تتجه أنظار جماهير كرة القدم، مساء الأربعاء، إلى ملعب "مرسيدس بنز" في أتلانتا، الذي يحتضن المواجهة المرتقبة بين الأرجنتين وإنجلترا في نصف نهائي كأس العالم 2026، في صدام يجمع حامل اللقب بقيادة ليونيل ميسي مع منتخب يطمح إلى العودة للمباراة النهائية بعد انتظار دام 60 عامًا.
ويحجز الفائز من قمة الأرجنتين وإنجلترا مقعده في المباراة النهائية أمام إسبانيا، التي تجاوزت فرنسا بنتيجة 2-0 في نصف النهائي الأول، بينما تحمل المواجهة مجموعة من الصراعات الفردية والتكتيكية التي قد تلعب دورًا حاسمًا في تحديد هوية المتأهل.
ولا تقتصر أهمية المباراة على التاريخ الطويل للتنافس بين المنتخبين، بل تمتد إلى المواجهة بين خبرة الجيل الأرجنتيني المتوج بمونديال قطر 2022، وطموح منتخب إنجليزي يمتلك مجموعة من أبرز نجوم البطولة، وعلى رأسهم هاري كين وجود بيلينغهام.
ميسي في مواجهة غيهي وأورايلي
يبحث ليونيل ميسي عن قيادة الأرجنتين إلى نهائي كأس العالم للمرة الـ2 تواليًا، ومواصلة الطريق نحو الاحتفاظ باللقب العالمي الذي توج به قبل 4 أعوام.
لكن قائد الأرجنتين، الذي بلغ عامه الـ39، خاض مجهودًا بدنيًا كبيرًا خلال رحلة حامل اللقب في الأدوار الإقصائية، خصوصًا أمام كاب فيردي ومصر وسويسرا، ما يثير التساؤلات بشأن قدرته على تقديم ليلة جديدة من الإبداع أمام إنجلترا.
ومن المتوقع أن يبدأ ميسي تحركاته من العمق في الجهة اليمنى، مع امتلاكه حرية الانتقال إلى الطرف أو التراجع نحو وسط الملعب لاستلام الكرة وبناء الهجمات.
وتبدو مهمة مراقبة النجم الأرجنتيني الأقرب إلى الثنائي نيكو أورايلي ومارك غيهي، في ظل تحرك ميسي المستمر بين الجناح ونصف المساحة والعمق الهجومي.
وسيواجه دفاع إنجلترا اختبارًا من نوع خاص، بعدما لم يظهر دائمًا بالتماسك نفسه خلال البطولة، رغم نجاحه في الوصول إلى نصف النهائي.
وقال أورايلي، الظهير الأيسر البالغ 21 عامًا، في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي": "إنها فرصة قد لا تتكرر إلا مرة واحدة في العمر. إنه يقترب من نهاية مسيرته، وبالنسبة إليّ، هو أفضل لاعب وطأت قدماه ملعب كرة قدم على الإطلاق".
وسيحتاج أورايلي إلى الموازنة بين مراقبة تحركات ميسي وعدم ترك المساحات خلفه، بينما سيكون غيهي مطالبًا بالتقدم في التوقيت المناسب لمنع قائد الأرجنتين من الاستدارة أو التمرير قرب منطقة الجزاء.
كين وبيلينغهام أمام روميرو وباريديس
يمثل هاري كين وجود بيلينغهام أخطر أسلحة المنتخب الإنجليزي في كأس العالم 2026، بعدما سجل كل منهما 6 أهداف، ليساهما معًا في 12 من أصل 13 هدفًا أحرزها الفريق خلال البطولة.
ويعرف كين المدافع الأرجنتيني كريستيان روميرو جيدًا، بعدما لعب الثنائي معًا بقميص توتنهام، ما يمنح المواجهة المباشرة بينهما بعدًا خاصًا.
ويتميز قائد إنجلترا بقدرته على التحرك بعيدًا عن منطقة الجزاء، والتراجع إلى وسط الملعب من أجل المشاركة في بناء الهجمات وفتح المساحات أمام بيلينغهام والأجنحة.
لذلك، لن تقتصر مسؤولية مراقبته على روميرو، بل سيؤدي لياندرو باريديس دورًا مهمًا أمام خط الدفاع الأرجنتيني، من أجل إغلاق المساحات التي يتحرك فيها كين ومنع التمريرات التي تصل إلى بيلينغهام بين الخطوط.
وسيكون على دفاع الأرجنتين التعامل مع التحركات المتبادلة بين الثنائي، إذ يستطيع كين سحب أحد المدافعين بعيدًا عن موقعه، بينما يندفع بيلينغهام إلى منطقة الجزاء لاستغلال المساحة الناتجة.
وفي المقابل، سيحاول روميرو فرض قوته البدنية على مهاجم إنجلترا، ومنعه من استلام الكرة براحة أو التحول إلى صانع لعب في الثلث الهجومي.
معركة السيطرة على خط الوسط
قد تكون السيطرة على خط الوسط العامل الأكثر تأثيرًا في نتيجة المباراة، في ظل امتلاك المنتخبين مجموعة من اللاعبين القادرين على الجمع بين القوة البدنية والجودة الفنية.
ويُنتظر أن يعود ديكلان رايس إلى التشكيل الأساسي لإنجلترا بعد تعافيه من المرض، ليشارك إلى جانب إليوت أندرسون، مع دعم مستمر من بيلينغهام.
وسيصطدم الثلاثي الإنجليزي بخط وسط أرجنتيني يُتوقع أن يلعب على شكل ماسة، يقود قاعدتها باريديس، بينما يتحرك رودريغو دي بول وأليكسيس ماك أليستر على الجانبين، ويلعب إنسو فرنانديس في المركز الأكثر تقدمًا.
ويمنح هذا التنظيم المنتخب الأرجنتيني كثافة كبيرة في العمق، ويساعده على استعادة الكرة والضغط على حاملها، إلى جانب توفير مساحات لميسي من أجل التحرك بعيدًا عن الرقابة المباشرة.
كما يعرف ماك أليستر وإنزو فرنانديز عددًا من لاعبي إنجلترا جيدًا من خلال مشاركتهما في الدوري الإنجليزي مع ليفربول وتشيلسي.
وقال ماك أليستر عن طبيعة المباراة: "أعتقد أنها ستكون مواجهة تُلعب بقوة كبيرة، وبالطبع ستشهد الكثير من التوتر لدى الطرفين".
وسيحتاج رايس وأندرسون إلى التحرك بذكاء من أجل منع الأرجنتين من التفوق العددي في العمق، بينما سيكون بيلينغهام مطالبًا بأداء دور مزدوج بين الضغط على باريديس والتحرك خلف لاعبي الوسط عند امتلاك الكرة.
بيكفورد في مواجهة مارتينيز
تضم المباراة اثنين من أكثر حراس المرمى خبرة في البطولة، إذ يعرف جوردان بيكفورد وإيميليانو مارتينيز بعضهما جيدًا من خلال سنوات اللعب في الدوري الإنجليزي.
وقدم بيكفورد واحدة من أبرز مبارياته في المونديال أمام المكسيك في دور الـ16، بعدما تصدى لعدد كبير من المحاولات وأسهم في تأهل منتخب بلاده.
لكنه تعرض لبعض الانتقادات عقب استقبال هدف أندرياس شييلدروب خلال الفوز على النرويج بنتيجة 2-1 في ربع النهائي.
ورغم ذلك، شهدت مباراة النرويج إنجازًا شخصيًا لحارس إيفرتون، بعدما وصل إلى مشاركته الـ18 في كأس العالم، ليصبح أكثر لاعب إنجليزي ظهورًا في تاريخ البطولة.
على الجانب الآخر، يمتلك مارتينيز خبرة كبيرة في المباريات الإقصائية، بعدما كان أحد أبرز أسباب تتويج الأرجنتين باللقب في قطر، وحصل حينها على جائزة القفاز الذهبي.
ولم يخرج حارس أستون فيلا بشباك نظيفة دائمًا خلال النسخة الحالية، بعدما استقبل هدفين أمام كاب فيردي ومثلهما أمام مصر، لكن قدرته على التعامل مع الضغوط وركلات الترجيح تظل أحد أهم أسلحة الأرجنتين.
وقد يصبح الحارسان عاملًا حاسمًا إذا استمرت المباراة متكافئة، خصوصًا في ظل وجود مهاجمين يمتلكون دقة كبيرة في التسديد، أو إذا امتدت المواجهة إلى ركلات الترجيح.
سكالوني أمام توخيل في صراع تكتيكي
تمثل المواجهة أيضًا اختبارًا بين مدربين يمتلك كل منهما مسيرة مختلفة تمامًا عن الآخر.
لم يسبق لليونيل سكالوني العمل مدربًا أول لفريق على مستوى الأندية، لكنه صنع مسيرة استثنائية منذ توليه قيادة الأرجنتين عام 2018.
وتعرض سكالوني لانتقادات في بداية مهمته بسبب قلة خبرته، قبل أن يقود المنتخب إلى التتويج بكأس العالم 2022، إلى جانب الفوز بلقبي كوبا أميركا في نسختي 2021 و2024.
ويبحث المدرب الأرجنتيني عن الاقتراب من معادلة إنجاز الإيطالي فيتوريو بوتسو، المدرب الوحيد الذي توج بكأس العالم مرتين.
أما توماس توخيل، فيملك خبرة كبيرة على مستوى الأندية، ويُعد من أبرز المدربين في الجوانب التكتيكية، بعدما قاد تشيلسي إلى لقب دوري أبطال أوروبا عام 2021، قبل توليه تدريب إنجلترا في أواخر 2024.
وظهر تأثير توخيل بوضوح على أداء بيلينغهام، كما نجح في قيادة المنتخب الإنجليزي إلى نصف النهائي رغم تغييراته المستمرة في خط الدفاع.
وسيكون على المدرب الألماني إيجاد الطريقة المناسبة لإيقاف ميسي ومنع الأرجنتين من فرض كثافتها في وسط الملعب، بينما سيحاول سكالوني تقليص تأثير كين وبيلينغهام وضرب الدفاع الإنجليزي من خلال التحولات وتحركات قائد فريقه.
(المشهد)
