يترقب الشارع الرياضي العالمي بلهفة بالغة انطلاق منافسات كأس العالم 2026 في نسخة استثنائية تشهد توسيع قاعدة المشاركة لتشمل 48 منتخبا يتنافسون على أراضي الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.
أبطال منسيون
وتتميز هذه النسخة المرتقبة بحضور عربي قياسي غير مسبوق بتواجد 8 منتخبات تسعى لكتابة التاريخ وإثبات تطور الكرة العربية على الساحة الدولية.
ويدفع هذا الزخم الجماهيري عشاق الساحرة المستديرة للنبش في ذاكرة المشاركات العربية السابقة ومحاولة استكشاف المحطات المضيئة التي رسمت طريق العرب نحو العالمية.
وطبعت المشاركات العربية السابقة بصمات خالدة بفضل نجوم استثنائيين حفروا أسماءهم بحروف من ذهب في سجلات البطولة الأهم كرويا، ويبرز من بينهم اسم عبد الرحمن فوزي.
وتتبادر إلى الأذهان فورا إنجازات منتخبات عربية عديدة تركت أثرا بالغا لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة وسط هذا الزخم الجماهيري والإعلامي يتعلق بهوية أول لاعب عربي وإفريقي تمكن من هز الشباك في نهائيات كأس العالم.
وارتبطت الذاكرة الجماهيرية العربية والمصرية طويلا بمشاركة منتخب مصر في مونديال إيطاليا 1990 عندما أحرج الفراعنة منتخب هولندا بطل أوروبا بتعادل تاريخي بهدف لمثله.
وخلد الإعلام الرياضي طويلا هدف مجدي عبد الغني من ركلة جزاء في تلك المباراة ليظن الكثيرون لعقود أنه الهدف المصري والعربي الأول في كأس العالم.
وساهم غياب النقل التلفزيوني المبكر واندلاع الحرب العالمية الـ2 وضعف التوثيق في تلك الحقبة في تجاهل أرشيف الفيفا والذاكرة الرياضية للإنجاز الاستثنائي الذي حققه أسطورة حقيقية قبل ذلك التاريخ بنحو 56 عاما ليبقى عبد الرحمن فوزي البطل المنسي غائبا عن منصات التتويج المعنوي حتى وقت قريب.
من هو عبد الرحمن فوزي؟
ولد عبد الرحمن فوزي في مدينة بورسعيد الساحلية يوم 11 أغسطس 1909 في فترة كانت فيها كرة القدم تتلمس خطواتها الأولى في البلاد.
ولم يتخيل أحد آنذاك أن هذا الطفل سيصبح رقما صعبا في تاريخ الرياضة العالمية. ونشأ الفتى في بيئة بسيطة وأظهر شغفا مبكرا بالكرة حيث قضى طفولته يداعب الساحرة المستديرة في أزقة وشوارع مدينته قبل أن يلتحق بمدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية.
وأسس هناك مع زملائه فريقا صغيرا أطلق عليه اسم فريق النيل ليخوض به منافسات مدرسية وشعبية صقلت موهبته الفذة ولفتت الأنظار إلى قدراته التهديفية العالية.
وانضم عبد الرحمن فوزي رسميا إلى صفوف الفريق الرديف للنادي المصري البورسعيدي في عام 1927 لتبدأ رحلته الاحترافية الفعلية. وتميز اللاعب بسرعة فائقة وقدرة هائلة على المراوغة، وامتلك تسديدات صاروخية مدوية جعلته يلقب بهداف القذائف الصاروخية.
وابتكر المهاجم الفذ طريقة تدريب قاسية ونادرة حيث كان يغمر الكرة في الماء لساعات طويلة لتصبح أثقل وزنا ثم يتدرب بها لتقوية عضلات قدميه وعندما يعود للعب بالكرات العادية يجدها خفيفة جدا فيسددها بقوة خارقة تمزق شباك الخصوم بكل سهولة.
وانتقل اللاعب الشاب في أواخر العشرينيات إلى القاهرة لاستكمال دراسته في المدرسة السعيدية الثانوية ليتألق بشكل لافت في بطولات المدارس.
ولفت مستواه الباهر انتباه مصطفى كامل منصور حارس مرمى النادي الأهلي الذي سارع بترشيحه للانضمام للقلعة الحمراء حيث لعب موسما واحدا.
واستجاب فوزي لاحقا لنداء محافظ إقليم القناة حسن فهمي رفعت ليعود إلى ناديه الأم المصري البورسعيدي، ويقوده لحصد لقب كأس السلطان حسين عام 1933 بالفوز على الأولمبي السكندري بهدفين مقابل هدف وحيد ثم كرر الإنجاز ذاته عام 1934 بإسقاط الأهلي بأربعة أهداف مقابل هدفين.
رحلة التصفيات
وغابت مصر عن النسخة الأولى من كأس العالم عام 1930 في أوروغواي بسبب مشقة السفر البحري الطويل لتنتظر فرصة التعويض في النسخة الـ2 عام 1934 في إيطاليا. وتقدم 32 منتخبا بطلبات المشاركة لتنظم الفيفا تصفيات تأهيلية منحت خلالها قارتي آسيا وإفريقيا مقعدا واحدا مشتركا.
وتنافست مصر وفلسطين بعد انسحاب تركيا حيث ضمت تشكيلة فلسطين لاعبين يهودا تحت مظلة الانتداب البريطاني. واكتسح الفراعنة خصمهم ذهابا في القاهرة يوم 16 مارس 1934 بسبعة أهداف مقابل هدف وحيد سجل منها مختار التتش 3 أهداف ومصطفى كامل منصور هدفين ومحمد لطيف هدفين.
وتجدد اللقاء إيابا في تل أبيب يوم 6 أبريل 1934 ليجدد المنتخب المصري فوزه بـ4-1 وحيد تكفل بها مختار التتش بهدفين وهدف لكل من محمد لطيف وعبد الرحمن فوزي ليعبر الفراعنة بمجموع 11 هدفا مقابل هدفين.
وتأهلت مصر لتكون أول ممثل للعرب وإفريقيا في المونديال بقائمة ضمت 18 لاعبا فقط من 6 أندية محلية تحت قيادة المدرب الاسكتلندي جيمس ماكري.
واستقلت البعثة الباخرة حلوان في رحلة بحرية شاقة استغرقت 4 أيام كاملة للوصول إلى مدينة نابولي الإيطالية لخوض غمار التحدي العالمي.
صدمة مبكرة
وأوقعت القرعة المنتخب المصري في مواجهة نارية أمام منتخب المجر المدجج بالنجوم ضمن نظام خروج المغلوب المباشر.
وانطلقت المباراة التاريخية يوم 27 ماي 1934 على ملعب جيورجي أسكاريلي وسط طموحات مصرية بتكرار الفوز الأولمبي السابق على المجر قبل 10 سنوات بثلاثية نظيفة.
وصدم المجريون دفاعات الفراعنة مبكرا بهدفين مباغتتين عبر بال تيليكي في الدقيقة 11 وجيزا تولدي في الدقيقة 31 ليظن الجميع أن الانهيار المصري بات وشيكا أمام قوة وخبرة المنافس الأوروبي الشرس.
ظلم تحكيمي
وانتفض عبد الرحمن فوزي رافضا الاستسلام ليسجل هدفا تاريخيا في الدقيقة 35 بعد مراوغة رائعة لقلب دفاع المجر وتسديدة متقنة لحظة خروج الحارس ليصبح أول عربي وإفريقي يسجل في المونديال.
ولم يكتف فوزي بذلك بل أطلق تسديدة صاروخية من مسافة 25 ياردة في الدقيقة 39 مستغلا كرة مرتدة من الحارس إثر عرضية محمد لطيف ليدرك التعادل، ويسجل أول ثنائية عربية في تاريخ البطولة خلال 4 دقائق فقط. ودخل الفريقان غرف الملابس بتعادل إيجابي بهدفين لمثلهما وسط ذهول الجماهير الإيطالية من براعة الهجوم المصري.
وشهد الشوط الـ2 أحداثا دراماتيكية بطلها الحكم الإيطالي رينالدو بارلاسينا الذي اغتال الحلم المصري بقرارات مثيرة للجدل.
وسجل مختار التتش هدفا مصريا شرعيا بعد انطلاقة فردية رائعة من منتصف الملعب لكن الحكم ألغاه بحجة تسلل الجناح محمد لطيف الذي لم يلمس الكرة أصلا.
واستغلت المجر هذا الإحباط لتسجل الهدف الـ3 عبر جينو فينتشي في الدقيقة 53 قبل أن يضيف جيزا تولدي الهدف الـ4 في الدقيقة 63 بعد تدخل عنيف ضد الحارس مصطفى كامل منصور أسفر عن كسر في أنفه ليعتمد الحكم الهدف وسط احتجاجات مصرية واسعة، وتنتهي المباراة بخسارة مصر بأربعة أهداف مقابل هدفين.
إشادات واسعة
ورغم الخسارة القاسية حظي عبد الرحمن فوزي بإشادات عالمية واسعة ليتم اختياره كأفضل قلب هجوم وجناح أيسر في البطولة بفضل أدائه الاستثنائي.
ولخص إداري النادي الأهلي آنذاك عبده البقال روعة أداء فوزي قائلا إن مشاهدته يلعب كانت أشبه بالاستماع لأم كلثوم وهي تغني بينما صرح النجم عبد الرحمن صقر بأنه وفوزي شكلا ثنائيا يفوق براعة الثنائي العالمي بوشكاش ودي ستيفانو.
وبات فوزي رمزا كرويا تتهافت عليه الأندية بعد عودته ليتعاقد معه رئيس نادي الزمالك محمد حيدر باشا عام 1935 حيث استمر في الدفاع عن ألوان القلعة البيضاء طيلة 12 عاما حتى اعتزاله عام 1947 دون أن يسعفه الحظ للمشاركة في الدوري المصري الذي انطلق عام 1948.
رائد التدريب
ولم يبتعد فوزي عن معشوقته بعد الاعتزال بل اقتحم عالم التدريب من أوسع أبوابه. وتولى الإدارة الفنية لنادي الزمالك وهو لا يزال لاعبا عام 1946 واستمر في منصبه حتى عام 1956 مسجلا أطول فترة تدريبية في تاريخ النادي ومساهما في اكتشاف نجوم بارزين مثل علاء الحامولي وشريف الفار وعصام بهيج.
وصنع فوزي حدثا فريدا عام 1956 بتدريبه ناديين في آن واحد حيث قاد غزل المحلة في الدرجة الـ2 للصعود إلى الدوري الممتاز لأول مرة تزامنا مع قيادته للزمالك. وتولى عضوية اللجنة المشرفة على المنتخب المصري ليقوده لذهبية الألعاب العربية عام 1953 قبل أن يدرب نادي السكة الحديد في الستينيات ويعود إليه عام 1975.
وامتد إشعاع عبد الرحمن فوزي التدريبي خارج الحدود المصرية ليصبح أول مدرب في تاريخ المنتخب السعودي لكرة القدم.
وتولى الإدارة الفنية للأخضر السعودي عام 1957، وبقي على رأس عمله حتى عام 1962 واضعا اللبنات الأولى لكرة القدم السعودية على الصعيد الدولي وناقلا خبراته المتراكمة لجيل جديد من اللاعبين العرب في القارة الآسيوية ليؤكد مكانته كخبير كروي شامل تجاوزت إنجازاته حدود الملعب كلاعب لتمتد إلى رسم الخطط وبناء المنتخبات كمدرب محنك.
وعاش عبد الرحمن فوزي حياة تتسم بالتواضع والبساطة بعيدا عن صخب وسائل الإعلام حتى وافته المنية يوم 16 أكتوبر 1988 عن عمر يناهز 79 عاما تاركا خلفه إرثا لا يمحى.
واحتفظ المهاجم الأسطوري بلقب الهداف التاريخي لمصر في كأس العالم وحيدا لمدة 84 عاما كاملة حتى نجح النجم محمد صلاح في معادلة رقمه بهدفين في نسخة 2018.
وكرم نادي الزمالك مسيرته المظفرة بإطلاق اسمه على الصالة المغطاة بالنادي بينما عاد الاتحاد الدولي لكرة القدم مؤخرا لينصفه بتقارير خاصة تؤكد ريادته وتعتبره ملهما لقارة بأكملها ليبقى عبد الرحمن فوزي رمزا حيا للعبقرية الكروية العربية المبكرة.
(المشهد)