بعد رحلة استثنائية على رأس الجهاز الفني لريال مدريد، يستعد الإيطالي كارلو أنشيلوتي لإغلاق فصل تاريخي من مسيرته التدريبية، ليبدأ تحديًا جديدًا مع المنتخب البرازيلي، الذي يسعى جاهدًا لاستعادة بريقه قبل كأس العالم 2026.
"المستر" الذي حفر اسمه بأحرف من ذهب في كتب المجد المدريدي، يرحل كأكثر المدربين تتويجًا في تاريخ النادي، بعد أن أحرز 15 لقبًا، بينها 3 بطولات في دوري أبطال أوروبا.
مغادرة من الباب الكبير
منذ عودته إلى قلعة "سانتياغو برنابيو" في ولايته الثانية عام 2021، نجح أنشيلوتي في تجاوز كل التوقعات، وأضاف لقبين للدوري الإسباني (2022 و2024) ولقبين لدوري الأبطال (2022 و2024) إلى سجله، مؤكّدًا هيمنته على القارة العجوز.
وفي سن الـ65، يستعد لمغامرة قد تكون الأخيرة في مسيرته، تتمثل في إعادة بناء المنتخب البرازيلي الغارق في التعثرات، واستعادته لقمة المجد العالمي.
إنجازات بلا حدود
كارلو أنشيلوتي ليس مجرد مدرب ناجح، بل هو أسطورة حية في عالم كرة القدم. يتمتع بمكانة فريدة كونه الوحيد الذي أحرز لقب الدوري في البطولات الأوروبية الخمس الكبرى؛ مع ميلان في إيطاليا، وتشيلسي في إنجلترا، وباريس سان جيرمان في فرنسا، وبايرن ميونخ في ألمانيا، وريال مدريد في إسبانيا.
كما يُعد المدرب الوحيد في التاريخ الذي توّج بلقب دوري أبطال أوروبا 5 مرات، 3 منها مع ريال مدريد (2014، و2022، و2024)، و2 مع ميلان (2003، 2007).
رغم مرور أنشيلوتي بتجارب غير مستقرة نسبيًا في نابولي وإيفرتون بين عامي 2018 و2021، إلا أنه عاد بقوة إلى مدريد وفرض أسلوبه القائم على البراغماتية والكفاءة، مقدمًا كرة قدم تتسم بالفعالية والهدوء، تمامًا كما يوصف في سيرته الذاتية التي حملت عنوان "القائد الهادئ".
وقد قرر أنشيلوتي تمديد عقده مع ريال مدريد في ديسمبر 2023، بعد بداية رائعة لذلك الموسم، لكن انتقاله لتدريب منتخب "السامبا" لاحقًا عُدّ تحولًا مفصليًا يُنتظر أن يكون تتويجًا لتاريخه الطويل.
"الدب الكبير اللطيف"
السر الكبير في نجاح أنشيلوتي لا يقتصر على التكتيك والانضباط، بل يمتد إلى علاقته المميزة مع اللاعبين.
فمن "الدب الكبير اللطيف"، كما وصفه باولو مالديني، إلى "الصديق المقرّب"، بحسب وصف جود بيلينغهام، يملك أنشيلوتي قدرة نادرة على كسب ثقة لاعبيه ومنحهم الأمان والحرية.
قال بيلينغهام عن مدربه: "أعظم نقاط قوته تكمن في قدرته على منحنا حرية اللعب. يمنحنا الكثير من الهدوء والثقة".
هذه الروح الودّية ظهرت جليةً في احتفالات أنشيلوتي مع لاعبيه بعد التتويج بلقب دوري الأبطال عام 2024، حيث ظهر على سطح حافلة ريال مدريد يرقص ويحتفل بنظارته الشمسية وسيجاره الشهير.
أنشيلوتي لطالما أعلنها صراحة: "اللاعبون هم أصدقائي".. وهذه الصيغة الإنسانية كانت جزءًا لا يتجزأ من فلسفته التي جعلته مدربًا محبوبًا في كل نادٍ دربه، من ميلان وتشيلسي، وصولًا إلى باريس وبايرن، وانتهاءً بريال مدريد.
ميلان.. الأصل الذي لا يُنسى
لا يخفي أنشيلوتي عشقه لميلان، النادي الذي شكّل مرحلة محورية في مسيرته كلاعب ومدرب.
لعب للفريق بين 1987 و1992، وحقق تحت قيادة أريغو ساكي دوري أبطال أوروبا مرتين (1989 و1990)، قبل أن يبدأ مسيرته التدريبية كمساعد في المنتخب الإيطالي الذي وصل إلى نهائي مونديال 1994.
وبين عامي 2001 و2009، تولّى تدريب الروسونيري، محققًا ألقابًا بارزة أبرزها دوري أبطال أوروبا مرتين، وكأس إيطاليا، والدوري المحلي.
وحتى في سنواته مع ريال مدريد، لم يخف ارتباطه العاطفي بميلان، حيث عبّر غير مرة عن حنينه لأيامه في "سان سيرو"، ورغبته في الراحة مستقبلاً في ربوع إيطاليا.
ورغم بلوغه سن التقاعد، يرفض أنشيلوتي الاعتراف بالنهاية: "أرغب في قضاء وقت مع أحفادي، وأن أذهب في إجازة مع زوجتي.. هناك الكثير من الأشياء التي أهملتها وأود أن أفعلها".
إلا أن الواقع يقول إن العاشق لكرة القدم لا يزال أمامه حلم أخير.. هو قيادة البرازيل إلى لقب كأس العالم 2026، أحد الألقاب القليلة التي لم يحظَ بها بعد.
كيف ستكون نهاية الرحلة؟
من ميلانو إلى مدريد، ومن بافاريا إلى باريس، ومن لندن إلى ريو دي جانيرو، قطع أنشيلوتي رحلةً مدهشة عبر القارات والملاعب.
ومع قرب انطلاق مغامرته الأخيرة، يبدو أن "المستر" عازم على وضع اللمسة الأخيرة على سيرة فريدة من نوعها، بلقب عالمي يُكمل بها لوحة المجد.
إذا كانت مدريد قد ودّعت أنشيلوتي كأيقونة في تاريخها، فإن البرازيل تستقبله كمخلّص يُنتظر منه كتابة فصل جديد في مجد "السيليساو"، ولا شك أن العالم سيتابع هذه الصفحة الأخيرة بكثير من الترقب والانبهار.
(المشهد)