أشرف حكيمي: القادم من بعيد

شاركنا:
أشرف حكيمي تدرج في الفئات السنية لفريق ريال مدريد (رويترز)

لا شك في أنها صورة ستظل راسخة طويلا في أذهان الجمهور: يتم الإعلان عن الفائز بجائزة الكرة الذهبية الإفريقية، فينطلق الشاب الذي احتفل منذ أيام قليلة (وبأسوأ طريقة للأسف) بعيد ميلاده الـ27، نحو منصة التتويج، ليس على قدميه، بل مستعينا بدراجة صغيرة، ضاحكا، وملوحا بيده، ثم قافزا على السلم، كما لو أن الأمر يتعلق بطفل يلعب في حديقة بيته، لا لاعب متوج بأفضل الجوائز الكروية الممنوحة في قارته.

لاعب كبير

قد يبدو المشهد مضحكًا، أو ربما أقرب للمزحة، لكنه لا يخلو من دلالات، نعم، لقد أجبرته الإصابة التي تعرض لها في مباراة فريقه باريس سان جيرمان ضد بايرن ميونخ على السير بقدم واحدة تقريبا، مع الخضوع لعلاج مكثف يسعى لتأهيله للمشاركة مع منتخب بلاده في كأس إفريقيا القادمة أواخر هذا العام، لكنه بدا في هذا المشهد أقرب لطفل يلعب، لا نجما متعاليا على الآخرين، فتلك الدراجة الصغيرة جاءت لتؤكد أن صاحبها كان وسيظل حاملا لبراءة الأطفال في تعامله مع الكرة، وأن أقصى درجات النجومية مع منافسته القوية على الفوز بالكرة الذهبية العالمية لم تفسده أبدا.

بدأت الحكاية في تلك الأحياء الإسبانية الغاصة بالعائلات المهاجرة، فعاش بالتالي (كما كل أبناء المهاجرين – خصوصا المكافحين منهم لتأمين لقمة العيش) بين عالمين: الشوارع الإسبانية، والبيت الذي لم يتخل عن ذاكرته وعاداته وتقاليده المغربية، ثم جاءت كرة القدم لتبني ذلك الجسر بين العالمين، والسبيل الأقوى لإثبات الذات في مجتمع آخر.

تدرج أشرف في الفئات السنية لفريق ريال مدريد، الذي يتفاخر مناصروه بأنه أفضل فريق في العالم، والأكثر تتويجا وحصدا للألقاب في إسبانيا وأوروبا، لكنه أثبت ذاته بجدارة، وتمكن من اللعب للفريق الأول وهو دون العشرين، فلفت الأنظار إلى تميزه وموهبته، فكان من المؤكد أننا أمام مشروع لاعب كبير، يشغل مركزا دقيقا وحيويا في أي تشكيلة تسعى للتفوق على الخصوم.

هنا يتجلى الفرق في العقلية والمواكبة المحترفة للمسار. كان بإمكان حكيمي البقاء في ريال مدريد والقتال لحجز مكانه وسط كوكبة من النجوم، مع ما قد يعنيه ذلك من تضاؤل دقائق مشاركته وبالتالي التأثير على مستواه، لكنه اختار بناء مساره، وبالتالي اكتساب الخبرة الكافية بهدوء، فرحل إلى فريق بروسيا دورتموند الألماني، الذي تحول بمرور الوقت إلى ما يشبه مشتل العديد من المواهب، التي صقلت في الدوري الألماني موهبتها وصاغت قوة تحملها للضغوط، بعيدا عن قسوة الأضواء.

رحلة طويلة 

ولأن أشرف كان يدرك تماما لدقة خطواته، فقد فهم أن مركزه كظهير لا يرتبط فقط بسرعته واندفاعه، بل بدقة موازنته بين الأدوار الدفاعية والهجومية، فانتقل إلى فريق إنتر ميلانو الإيطالي، حيث مدرسة كروية مختلفة، تقدس الصرامة التكتيكية ولها فهمها الخاص لتفاصيل وخطط اللعبة، فتعلم بالتالي قراءة المساحات، وضبط توقيت التحرك، فكان تتويجه بالدوري الإيطالي مع فريقه إيذانا بتحوله إلى مشروع بطل كبير، لا مجرد لاعب "واعد".

وهنا تحرك باريس سان جيرمان، المدجج بنجوم الصف الأول، لانتداب أشرف، فكان بالتالي أمام تحد آخر، هو إثبات نفسه وسط كوكبة من أفضل لاعبي جيلهم، لكنه تعامل مع النقلة الكبرى بذات الهدوء والروح الطفولية، التي جعلته قطعة أساسية لا غنى عنها في المشروع الباريسي، الذي توج العام الماضي بدوري أبطال أوروبا، بعد انتظار طويل.

أما المنتخب الوطني المغربي، فحكاية أخرى، مثلت شكلا من أشكال العودة إلى الأصل والجذور، تجسدت بأفضل ما يكون في قطر، عندما بلغ المنتخب المغربي نصف نهائي كأس العالم 2022 كأول منتخب عربي وإفريقي يحقق هذا الإنجاز، ومع المستوى الذي بلغه المنتخب حاليا، في قدرته على مقارعة الكبار، يبدو هدف الفوز بكأس إفريقيا في دورتها المقبلة (بعد سلسلة طويلة ومريرة من التعثرات) حلما مغربيا يأمل الجميع أن يتجاوز حكيمي إصابته ويساهم في صنعه.

الآن، ومع تتويج أشرف حكيمي بالجائزة المستحقة، يبدو الطريق مفتوحا نحو إنجازات أكبر، وما تلك الدراجة الصغيرة إلا تجسيد لرحلة طويلة قطعها هذا الشاب نحو مجده الشخصي، وإن كان في كلمته بعد منحه الجائزة أكثر تواضعا، مهديا إياها لكل من سانده وآمن به، ولكل الحالمين ببلوغ إنجازه ذات يوم.