في الكواليس الهادئة لمركز تدريب "كارينغتون"، وبعيدا عن الأضواء الصاخبة التي تحيط دائما باسم مانشستر يونايتد، يبرز اسم ستيف هولاند كأحد العقول الأكثر تأثيرا في بداية التحول الإيجابي للفريق تحت القيادة المؤقتة للمدرب مايكل كاريك.
مدرب لا يهوى الظهور الإعلامي، لكنه حاضر بقوة في التفاصيل الدقيقة، ويُنظر إليه داخل النادي باعتباره أحد مفاتيح إعادة بناء التوازن الفني والنفسي للفريق.
"مهووس بكرة القدم"
عند سؤال من عملوا عن قرب مع ستيف هولاند عن أفضل وصف له، تتكرر العبارة ذاتها.. "مهووس كرة القدم".
أحد المقربين منه لخّص الأمر قائلا: "كرة القدم هي حياته. سواء كان الحديث عن دوري أبطال أوروبا، تحليل اللاعبين، أو تفاصيل تكتيكية دقيقة، يمتلك عقلا استثنائيا في فهم اللعبة".
هذه العقلية تفسر مشهدا لافتا عقب فوز مانشستر يونايتد المثير على أرسنال بنتيجة 3-2، حين فضّل هولاند استغلال رحلة العودة إلى شمال غرب إنجلترا لمراجعة لقطات المباراة مع مايكل كاريك وبقية أفراد الطاقم الفني، بدلا من الاحتفال بالنتيجة، تحضيرا لمواجهة فولهام التالية.
من هو ستيف هولاند؟
يبلغ ستيف هولاند 55 عاما، وقد أدرك مبكرا أن مستقبله الحقيقي سيكون في التدريب لا في اللعب.
بعد تجربة متواضعة كلاعب، قرر في سن 21 عاما التفرغ للتدريب، ليصبح أحد أصغر من نالوا ما يعرف اليوم برخصة "يويفا (أ)".
بدأت رحلته التدريبية عام 1992 مع كرو ألكسندرا، حيث أمضى قرابة 17 عاما، عمل خلالها مع مختلف الفئات السنية، وتدرج حتى أصبح مديرا للأكاديمية، ثم مدربا للفريق الأول خلال فترات ناجحة في دوري الدرجة الأولى.
فارق الخبرة داخل جهاز كاريك
تتجلى أهمية هولاند داخل الطاقم الجديد لمانشستر يونايتد في عامل الخبرة.
فعندما بدأ مسيرته التدريبية، كان كاريك لا يزال في سن الطفولة، بينما يعد جوناثان وودغيت أكبر منه بقليل، في حين يصغر عنه كل من جوني إيفانز وترافيس بينيون؛ وهؤلاء جميعًا هم أفراد الجهاز الفني الحالي لليونايتد.
هذه الخبرة، إلى جانب تعامله السابق مع الضغوط العالية، جعلت وجوده ضروريا في مرحلة انتقالية حساسة، خصوصا بعد سلسلة انتصارات لافتة شملت الفوز على مانشستر سيتي وأرسنال، والصعود إلى المركز الـ4 في الدوري الإنجليزي الممتاز.
رجل قليل الكلام.. ورسائله مسموعة
من الصفات المتكررة في توصيف هولاند أنه قليل الكلام وصعب القراءة.
وفقًا لتقرير شبكة "بي بي سي"، أحد من عملوا معه قال: "لم تكن تعرف إن كان هادئا وراضيا أم غاضبا بصمت".
لكن هذه السمة تتحول إلى أداة فعالة في غرفة الملابس، حيث يُنظر إلى كلماته على أنها محسوبة، وكل توجيه يصدر عنه يحظى بتركيز كامل من اللاعبين، في بيئة لا تحتمل الضجيج الزائد.
ما الذي تغيّر في تدريبات يونايتد؟
تشير مصادر داخل النادي إلى أن تعديلات واضحة طرأت على برنامج التدريبات منذ وصول الجهاز الجديد.
الأيام أصبحت أقصر، لكن أكثر كثافة، مع تركيز أكبر على العمل الفردي مع اللاعبين، وتحسين الجوانب الذهنية إلى جانب التكتيكية.
حتى الروتين الخاص بيوم المباراة تغيّر، حيث بات اللاعبون يصلون إلى ملعب "أولد ترافورد" قبل صافرة البداية بوقت أقصر، في محاولة لتقليل الضغط الذهني.
بصمته مع إنجلترا
قبل مانشستر يونايتد، صنع هولاند اسمه الكبير مع منتخب إنجلترا، كمساعد للمدرب غاريث ساوثغيت.
كان هو العقل الذي يقود الحصص التدريبية اليومية، بينما يتولى ساوثغيت النظرة الشاملة.
وبالتشاور بينهما، توصلا إلى أن أسلوب إنجلترا في تصفيات مونديال 2018 كان "ثقيلا وبطيئا"، ما دفعهما للتحول إلى اللعب بـ3 مدافعين، مستفيدين من قدرات هاري ماغواير في بناء اللعب.
وقال هولاند في إحدى تحليلاته المطولة: "قدرة هاري ماغواير على اللعب بالكرة كانت عنصرا أساسيا في هذا التحول".
استعاد هاري ماغواير ذكرياته مع هولاند قائلا: "كان رائعا مع منتخب إنجلترا. كنا نعرف تماما ما المطلوب منا. كان يركز على أساسيات الدفاع، لكنها أساسيات منضبطة جدا. أعتقد أنه سيلعب دورا كبيرا في تحسين سجلنا الدفاعي".
سبق لهولاند العمل داخل واحدة من أكثر البيئات تقلبا في كرة القدم، عندما شق طريقه في تشيلسي، بداية من الأكاديمية وحتى الفريق الأول، تحت قيادة أسماء مثل أندريه فيلاش بواش، وروبرتو دي ماتيو، ورافا بينيتيز، وجوزيه مورينيو، وغوس هيدينك، وأخيرا أنطونيو كونتي.
عن تلك المرحلة قال هولاند: "في الأندية الكبيرة، كل يوم هو دراما. الأمور ليست بالسوء الذي تبدو عليه دائما، لكن قدرتك على التعامل مع هذه اللحظات هي الفارق الحقيقي".
فلسفة التدريب والعمل اليومي
في إحدى مقابلاته النادرة، لخّص هولاند فلسفته التدريبية قائلا: "كلما استمتع اللاعبون بالتدريب، كلما حصلت منهم على مردود أكبر. التحدي هو تقديم تدريبات متكررة بأساليب إبداعية، مع الحفاظ على قربها من واقع المباراة".
منذ رحيله عن منتخب إنجلترا بعد "يورو 2024"، مر هولاند بتجربة قصيرة وغير موفقة في اليابان، ثم عاد إلى الواجهة عبر بوابة مانشستر يونايتد، دون أن يسعى يوما للأضواء أو العناوين.
داخل النادي، يوصف بأنه "الرجل الثاني المثالي"، عقل هادئ، وتركيز مطلق، وإيمان بأن العمل الحقيقي يحدث بعيدا عن الكاميرات.
مع اقتراب مواجهة فولهام، يسعى مانشستر يونايتد لتعزيز الانطباع بأن ما يحدث ليس مجرد انتفاضة مؤقتة، بل بداية مسار تصحيحي حقيقي.
ومن خارج الملعب، يبدو أن ستيف هولاند يؤدي دورا محوريا في هذا التحول.
(ترجمات)