تتواجه أندية ليفربول وأرسنال وتشلسي من عمالقة الدوري الإنجليزي لكرة القدم هذا الأسبوع في مواجهات كبرى يربط بينها خيط غير متوقع.
تألق المدرسة الإسبانية
وينحدر المدربون الـ3 جميعهم من إقليم غيبوثكوا الباسكي الصغير في إسبانيا. ويستضيف ليفربول بقيادة أندوني إيراولا فريق تشلسي الذي يدربه شابي ألونسو في مسابقة كأس الرابطة الإنجليزية يوم الأربعاء.
ويستقبل ليفربول يوم الأحد فريق أرسنال بطل إنكلترا بقيادة ميكل أرتيتا في الدوري الإنجليزي الممتاز. ويقود أوناي إيمري وهو رابع مدرب في الدوري الإنجليزي من إقليم غيبوثكوا فريق أستون فيلا لمواجهة العملاق برشلونة في مسابقة دوري أبطال أوروبا في 3 نوفمبر المقبل.
وتمكن أصغر أقاليم إسبانيا بمساحة لا تتجاوز 1980 كيلومترا مربعا وعدد سكان يقارب 730 ألف نسمة من تخريج 20 بالمئة من مدربي الدوري الإنجليزي الممتاز.
الأب الروحي
وتبدأ الإجابة عن سر هذا التفوق مع رجل واحد كان مُوجِها لهم جميعا لكنه يكاد يكون مجهولا خارج المنطقة بخلاف ألونسو أو أرتيتا وهو ميكل إيتشاري البالغ 80 عاما.
ووصف مدير تدريب المدربين في اتحاد كرة القدم بإقليم غيبوثكوا خوسو سوبيا راموس المدرب إيتشاري بأنه رجل حكيم وأستاذ كرة قدم ومعلم المعلمين.
ويحمل معهد تدريب المدربين في الاتحاد اسمه بعدما عمل بلا كلل لأكثر من نصف قرن لنشر أفكاره. وأكد إيتشاري بعد أيام من تكريمه على مسيرته خلال مباراة ودية بين ريال سوسييداد وأتلتيك بلباو في أكتوبر الماضي أن المدربين الباسكيين محظوظون لأن الروابط بينهم قوية جدا.
وأضاف أنهم كانوا محظوظين بما يكفي ليعيشوا كرة القدم الاحترافية من دون إظهار شغف بالمال بل شغف بالمعرفة والتطور المستمر.
جذور وشغف
وسبق لأرتيتا أن سُئل عن أسباب نجاح مدربي المنطقة فسلط الضوء على شغف أبناء بلاده والتعليم الذي تلقوه جميعا. وبدأ هذا التعليم منذ الطفولة حيث لعب أرتيتا وإيراولا وألونسو جميعا في خط الوسط نفسه عندما كانوا في الـ8 من العمر مع نادي أنتيغوكو كيرول إلكارتيا للشباب في مدينة سان سيباستيان.
ولا تزال قمصانهم معلقة في مكاتب النادي بينما لم ينس هؤلاء المدربون جذورهم يوما في المنطقة. ويُعد لاعب وسط أرسنال الحالي مارتين سوبيميندي خريجا آخر للنادي الباسكي ذاته. وشكّل ريال سوسييداد وأتلتيك بلباو تاريخيا العمود الفقري لكرة القدم الباسكية في المنطقة.
ولا يزال أتلتيك بلباو الواقع في إقليم بيسكايا المجاور متمسكا بسياسة الاعتماد على اللاعبين المحليين في تشكيلته. وتخلى ريال سوسييداد عام 1989 عن قيوده المتعلقة بالتعاقد مع لاعبين من خارج المنطقة لكن أكاديميته لا تزال مصدرا أساسيا للمواهب في كرة القدم.
ويبدو الطريق من فرق الفئات العمرية إلى الفريق الأول أكثر وضوحا مقارنة بأندية أخرى بالبطولة. ويركز اللاعبون على كيفية المنافسة من أجل نادي منطقتهم ثم رد الجميل له لاحقا خلال مسيرتهم الكروية.
ويتوقع المشجعون النجاح دائما رغم محدودية الموارد مقارنة بعملاقي الكرة الإسبانية ريال مدريد وبرشلونة وهو فارق يُعوَّض جزئيا عبر العمل الجاد والروح التنافسية الكبيرة.
تدريب جيد
ونجح الناديان في السنوات الأخيرة بإحراز كأس الملك والمشاركة بقوة في دوري أبطال أوروبا. وينتج التدريب الجيد لاعبين أفضل واللاعبون الذين يفهمون اللعبة بعمق يمكن أن يصبحوا مدربين بالمستقبل. وينقل هؤلاء المدربون أفكارهم بدورهم للجيل القادم ما يخلق حلقة فاضلة متواصلة بالمنطقة.
وأكد إيتشاري عدم وجود حسد في طريقة تعامل الناس مع بعضهم بعضا مشيرا إلى أن الجميع يريد الأداء والمعرفة والمعلومات ضمن المساحة التي يعملون فيها جميعا.
ومن السمات المتكررة بالمنطقة ثقافة المعايير العالية والسعي المستمر إلى تطوير الذات بانتظام. وأضاف إيتشاري أن لديهم مفهوما قويا وعاليا للأداء والمتطلبات والعمل الجاد لأن المدرب الباسكي يطالب نفسه بالكثير في أي مجال وليس فقط في كرة القدم.
ثقافة كرة القدم
وتابع المدرب أنه أمضى أكثر من 60 عاما متتالية من دون أن يمر عام واحد من دون نشاط كروي. وضم إيتشاري المدرب ألونسو من فريق أنتيغوكو عام 1999 عندما كان مديرا رياضيا لريال سوسييداد.
ودرب إيتشاري فريقي إيبار ومنتخب إقليم الباسك في مسيرته الكروية الحافلة بالإنجازات. وتتميز المنطقة بلغتها الخاصة وهي لغة الإيوسكارا ولا تقتصر براعة أبناء الإقليم على كرة القدم.
وتضم مدينة سان سيباستيان أعلى كثافة من المطاعم الحائزة نجوم ميشلان نسبة إلى عدد السكان في العالم. وتوجد تقاليد رياضية قوية في الهواء الطلق بإقليم الباسك المعروف بمناخه الماطر والغيوم الكثيفة باستمرار.
ويمارس الأطفال دون الـ10 سنوات في الإقليم عدة رياضات مختلفة بدلا من التخصص المبكر في رياضة واحدة. ولا تزال رياضات محلية مثل رفع الحجارة وتقطيع الأخشاب جزءا من الثقافة السائدة بالمنطقة.
ارتباط والتزام
وأوضح سوبيا راموس أن النجاح يرتبط إلى حد ما بالثقافة المحلية والباسكية وثقافة غيبوثكوا. وأكد ارتباط النجاح بطريقة عمل مجتمعهم والعمل الجماعي وكيفية عيش ثقافة الأندية على مر السنين.
وشدد على أهمية كيفية ارتباطهم بالمشروع عندما ينضمون إليه ويرتدون شعاره على صدورهم ليدفعوا فيه كما لو أنهم بدأوا مسيرتهم المهنية هناك أو وُلدوا فيه.
وأشار إلى وجود قواسم مشتركة كثيرة مع إنكلترا سواء من حيث المناخ أو فلسفة عيش كرة القدم هناك التي تشبه ما هو موجود في غيبوثكوا.
ويحصل عدد كبير من المدربين على شهاداتهم التدريبية في غيبوثكوا لضمان مسيرة مهنية ناجحة. وأكد سوبيا راموس أن مدرسة المدربين تعيش حاليا فترة ممتازة جدا بوجود عدد مسجلين أكبر من أي وقت مضى.
وأوضح أن المدرسة تضم هذا الموسم أكثر من 500 مدرب مسجل وهو رقم كبير بالنسبة لعدد سكان الإقليم الصغير. واعتبر ذلك دليلا على وجود اهتمام حقيقي بالتعليم وتطوير الذات مشيرا إلى حماسة المدربين الكبيرة للعمل والتطور الدائم.
وتشير الأرقام بوضوح إلى أن هذا المنبع لن يجف قريبا بالمنطقة. وقد يكون المدرب المقبل من طراز أرتيتا أو ألونسو أو إيراولا جالسا الآن في إحدى قاعات الدراسة الكروية بالإقليم.
(وكالات)
