لم يعد من المبالغة إطلاق لقب "قاهر الكبار" على فريق بودو غليمت النرويجي. فقد بات هذا الفريق، الذي يقع مقره شمال الدائرة القطبية الشمالية، على أعتاب تحقيق إحدى أكبر المفاجآت في تاريخ مسابقة دوري أبطال أوروبا لكرة القدم.
معجزة كروية
وتقترب هذه المعجزة من التحقق بإمكانية إقصاء العملاق الإيطالي إنتر ميلان، وذلك إثر الفوز الكبير الذي حققه الفريق النرويجي على ضيفه بنتيجة 3-1 في ذهاب دور ملحق ثمن النهائي.ولا تعدّ هذه النتيجة مجرد صدفة عابرة، فقد سبق للنادي النرويجي، الذي كان مغمورًا على الساحة القارية، أن حقق سلسلة من النتائج الصاعقة في النسخة الحالية من البطولة.
وتضمنت هذه الإنجازات فوزًا مدويًا على مانشستر سيتي الإنجليزي بنتيجة 3-1، وانتصارًا آخر على أتلتيكو مدريد الإسباني بنتيجة 2-1، ضمن منافسات دور المجموعة الموحدة، حيث احتل المركز الـ23. وإلى جانب هذه الانتصارات، فرض بودو غليمت تعادلين لافتين على كل من بوروسيا دورتموند الألماني وتوتنهام الإنجليزي.
تاريخ من التحدي القاري
شهد يوم الأربعاء الماضي محطة تاريخية في مسيرة النادي، حيث خاض أول مباراة له ضمن الأدوار الإقصائية لبطولة دوري أبطال أوروبا المرموقة. ورغم حداثة عهده في هذه المرحلة المتقدمة من البطولة الأهم، إلا أنّ بودو غليمت يمتلك خبرة جيدة على الصعيد القاري عمومًا. فقد خطف الأضواء في الموسم الماضي بوصوله المستحق إلى نصف نهائي مسابقة "يوروبا ليغ" الرديفة.
وجاء هذا الإنجاز ليتوج مسارًا تصاعديًا بدأ في عام 2022، عندما بلغ ربع نهائي مسابقة "كونفرنس ليغ". ولعلّ اللحظة الأبرز في تلك المشاركة كانت الفوز الساحق على فريق روما، تحت قيادة المدرب البرتغالي المخضرم جوزيه مورينيو، بنتيجة 6-1 في دور المجموعات، قبل أن يودع البطولة لاحقًا على يد الفريق الإيطالي نفسه.
وعلى مدار السنوات الماضية، حاول الفريق النرويجي تجاوز مرحلة التصفيات في دوري الأبطال 3 مرات متتالية، من دون أن يُكتب له النجاح. ومع ذلك، فقد قدم مستويات مشرفة في مواجهات صعبة أمام أندية عريقة مثل أرسنال ومانشستر يونايتد الإنجليزيّين، وأياكس الهولندي. وأخيرًا، تكلّلت جهوده بالنجاح والتأهل إلى دور المجموعة الموحدة في النسخة الحالية.
صعود صاروخي في الكرة النرويجية
بالعودة إلى الوراء قليلًا، نجد أنّ بودو غليمت كان فريقًا مجهولًا حتى داخل النرويج، خصوصًا عند مقارنته بأندية العاصمة أوسلو العريقة. ولم يبدأ صعوده الحقيقي إلا في عام 2017، عندما تمكن من الصعود إلى دوري الدرجة الأولى النرويجي "أيليتسيريين"، وهي البطولة التي هيمن عليها فريق روزنبورغ هيمنة شبه مطلقة طوال 3 عقود.
وسرعان ما أثبت الفريق جدارته، حيث حل وصيفًا في أول مواسمه عام 2019، قبل أن يكسر احتكار روزنبورغ ويتوج باللقب للمرة الأولى في تاريخه عام 2020. ومنذ ذلك الحين، فرض بودو غليمت نفسه كقوة عظمى في الكرة النرويجية، متوّجًا باللقب في 4 من المواسم الـ6 الماضية.
ورغم خسارته للقب الدوري في عام 2025 (علمًا أنّ موسم 2026 لم ينطلق بعد)، بفارق نقطة يتيمة عن نادي فايكينغ المتوج بالبطولة، إلا أنّ الفريق الذي يقوده المدرب كيتيل كنوتسن، يقف الآن أمام فرصة تاريخية غير مسبوقة، تتمثل في مضاهاة الإنجاز الأبرز في تاريخ الكرة النرويجية، والذي حققه عملاقها روزنبورغ ببلوغه ربع نهائي دوري الأبطال عام 1997.
وصفة النجاح
تقف أرضية ملعب "سان سيرو" الشهير يوم الثلاثاء المقبل كعقبة أخيرة بين بودو غليمت وحلم بلوغ ثمن النهائي. وفي حال تجاوزه لهذه العقبة بنجاح، فمن المحتمل أن يصطدم مجددًا بأحد العملاقين، مانشستر سيتي أو سبورتينغ البرتغالي.
ورغم إدراك الفريق بصعوبة الرحلة إلى ميلانو، إلا أنه يبدو مهيّئًا فنيًا وبدنيًا لمقارعة فريق المدرب الروماني كريستيانو كيفو.
ويتمتع بودو غليمت بأفضلية واضحة تتمثل في تفرغه التام للمسابقة القارية، حيث لن يبدأ مشواره في الدوري المحلي لموسم 2026 إلا في 15 مارس المقبل. في المقابل، يجد إنتر ميلان نفسه مشتّتًا بين المنافسة على أكثر من جبهة، وعلى رأسها صراع الصدارة في الدوري الإيطالي المنهك.
ويعتمد الفريق النرويجي بشكل كبير على تألق مهاجمه الدنماركي كاسبر هوغ، الذي سجل أحد الأهداف الـ3 في مرمى "نيراتزوري". ورفع هذا الهدف رصيده إلى 4 أهداف في آخر 3 مباريات بـ"تشامبيونزليغ"، بعد تسجيله ثنائية في مرمى سيتي وهدف الفوز الحاسم على أتلتيكو مدريد.
الاستقرار مفتاح التفوق
انتهج بودو غليمت سياسة إدارية وفنية يندر أن نجدها حتى لدى كبار أندية القارة العجوز. وتتمثل هذه السياسة في الحفاظ على استقرار الإدارة الفنية بإبقاء المدرب كنوتسن في منصبه منذ عام 2018، من دون أيّ تغيير يُذكر. ورغم افتقار التشكيلة للأسماء الرنانة، إلا أنّ الفريق يستمد قوته من الانسجام التام بين عناصره، نتيجة استمرار اللاعبين في اللعب معًا لفترات طويلة.
ولم تقتصر سياسة النادي على الاحتفاظ بلاعبيه، بل شملت أيضًا استعادة بعض الطيور المهاجرة. فقد اختار الجناح الدولي ينس-بيتر هوغه العودة لصفوف الفريق، بعد تجربة احترافية شملت الانتقال إلى ميلان الإيطالي عام 2020، والفوز بلقب الدوري الأوروبي مع أينتراخت فرانكفورت الألماني في 2022.
كما شهد الفريق عودة لاعب الوسط باتريك برغ، الذي ينتمي لعائلة كروية عريقة لعب والدها وأعمامها لنادي بودو غليمت، وذلك بعد تجربة قصيرة مع لنس الفرنسي عام 2022.
(المشهد)