منذ اندلاع الحرب الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، بدأت أسئلة تنهال حول إمكانية إلغاء، وفي أحسن الأحوال، تأجيل بطولة كأس العالم 2026 لكرة القدم المقررة للمرة الأولى في تاريخها في ثلاث دول، الولايات المتحدة الأميركية، كندا والمكسيك.
قبل أقل من 100 يوم على انطلاق "العرس العالمي" في نسخته الـ 23، استبعد خبراء ومراقبون عدة التوجه نحو "المساس" بالبطولة إلا في حال تسلل التصعيد إلى أوروبا والولايات المتحدة، وهي احتمالية غير مرجحة.
قرارات الحظر
الانسحاب الجدّي المطروح لمنتخب إيران لن يؤثر في إقامة الحدث المنتظر الذي سيشهد 104 مباريات سيخوضها 48 منتخباً للمرة الأولى في تاريخ البطولة، 13 منها في المكسيك، 13 في كندا، و78 في الولايات المتحدة، بينها المباراة النهائية.
وإذا كان افتراضُ الانسحاب الإيراني المزعوم عابراً، فإن المطالبات الصادرة من داخل الاتحاد الألماني للعبة وجهات سياسية، والداعية إلى دراسة "مقاطعة" مونديال 2026، تضع البطولة في مكان مختلف، بالنظر إلى ثقل ألمانيا على الصعيدين، السياسي والرياضي.
ورغم أن الاتحاد الألماني أصدر بياناً استبعد فيه المقاطعة "في الوقت الراهن"، وشدد على "قوة الرياضة الموحدة"، فإنّ التقارير تشير إلى أنّ خيار الانسحاب قد يصبح "حتمياً" في حال سارت إسبانيا على الطريق نفسه بعدما كشف اتحادها المحلي أنه يدرس بجدية إمكانية المقاطعة بسبب توترات دبلوماسية مع واشنطن بعد رفض مدريد استخدام قواعدها العسكرية في عمليات مرتبطة بالتصعيد مع إيران، ما أدى إلى تهديدات اقتصادية من الجانب الأميركي.
وتستند التهديدات الألمانية إلى "السياسات الخارجية والرسوم الجمركية الأميركية"، وتعتبر بأن المشاركة في البطولة تتعارض "مع القيم الديمقراطية" في ظل المناخ السياسي الحالي.
الاتحاد الدولي للعبة (فيفا) لم يُصدر أيَّ إشارة إلى إمكانية حرمان إيران من المشاركة أو انسحابها طوعاً، ولا بخصوص تأجيل كأس العالم برمّتها.
وعلى الرغم من ذلك، لا مانع من تغيير موقف أصحاب القرار في حال استمرار الصراع وتوسّعه خارج الشرق الأوسط، خصوصاً في ظل حظر السفر الذي فرضته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي قد تؤثر على قدرة وافدين من الخارج على حضور المباريات في الولايات المتحدة تحديداً، وعلى رأسهم الإيرانيون الممنوعون حالياً من السفر إلى الأراضي الأميركية.
كما أنّ من شأن تعطل حركة الطيران أو تأثر إمدادات النفط، أن يفرض الاعتبارات العملية على "فيفا" والولايات المتحدة للتفكير في ترتيبات بديلة لإقامة البطولة.
صحيحٌ أنّ بطولة كأس العالم التي تقام مرة كل 4 سنوات، حُجبت في مناسبتين، تحديداً في 1942 و1946، غير أنّ المسببات كانت منطقية وفرضتها الحرب العالمية الثانية الدائرة في تلك الفترة. بعدها، عادت عجلة المنافسة إلى الدوران في مونديال 1950 في البرازيل بعد 12 سنة من التوقف.
ولم يسبق أن جرى سحب الاستضافة من دولة ومنحها لأخرى بقرار من "فيفا" بل حصل التغيير الوحيد في 1986 بطلب من الدولة المستضيفة نفسها.
والحقيقة أن كولومبيا حصلت على حق تنظيم نسخة 1986 في أكتوبر 1982 قبل أن تتخلى عنه بسبب مشاكل اقتصادية وبنية تحتية غير جاهزة.
وفي مايو 1983، قرر "فيفا" نقل الاستضافة إلى المكسيك التي كانت جاهزة للمهمة بفعل تنظيمها نسخة 1970.
تأثير ضخم
فرضية نقل أو تأجيل أو إلغاء كأس العالم 2026 تبقى قائمة، وإن بنسبة ضئيلة للغاية، بيد أن وقوعها سيترك تأثيراً ضخماً على مستويات عدة، رياضية، اقتصادية وسياسية.
على الجبهة الرياضية، سيؤدي التأجيل إلى ضغط جداول البطولات المحلية والدولية بين 2026 و2030، في وقت ستحتاج فيه الفرق، في حال نقل كأس العالم جغرافياً، إلى إعادة التخطيط للسفر، والتكيف مع ملاعب "مستجدة" ومناخ مختلف.
أما الإلغاء فسيحرم لاعبي جيل كامل من المشاركة في البطولة الأهم، خصوصاً إذا شكّلت الفرصة الأخيرة لمن يتقدمون في السن لخوض غمارها.
على المستوى الاقتصادي، سيفرز التأجيل أو الإلغاء، وإن بنسب متفاوتة، خسائر مالية ضخمة، متأتية من حقوق البث التلفزيوني التي غالباً ما تُقدر بمليارات الدولارات، وستتكبد شركات الرعاية والإعلانات، هي الأخرى، خسائر بالجملة، فيما سيلحق ضرر مباشر بالسياحة والاقتصاد في الدول المستضيفة.
وسيؤدي التأجيل لمدة عام واحد إلى خفض الخسائر بشكل نسبيّ؛ لأنّ إعادة جدولة حقوق البث والإعلانات تبقى ممكنة، بينما لا يمكن تلافي الخسائر الكبيرة على مستوى السياحة والتذاكر.
وبحسب الخبراء، يبقى تأجيل مونديال 2026 إلى العام المقبل غير مرجح في ظل صعوبات لوجستية واقتصادية وسياسية لجهة تحديد موعد جديد للحدث الضخم. وطالما بقي الصراع محصوراً داخل الشرق الأوسط، فسيكون من الصعب تبرير أو تفسير قرار بالتأجيل.
أما الإلغاء الكامل فسيتسبب بخسائر مالية تتجاوز 15 مليار دولار عالمياً، مع إضرار كبيرة بالسمعة.
ولا تخفى على أحد النتائج السلبية المترتبة على البنى التحتية، إذ ستبقى الملاعب والمرافق المُعَدَّة مسبقاً بلا استخدام، فيما سيفقد أفراد لجان التنظيم، الفرق التشغيلية، شركات الخدمات والأمن، الوظائف بالجملة، وفي أحسن الأحوال، جزءاً من الرواتب.
الجدير بالذكر أنّ الإنفاق على تجهيز الملاعب، النقل، الأمن، والفنادق في مونديال 2026 على سبيل المثال، قد يصل إلى حوالي 5 أو 6 مليارات دولار أميركي، وبالتالي لن يتحقق العائد المتوقع مسبقاً في حال الإلغاء، أو قد تُرسم خارطة جديدة للإيرادات في حال التأجيل.
على المستوى السياسي، ستتعرض الدولة المستضيفة لضغوطات دولية وحرج سياسي، وقد يؤدي التأجيل أو الإلغاء إلى جدل كبير في "فيفا"، مع مطالبة بتعويضات تُفرَض على الدولة المنظمة لصالح الاتحاد الدولي ومجموعة المستثمرين.
من المقرر أن تنطلق كأس العالم 2026 في 11 يونيو على أن تختتم في 19 يوليو.
أيُّ تغيير يتطلب قراراً رسمياً من "فيفا"، بيد أنّه لم يصدر أيُّ مؤشر رسمي حتى الآن عن نقل، تأجيل أو إلغاء "العرس العالمي".
ستجمع المباراة الافتتاحية بين المكسيك وجنوب إفريقيا في مكسيكو سيتي. يقينٌ لا تشوبه شائبة.. إلّا إذا.