عاشت بوينس آيرس ليلة صاخبة من الفرح، بينما خيم الحزن على لندن، عقب فوز الأرجنتين على إنجلترا بنتيجة 2-1 في نصف نهائي كأس العالم 2026، وتأهل حامل اللقب إلى المباراة النهائية لمواجهة إسبانيا.
وانفجرت الاحتفالات في العاصمة الأرجنتينية بعد هدف لاوتارو مارتينيز القاتل في الوقت بدل الضائع، فيما غادر المشجعون الإنجليز الحانات ومناطق التجمع بصمت، بعدما شاهدوا منتخبهم يهدر تقدمه ويتلقى هدفين متأخرين.
احتفالات ضخمة في بوينس آيرس
ضجت الحانات ومناطق المشجعين وشوارع بوينس آيرس بالهتافات وأبواق السيارات والمفرقعات فور إطلاق صافرة النهاية، قبل أن تتجه حشود غفيرة نحو المسلة الشهيرة في قلب العاصمة، الموقع التقليدي للاحتفال بالانتصارات الرياضية الكبرى.
وامتلأت جادة 9 يوليو بعشرات الآلاف من المشجعين خلال أقل من ساعة، بينما استبدلت اللوحات الإلكترونية رسائل المرور بعبارة: "الأرجنتين في النهائي".
وفي حي باليرمو، اهتزت الحافلات المكتظة تحت قفزات الجماهير، بينما تبادل الغرباء العناق والاحتفالات، على أمل تتويج الأرجنتين بلقبها العالمي الـ2 تواليًا، وهو إنجاز لم يحققه سابقًا سوى إيطاليا والبرازيل.
وقالت صحيفة "لا ناسيون" إن الانتصار "سيبقى إلى الأبد"، بينما اعتبر موقع "إنفوباي" أن الأرجنتين تواصل كتابة التاريخ.
فرحة ممزوجة بالمعاناة
أجمع عدد من المشجعين على أن التأهل جاء بعد معاناة كبيرة، في امتداد لسلسلة من الانتصارات الصعبة خلال الأدوار السابقة.
وقال فاكوندو أراندا، البالغ 26 عامًا: "دائمًا يجب أن نعاني. عرفنا ذلك خلال المباريات الأخيرة، لكن هذا الفريق يقاتل حتى النهاية ولا يستسلم".
أما لولا خيمينيس، البالغة 19 عامًا، فقالت وهي تظهر يديها المرتجفتين: "إذا لم نعانِ، فلا قيمة للأمر"، قبل أن تعبر عن سعادتها بالفوز على إنجلترا، مؤكدة أن المواجهة تحمل بالنسبة إلى الأرجنتينيين أبعادًا تتجاوز كرة القدم.
وترددت عند المسلة وفي مناطق المشجعين هتافات مرتبطة بالخصومة التاريخية بين البلدين، ومن بينها: "من لا يقفز فهو إنجليزي"، في إشارة إلى النزاع حول جزر مالفيناس، المعروفة في بريطانيا باسم فوكلاند.
الأرجنتينيون يستعيدون ذكريات مالفيناس
حملت المواجهة طابعًا خاصًا لدى كثير من المشجعين الأرجنتينيين بسبب التاريخ السياسي والعسكري بين البلدين.
وخاضت الأرجنتين وبريطانيا حربًا حول الجزر عام 1982، أسفرت عن مقتل 649 أرجنتينيًا و255 بريطانيًا، ولا يزال النزاع حول السيادة عليها قائمًا.
وفي حي كاباييتو، ظهر أحد المشجعين ملتفًا بعلم الأرجنتين وهو يصرخ: "جزر مالفيناس لنا، وكأس العالم لنا أيضًا"، وسط تفاعل سائقي السيارات.
كما رددت الحشود كلمات النشيد غير الرسمي للجماهير في مونديال 2026، الذي يجمع بين مالفيناس ودييغو مارادونا والبطولة الأخيرة المحتملة لليونيل ميسي.
التفكير في إسبانيا مؤجل
رغم التأهل إلى النهائي، فضّل كثير من المشجعين الاستمتاع بانتصار ليلة الأربعاء من دون الحديث مبكرًا عن مواجهة إسبانيا.
واستعاد الأرجنتينيون ذكريات الاحتفالات الهائلة عقب التتويج بكأس العالم 2022، حين احتشد أكثر من 3 ملايين شخص في الطريق بين المطار ووسط العاصمة، واضطرت بعثة المنتخب إلى استكمال جولتها فوق بوينس آيرس بالمروحية بسبب شلل حركة المرور.
وقال أراندا: "نحن نفوز دائمًا. هذا المنتخب لا يستسلم، ولدينا ببساطة أفضل فريق في العالم"، مضيفًا بصورة ساخرة أن إسبانيا يمكنها الاستمتاع بالشوط الأول، كما فعلت إنجلترا، قبل أن تأتي عودة الأرجنتين.
صمت وحسرة في شوارع لندن
على الجانب الآخر، بدت شوارع لندن أكثر هدوءًا بعد صافرة النهاية، إذ غادر المشجعون الحانات والمقاهي في حالة من الصدمة عقب ضياع فرصة بلوغ نهائي كأس العالم للمرة الأولى منذ 1966.
وقال شون بانون، البالغ 33 عامًا، خارج إحدى الحانات في شمال لندن: "أردت التمسك بالأمل، لكنه يتلاشى دائمًا في النهاية. أعتقد أننا عدنا إلى نقطة البداية".
وكانت الحانات في أنحاء العاصمة قد بلغت طاقتها الاستيعابية القصوى، ما دفع عشرات المشجعين إلى متابعة المباراة من الشوارع عبر النوافذ والشاشات الخارجية.
وفي كامدن تاون، غادر المتابعون بهدوء، بعدما تحول التقدم بهدف أنتوني جوردون إلى خسارة عقب هدفي إنزو فرنانديز ولاوتارو مارتينيز.
إنجلترا تهدر حلم اللقب الـ2
حرمت الخسارة إنجلترا من فرصة المنافسة على لقبها العالمي الـ2، ومضاهاة إنجاز جيل 1966.
كما ضاعت فرصة الثأر من إسبانيا، التي هزمت إنجلترا في نهائي كأس أوروبا "يورو 2024"، بعدما حجز "لا روخا" مكانه في النهائي أمام الأرجنتين.
وقالت الطالبة جيميما، البالغة 21 عامًا: "أنا حزينة ومنزعجة للغاية. كنت أكثر ثقة، وكل شيء كان يسير في الاتجاه الصحيح".
وتوقفت الأغاني التي رددتها الجماهير طوال البطولة، ومن بينها أغنية "هاي جود" المخصصة لجود بيلينغهام، والنشيد الشهير "إنها عائدة إلى الوطن"، ليحل الصمت مكانها عقب النهاية.
مواجهة مثقلة بالتاريخ
مثلت المباراة بالنسبة إلى جيل جديد من الجماهير الإنجليزية أول مواجهة رسمية يتابعونها أمام الأرجنتين، بعدما كان اللقاء السابق بينهما في كأس العالم 2002 وانتهى بفوز إنجلترا 1-0.
وقال توم دينيسون، الذي تابع اللقاء مع نحو 300 مشجع في حانة بمنطقة كامدن: "كانت هذه المرة الأولى التي تواجه فيها إنجلترا ميسي في كأس العالم. إنها مواجهة ملحمية ومثقلة بالتاريخ".
واستعاد المشجعون ذكريات هدف مارادونا الشهير بـ"يد الله" في مونديال 1986، إلى جانب النزاع المستمر حول جزر فوكلاند.
وفي جنوب لندن، وتحديدًا بمنطقة كامبرويل، كانت الصورة مختلفة، إذ تجمع مئات من مشجعي الأرجنتين داخل أحد المسارح، وواصلوا قرع الطبول والهتاف بينما قلب منتخبهم النتيجة.
فخر بالمشوار رغم الإقصاء
ورغم الإحباط، حاول بعض المشجعين الإنجليز النظر بإيجابية إلى رحلة المنتخب في البطولة.
وقالت سادي نينسيني، البالغة 26 عامًا: "قدمنا مشوارًا جيدًا، وأعتقد أن الناس سيفتخرون بالمنتخب مهما كانت النتيجة".
في المقابل، توقعت صديقتها إيميلي دولينغ أن يكون اليوم التالي "كئيبًا للغاية" بعد الخروج المؤلم.
وكانت الشرطة الإنجليزية قد رفعت جاهزيتها تحسبًا لاضطرابات محتملة، بعدما سجلت أكثر من 500 حادثة وأوقفت أكثر من 100 شخص عقب الفوز على النرويج في ربع النهائي.
وبينما تستعد الأرجنتين لنهائي جديد أمام إسبانيا، عاشت بوينس آيرس ليلة فرح مفتوحة، في حين بقيت لندن تحت وقع الحسرة بعد ضياع حلم جديد في الأمتار الأخيرة.
(أ ف ب)
