توج الإسباني لويس دي لا فوينتي سنوات طويلة من العمل بعيدًا عن الأضواء بالحصول على جائزة يوهان كرويف لأفضل مدرب في العالم، خلال حفل الكرة الذهبية الذي أقيم في مسرح "لندن بالاديوم"، بعدما قاد منتخب إسبانيا إلى التتويج بكأس العالم 2026 واستكمال واحدة من أنجح الفترات في تاريخ المنتخب.
وتفوق المدرب البالغ من العمر 65 عامًا و4 أشهر في سباق الجائزة على 4 أسماء بارزة، هم لويس إنريكي، وميكيل أرتيتا، وأوناي إيمري، وفينسنت كومباني، بعد موسم شهد نجاحات كبيرة لجميع المرشحين.
غير أن ليلة تتويج دي لا فوينتي لم تقتصر على الاحتفال بالإنجاز الرياضي، إذ شهدت لحظات عاطفية خلال كلمته، بعدما استعاد ذكرى أفراد من عائلته رحلوا عن الحياة، مؤكدًا في الوقت ذاته أن الجائزة لا تخصه وحده، وإنما تمثل تكريمًا للمنتخب الإسباني بأكمله.
إهداء مؤثر إلى العائلة
بدأ دي لا فوينتي كلمته بمزحة حول مستواه في اللغة الإنجليزية، قائلًا: "لا تقلقوا. مساء الخير"، قبل أن يعترف بأنه لا يزال بحاجة إلى تحسين لغته، ويقرر إكمال حديثه باللغة الإسبانية.
وعبر المدرب عن تقديره للتكريم، كما حرص على الإشادة بالمدربين الذين نافسوه على الجائزة، وقال: "الحصول على هذه الجائزة شرف حقيقي بالنسبة لي. مجرد وجودي بين المرشحين كان شرفًا في حد ذاته، وكنت بالفعل سعيدًا للغاية".
لكن اللحظة الأكثر تأثيرًا جاءت في ختام خطابه، عندما خص عائلته برسالة خاصة، قائلًا: "أريد أن أنهي حديثي بتوجيه الشكر إلى عائلتي على هذه الجائزة، سواء من لا يزالون معنا أو من رحلوا. أفكر اليوم بصورة خاصة في والدي وشقيقي".
"الجائزة ليست فردية"
رفض دي لا فوينتي التعامل مع جائزة أفضل مدرب باعتبارها إنجازًا شخصيًا فقط، مؤكدًا أن نجاحه جاء نتيجة العمل الذي قدمه المنتخب الإسباني بمختلف عناصره.
وقال: "أريدكم أن تفهموا أن هذه الجائزة ليست جائزة فردية. أراها جائزة لمجموعة، لفريق عظيم".
كما توجه إلى لاعبي المنتخب الذين حضروا الحفل، مضيفًا: "إنه لشرف أن أدربكم وأن أقودكم".
وأشاد دي لا فوينتي بجهازه الفني، واصفًا إياه بأنه "جهاز فني رائع"، بل اعتبره "أفضل جهاز فني في العالم".
ووجه المدرب شكره كذلك إلى الاتحاد الإسباني لكرة القدم، ورئيسه رافايل لوزان، والمدير الرياضي أيتور كارانكا، وجميع العاملين داخل الاتحاد، معتبرًا أن الدعم الذي تلقاه وفر له الهدوء والثقة والأمان اللازم لتطوير مشروعه مع المنتخب.
3 بطولات في 4 أعوام
جاء تتويج دي لا فوينتي بالجائزة بعدما أكمل المنتخب الإسباني تحت قيادته سلسلة من النجاحات بدأت منذ توليه المهمة في ديسمبر 2022 خلفًا للويس إنريكي.
وحقق المنتخب أول ألقابه معه في دوري الأمم الأوروبية 2023، بعدما تغلب على كرواتيا بركلات الترجيح في المباراة النهائية.
ثم جاءت كأس أمم أوروبا 2024 في ألمانيا، حيث فازت إسبانيا بجميع مبارياتها الـ7، وأقصت منافسين من بينهم ألمانيا وفرنسا، قبل التغلب على إنجلترا في النهائي بالعاصمة برلين.
ووصل المشروع إلى قمته خلال كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، بعدما حصد المنتخب الإسباني لقبه العالمي الثاني بالفوز على الأرجنتين 1-0 يوم 19 يوليو على ملعب "ميتلايف" في نيوجيرسي.
وأنهت إسبانيا البطولة دون أي هزيمة، ولم تستقبل سوى هدف واحد، لتكتمل 3 ألقاب كبرى خلال 4 أعوام فقط.
ما سر نجاح إسبانيا؟
عندما سئل دي لا فوينتي عن سر نجاح المنتخب، اختار التركيز على الصفات الإنسانية للاعبيه قبل الجوانب الفنية.
وقال: "إنهم كرماء للغاية، ومتضامنون جدًا، ويتمتعون بقيم قوية جدًا، ويضعون المصلحة الجماعية قبل مصالحهم الشخصية".
وأضاف أن هذه الصفات تجتمع مع مستوى فني استثنائي، واصفًا لاعبيه بأنهم، في رأيه، "الأفضل في العالم".
وتابع: "هذا نجاحهم، لأنهم أصحاب الفضل الحقيقي في تحقيق هذه الأهداف"، مؤكدًا أنه يشعر بأنه "محظوظ" بقيادة مجموعة تجمع بين الجودة الاحترافية والإنسانية.
ولم يكن ارتباط دي لا فوينتي بهذا الجيل وليد السنوات الأخيرة، إذ أمضى جانبًا كبيرًا من مسيرته داخل منتخبات الفئات السنية الإسبانية، وتوج ببطولتي أوروبا تحت 19 عامًا وتحت 21 عامًا، إلى جانب الميدالية الفضية في أولمبياد طوكيو.
وتعامل خلال تلك المراحل مع عدد من اللاعبين الذين أصبحوا لاحقًا ركائز المنتخب الأول، ومن بينهم أوناي سيمون وميكيل أويارزابال ورودري ومارك كوكوريلا وداني أولمو.
من إعلان وظيفة إلى أفضل مدرب
لم يسلك دي لا فوينتي الطريق المعتاد لعدد من المدربين الذين وصلوا إلى قمة كرة القدم الأوروبية عبر قيادة الأندية الكبرى، إذ مرت مسيرته بفترة ظل خلالها دون عمل لأكثر من عام ونصف العام، بين رحيله عن ألافيس في أكتوبر 2011 وانضمامه إلى الاتحاد الإسباني في مايو 2013.
وجاءت نقطة التحول عندما عثر أثناء تصفحه إحدى الصحف على إعلان يفيد بأن الاتحاد الإسباني يبحث عن مدرب للعمل مع منتخبات الشباب، فاتصل بإيناكي سايز، قبل أن يبدأ مهمته رسميًا في الأول من مايو 2013.
وكان دي لا فوينتي قد بدأ مسيرته التدريبية عام 1997 مع بورتوجاليتي، وعمل بعد ذلك مع أوريرا دي فيتوريا وفي قطاعات الشباب بإشبيلية وليزاما، كما قاد بلباو أتلتيك، قبل أن يجد داخل الاتحاد الإسباني الطريق الذي أوصله لاحقًا إلى المنتخب الأول.
وبعد نحو 3 عقود من بداية مسيرته التدريبية، وصل المدرب القادم من هارو إلى قمة مهنته، لكنه شدد خلال ليلة التتويج على أن الجائزة لا تمثل نهاية الطريق.
وقال: "كرة القدم، مثل الحياة، تعلمنا أن النجاح ليس نهائيًا، ولكنه نتيجة للعمل اليومي والشغف والقدرة على مواصلة التعلم".
وأضاف: "لا أرى هذه الجائزة باعتبارها هدفًا تحقق، وإنما دافعًا لمواصلة التحسن والتطور".
واختتم دي لا فوينتي خطابه بتأمل نسبه إلى ماركوس أوريليوس يلخص فلسفته في قيادة إسبانيا: "النجاح الفردي يجعلنا مرئيين، والعمل الجماعي يجعلنا لا نقهر".
(المشهد)
