هل يكرر إنفانتينو مصير بلاتر؟.. أزمة تهز عرش ونفوذ رئيس "فيفا"

آخر تحديث:

شاركنا:
إنفانتينو يواجه أكبر معركة منذ توليه رئاسة "فيفا" (أ ف ب)
هايلايت
  • انهيار مشروع المستثمرين وضع نفوذ إنفانتينو تحت ضغط كبير.
  • بلاتيني اتهمه بمركزية القرار والتقرب من الأثرياء.
  • انتخابات الرباط ستحدد مستقبل إنفانتينو داخل "فيفا".

بدا جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، قبل أسابيع قليلة فقط في ذروة نفوذه، بعدما خرج من كأس العالم 2026 مدعومًا بنجاح تجاري وتنظيمي كبير، وظهر إلى جوار الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقب المباراة النهائية، في مشهد عكس قوة موقعه داخل المؤسسة الكروية الدولية.

لكن الانهيار السريع لمشروع إدخال مستثمرين من القطاع الخاص إلى الأنشطة التجارية للاتحاد الدولي أعاد فتح ملف طريقة إدارته لـ"فيفا"، ووضع مستقبله السياسي تحت ضغط غير مسبوق، وسط مقارنات متزايدة بين عهده وحقبة سلفه السويسري سيب بلاتر.

ورغم أن إنفانتينو سعى منذ انتخابه عام 2016 إلى تقديم نفسه باعتباره قائدًا لمرحلة جديدة بعد سنوات الأزمات التي صاحبت عهد بلاتر، فإن منتقديه يرون أن مركزية القرار داخل "فيفا" ازدادت خلال السنوات الأخيرة، وأن الأزمة الجديدة قد تكون أول تهديد حقيقي لاستمراره في المنصب.

أزمة تهدد النفوذ

عقب نهائي كأس العالم 2026، ظهر إنفانتينو على أرض الملعب برفقة ترامب، في لحظة بدت وكأنها تتويج لسنوات من توسيع نفوذه داخل كرة القدم العالمية.

ونجح رئيس "فيفا" في تنظيم أكبر نسخة من كأس العالم بمشاركة 48 منتخبًا وفي 3 دول، وهي بطولة اعتُبرت ناجحة إلى حد كبير رغم الجدل الذي أحاط بعدد من الملفات خارج الملعب.

كما عزز إنفانتينو علاقته بالاتحادات الوطنية الـ211، عبر زيادة المخصصات المالية وبرامج الدعم، وهو ما وفر له قاعدة انتخابية قوية وساعده على إعادة انتخابه بالتزكية عامي 2019 و2023.

وكان المحامي السويسري الإيطالي اللبناني، البالغ 56 عامًا، قد تولى رئاسة الاتحاد لأول مرة عام 2016 خلفًا لبلاتر، مستفيدًا من تعهدات بإعادة بناء الثقة وترسيخ الشفافية بعد واحدة من أكبر الأزمات في تاريخ المؤسسة.


وعلى عكس بلاتر، حرص إنفانتينو في الغالب على تقليل ظهوره الإعلامي المباشر، باستثناء مناسبات محدودة دافع خلالها عن سياسات "فيفا" أو الدول المستضيفة للبطولات.

ومن أشهر تلك المواقف حديثه قبل كأس العالم 2022 عن تعرضه للتنمر خلال طفولته في سويسرا بسبب شعره الأحمر ونمش وجهه، في سياق رده على الانتقادات الموجهة إلى قطر بشأن حقوق الإنسان.

وقال حينها: "أنا لست عربيًا، ولست إفريقيًا، ولست مثليًا، ولست من ذوي الإعاقة. لكنني أشعر بأنني كذلك، لأنني أعرف معنى أن تتعرض للتمييز كأجنبي في بلد أجنبي. عندما كنت طفلًا تعرضت للتنمر بسبب شعري الأحمر ونمشي".

لكن صورة الرئيس القادر على تجاوز الانتقادات تعرضت لاهتزاز كبير بعد فشل مشروع "فيفا فوروورد إنتربرايز"، الذي أُعلن عنه يوم الثلاثاء قبل أن ينهار بالكامل بحلول السبت تحت ضغط اعتراضات واسعة.

بلاتيني يقارن إنفانتينو ببلاتر

يُعد الفرنسي ميشال بلاتيني، الرئيس السابق للاتحاد الأوروبي لكرة القدم، من أبرز منتقدي إنفانتينو، رغم أن الأخير عمل أمينًا عامًا لـ"يويفا" تحت قيادته منذ عام 2009.

وقال بلاتيني في تصريحات لصحيفة "ذا غارديان" البريطانية إن إنفانتينو أصبح أكثر استبدادًا منذ جائحة كورونا، معتبرًا أن مستوى الديمقراطية داخل "فيفا" تراجع مقارنة بعهد سيب بلاتر.

وأضاف: "أعتقد أنه خسر اللعبة. هناك ديمقراطية أقل مما كانت عليه في عهد بلاتر".

ورسم بلاتيني صورة حادة لطريقة إدارة إنفانتينو، موضحًا أنه كان مسؤولًا تنفيذيًا ناجحًا داخل "يويفا"، لكنه لا يراه رئيسًا جيدًا للاتحاد الدولي.

وقال: "كان نائبًا جيدًا، لكنه ليس رئيسًا جيدًا. عمل بشكل ممتاز في (يويفا)، لكنه يواجه مشكلة واحدة، وهي أنه يحب الأثرياء وأصحاب النفوذ والمال. هذه طبيعته".


وتحمل المقارنة مع بلاتر دلالة خاصة، إذ جاء انتخاب إنفانتينو في الأصل باعتباره بداية لمرحلة مختلفة عن حقبة الرئيس السابق، الذي غادر المنصب وسط أزمات قضائية واتهامات تتعلق بالحوكمة.

لكن منتقدي الرئيس الحالي يرون أن الفارق بين الرجلين أصبح أقل وضوحًا مع مرور الوقت، خصوصًا مع توسع صلاحيات الرئاسة وتراجع دور المشاورات الجماعية في بعض القرارات الكبرى.

وكان بلاتيني نفسه قد مُنع من ممارسة أي نشاط كروي عام 2015 بسبب دفعة مالية تلقاها من "فيفا" في 2011، قبل أن تتم تبرئته لاحقًا أمام محكمة سويسرية.

ورغم خلفيته المثيرة للجدل، فإن تصريحاته وجدت صدى لدى أطراف معارضة ترى أن إنفانتينو بنى نظامًا يعتمد على مركزية القرار وعلاقات مباشرة مع أصحاب النفوذ السياسي والاقتصادي.

علاقة ترامب ومشروع المستثمرين يزيدان الشكوك

تعرضت علاقة إنفانتينو بالرئيس الأميركي دونالد ترامب لتدقيق متزايد، بعدما ظهر التقارب بينهما بوضوح قبل كأس العالم 2026 وخلالها.

وأثار منح ترامب أول جائزة سلام تابعة لـ"فيفا" موجة من السخرية والانتقادات، بينما زاد قرار تعليق عقوبة الإيقاف لمباراة واحدة بحق المهاجم الأميركي فولارين بالوغون من حدة الجدل.

وجاء تعليق العقوبة بعد مكالمة هاتفية من ترامب، ما أتاح لبالوغون المشاركة في مباراة دور الـ16 أمام بلجيكا، في خطوة اعتبرتها اتحادات ومسؤولون تجاوزًا لحدود الاستقلال الرياضي.

وتفاقمت المخاوف بعدما تضمن مشروع "فيفا فوروورد إنتربرايز" شركة مرتبطة بجوشوا كوشنر، شقيق جاريد كوشنر صهر ترامب.

وكان المشروع يستهدف إدخال استثمارات خاصة في بطولات "فيفا"، بما فيها كأس العالم للرجال وكأس العالم للسيدات، قبل أن يواجه اعتراضات حادة بشأن غياب الشفافية وطريقة إعداد الخطة.


وقال تيرينس بيرنز، مستشار الاستراتيجية وتسويق العلامات التجارية الذي عمل في ملفين ناجحين لاستضافة كأس العالم، إن شركة جوشوا كوشنر تمتلك سجلًا مهنيًا مشروعًا وموثوقًا.

لكنه أضاف أن الارتباط كان من المحتم أن يُقرأ سياسيًا، خصوصًا في عام أصبحت فيه علاقة إنفانتينو بالبيت الأبيض موضع شكاوى أخلاقية رسمية.

وأوضح: "تعلمنا طوال 40 عامًا في مجال الرعاية أن الشريك يجلب معه كامل سياقه، والسؤال الجوهري في عملية التدقيق ليس: هل هذا المال نظيف؟ بل: كيف سيُنظر إلى هذا المال؟".

ويعكس هذا الطرح جوهر الأزمة التي واجهها المشروع، إذ لم تتوقف الانتقادات عند مصدر التمويل، بل شملت الانطباع العام بأن حقوق كرة القدم قد تُربط بمصالح سياسية وشبكات نفوذ قريبة من رئيس "فيفا".

انتخابات الرباط تحدد مصير إنفانتينو

بعد انهيار المشروع، أعلن إنفانتينو أنه سيعمل على استعادة الانسجام وإعادة جميع الأطراف المعنية إلى طاولة الحوار.

وقال: "في المرحلة المقبلة، أعتزم جمع جميع الأطراف المعنية مجددًا بروح المصلحة المشتركة في لعبتنا، ومع هدف مواصلة تطوير كرة القدم في كل مكان".

لكن الأزمة تجاوزت حدود سحب المقترح، بعدما تحولت إلى اختبار مباشر لقدرته على الحفاظ على التحالفات التي دعمت رئاسته طوال العقد الماضي.

ومن المقرر أن تُجرى انتخابات رئاسة "فيفا" في العاصمة المغربية الرباط خلال مارس المقبل، فيما يغلق باب الترشح يوم 18 نوفمبر.

وكان استمرار إنفانتينو في المنصب يبدو حتى وقت قريب أمرًا شبه محسوم، في ظل عدم ظهور منافس قوي وامتلاكه دعمًا واسعًا بين الاتحادات الوطنية.

إلا أن فشل مشروع المستثمرين، وتصاعد الانتقادات بشأن علاقته بأصحاب النفوذ، وعودة المقارنات مع بلاتر، كلها عوامل قد تعيد تشكيل المشهد قبل الانتخابات.

وسيكون التحدي الأكبر أمام إنفانتينو هو إثبات أن الأزمة الأخيرة تمثل تعثرًا عابرًا، وليست دليلًا على انهيار الثقة في أسلوب قيادته.

(وكالات)