لم يكن انتقال النجم المصري محمد صلاح إلى طرابزون سبور مجرد صفقة كروية ضخمة أنهت رحلة طويلة مع ليفربول، إذ بدأت آثارها تتجاوز حدود الملعب سريعًا لتصل إلى الجوانب التجارية والسياحية والثقافية، وسط رهانات تركية على جماهيرية قائد منتخب مصر وقدرته على منح النادي والمدينة حضورًا غير مسبوق عربيًا وعالميًا.
وفاجأ صلاح المتابعين باختيار طرابزون سبور رغم ارتباط اسمه لفترة طويلة بأندية الدوري السعودي، قبل أن يكشف النادي التركي عن عقد لمدة موسمين وحزمة مالية وتجارية كبيرة، بالتزامن مع تحركات محلية للاستفادة من التأثير المتوقع لأحد أشهر اللاعبين العرب في العالم.
رهان تركي على جماهيرية قائد مصر
تنظر إدارة طرابزون سبور إلى صفقة صلاح باعتبارها أكثر من مجرد تدعيم هجومي، إذ يمتلك اللاعب قاعدة جماهيرية هائلة في مصر والعالم العربي، وهي السوق التي يأمل النادي في الوصول إليها بصورة أكبر.
ووصف أيمن عبد العزيز، لاعب طرابزون السابق والفائز معه بكأس تركيا عام 2002، التعاقد بأنه "خطوة ذكية" بالنظر إلى القيمة الرياضية والتسويقية للنجم المصري.
وقال عبد العزيز لـ"رويترز": "التعاقد مع لاعب بحجم صلاح يعني أن طرابزون يخاطب 120 مليون مصري، أعتقد أنهم سيتجهون لتشجيع النادي أو متابعة الدوري بشكل عام".
وأضاف: "الجماهير في البلاد العربية التي كانت تتابعه في ليفربول ستتابعه في كل مكان. هذه الخطوة ستعطيهم رواجًا كبيرًا، وهي خطوة ذكية لأنك ستستقطب عددًا مهولًا من الجماهير لمتابعة الدوري".
ويرى الجورجي شوتا أرفيلادزه، نجم طرابزون السابق وأفضل لاعب في تركيا عام 1994، أن الصفقة تقدم مؤشرًا مهمًا على تطور مكانة الكرة التركية.
وقال أرفيلادزه إن اختيار صلاح قضاء مرحلة متقدمة من مسيرته في تركيا "سيحدث تأثيرًا كبيرًا على الدوري، وخصوصًا على طرابزون".
وأضاف: "أعرف ما الذي يمكنه القيام به مع الفريق وكيف سيجعل المدينة الشغوفة بكرة القدم سعيدة. لقد لعبت هناك، ولم يحدث أن جاء لاعب بحجم صلاح إلى الفريق على ما أتذكر".
ويمثل وجود النجم المصري كذلك جزءًا من مشروع طرابزون لتطوير اللاعبين الشباب، بحسب رئيس النادي أرطغرل دوغان.
وأوضح دوغان أن المفاوضات مع صلاح بدأت خلال كأس العالم، مضيفًا: "سبق أن تحدثت عن مشروع إعادة الهيكلة الذي ننفذه. نستقطب اللاعبين ثم نعمل على تطويرهم وبيعهم لاحقًا".
وتابع: "لاعب بمواصفات محمد صلاح يمثل أهمية كبيرة جدًا لهذا المشروع، إذ سيساهم بشكل كبير من حيث الرؤية والقيادة بالنسبة للاعبينا الشباب".
آمال بانتعاش سياحي في طرابزون
لم تتوقف التوقعات عند المردود الرياضي والتجاري، إذ بدأ مسؤولون أتراك يتحدثون بالفعل عن إمكانية استغلال انتقال صلاح لتعزيز السياحة القادمة من مصر.
وأعلن عادل قره إسماعيل أوغلو، رئيس لجنة الأشغال العامة والإعمار والنقل والسياحة في البرلمان التركي ونائب ولاية طرابزون، بدء تشغيل رحلات مباشرة بين القاهرة والمدينة التركية.
وقال إن أول رحلة طيران عارض مباشرة من القاهرة إلى طرابزون انطلقت يوم الأربعاء 5 أغسطس، وعلى متنها 120 سائحًا مصريًا.
وأضاف: "تتزايد يومًا بعد يوم اهتمامات ضيوفنا المصريين بمدينتنا، إذ ارتفع عدد الزوار بنسبة 20% عام 2025 مقارنة بعام 2024".
وتابع: "مع انضمام النجم محمد صلاح إلى طرابزون سبور وارتدائه القميص العنابي والأزرق هذا العام، فمن المتوقع أن يشهد هذا العدد مزيدًا من الارتفاع".
وظهر حجم الاحتفاء المحلي بصلاح في أكثر من مناسبة منذ وصوله، ووصل الأمر إلى عرض أحد مسؤولي البلديات عليه قطعة أرض في المدينة في لفتة ترحيبية حملت طابعًا فكاهيًا.
وقال المسؤول مخاطبًا صلاح إن المنطقة قد تصبح مستقبلًا من أقل الأماكن تأثرًا بالاحتباس الحراري، مضيفًا: "دعونا نمنحكم قطعة أرض جميلة".
جسر ثقافي وقدوة لمشروع طرابزون الجديد
يرى متخصصون أن الشعبية الهائلة لصلاح قد تساعد كذلك في خلق مساحة جديدة للتواصل بين المجتمعين المصري والتركي، تتجاوز العلاقات الرسمية أو تفاعل النخب الثقافية الذي ساد لفترات طويلة.
وقال الروائي والباحث في علم الاجتماع السياسي عمار علي حسن إن العلاقة بين الأتراك والعرب تمتد لقرون، لكن التواصل الجماهيري المباشر بين الطرفين ظل محدودًا لفترة طويلة.
وأضاف لـ"رويترز": "طوال عقود من الزمن لم يحدث هذا الاتصال الجماهيري المباشر. ربما استمر الأمر على أيدي النخبة، من مؤرخين عرب مهتمين بالتاريخ العثماني إلى مؤرخين أتراك مهتمين بالتاريخ العربي".
واعتبر أن انتقال صلاح يمكن أن يمثل حالة مختلفة، قائلًا: "حالة صلاح هي أول حالة تكسر هذه المسألة وتصل إلى الجماهير العريضة".
وأشار إلى أن المصريين اعتادوا متابعة الأندية التي لعب لها قائد منتخبهم، بداية من فيورنتينا وصولًا إلى ليفربول، وهو ما قد يتكرر الآن مع طرابزون والدوري التركي.
وأوضح أن الأمر قد يمتد إلى جوانب اقتصادية وثقافية، مع زيادة التعرف على المنتجات والعادات والمدينة التركية نفسها، وفي الاتجاه المقابل اتساع حضور الثقافة المصرية لدى الجمهور التركي.
رياضيًا، يرى أحمد عز الدين أن الانتقال إلى الدوري التركي يمكن أن يساعد صلاح أيضًا في الحفاظ على قدر أكبر من طاقته خلال السنوات الأخيرة من مسيرته، مقارنة بالمتطلبات البدنية الهائلة للدوري الإنجليزي.
وشبه ذلك بمرحلة انتقال ليونيل ميسي من برشلونة إلى باريس سان جيرمان، معتبرًا أن تخفيف الحمل البدني قد يمنح صلاح فرصة لإطالة فترة قيادته لمنتخب مصر.
وأضاف أن الهدف الأكبر الذي لا يزال غائبًا عن خزينة اللاعب هو التتويج بكأس أمم إفريقيا.
