف نموذج الملكية، وهذا جزء من فلسفة ألمانية تُعرف بقاعدة "50+1". هنا تعود ملكية النادي لأعضائه (المشجعين) مع النسبة الأكبر (75%). لا مالكاً فردياً أو صندوقاً استثمارياً، بل يدار النادي بواسطة مجلس إشرافي يضم ممثلين عن الأعضاء وشركاء إستراتيجيين، ويعتمد استقلالية مالية من خلال إيراداته الذاتية ولا يغرق بالديون.

"الراحة النسبية" التي يتمتع بها "بايرن" على الجبهة الداخلية والقدرة الشرائية تحتّمان التنافس بشراسة على اللقب القاري بعدما سئمت الجماهير الفوز بالـ "بوندسليغا".

يختلف الوضع تماماً في إيطاليا حيث تعاني الأندية مالياً، وتعيش واقعاً متخلّفاً مقارنةً بأترابها في دول أوروبية أخرى. بات الدوري المحلي الهدف الأول والأخير لأندية المقدمة، فيما تحول التتويج بدوري الأبطال حلماً بعيد المنال رغم بلوغ إنتر ميلان النهائي في مناسبتين أخيراً: الموسم 2022-2023 عندما خدمته القرعة قبل السقوط بصعوبة أمام مانشستر سيتي، والموسم الماضي عندما استسلم لـ "باريس" بخماسية.

بخلاف إنتر، يغيب ميلان ويوفنتوس ونابولي وروما تماماً عن المشهد الأوروبي.

ولسخرية القدر أنّ الفوز بكأس إيطاليا بات عنواناً لموسم ناجح بالنسبة إلى "الكبار".

معايير النجاح

تختلف معايير النجاح في أوروبا بين هذا وذاك، حتى داخل البلد الواحد.

في إسبانيا، اعتُبر موسم ريال مدريد فاشلاً لأنه خلا من الألقاب. في المقابل، سيكون ناجحاً جداً بالنسبة إلى جاره "الصغير" رايو فاليكانو إذا كُتب له التتويج بكأس "دوري المؤتمر" (ثالث البطولات الأوروبية أهمية) على حساب كريستال بالاس الإنجليزي.

فرايبورغ الألماني، من جهته، بلغ نهائي "يوروبا ليغ". قد يتوّج على حساب أستون فيلا الإنجليزي، ويحقق لقباً عزيزاً ويحتفل بختام موسم ناجح، في ظل حصد "بايرن" ثنائية محلية تظللها غصّة أوروبية نتيجة الخروج المرّ من نصف نهائي "الأبطال".

قد ينهي فريقٌ مشوار الدوري في مركز يضمن له مقعداً في إحدى المسابقات الأوروبية، فيعتبر موسمه ناجحاً تحقق فيه المبتغى.

تشيلسي سجل موسماً ناجحاً بامتياز، وفق معاييره. ضَمنَ مقعداً في دوري الأبطال، توّج بـ"دوري المؤتمر" وكأس العالم للأندية. إنجاز ثلاثي ما كان ليرضي ريال مدريد أو بايرن ميونخ، مثلاً، فالمشاركة في "الأبطال" واجبة، التتويج بـ"دوري المؤتمر" يجلب العار لتاريخ النادي كونه مخصصاً لـ"أندية الظل"، فيما يُعتبر الفوز بكأس العالم هدفاً مكمِّلاً لأهداف أكبر.

حقائق تؤكد بأن الإنجاز ليس واحداً في أوروبا، فمن يحصد 100 لقب في "يوروبا ليغ"، على سبيل المثال، لن يكون أفضل منزلة ممّن لديه لقب واحد في دوري الأبطال. المعنى أنّ عدد الألقاب في مجمل المسابقات لدى نادٍ معيّن لا يعكس بالضرورة تفوقه على نادٍ آخر لم يحصد من الألقاب سوى القليل من الكبير منها.

تبدو حسبة معقدة، ربما. قد يكون "الحل المستحيل" لائحة صادرة عن الاتحاد الأوروبي للعبة يحدد فيها "نسبة السعادة" المسموح بها عن كل إنجاز وعن كل لقب.. بالنسبة إلى كل نادٍ على حدة.