أضاف اليوناني جورجيوس دونيس فصلًا جديدًا إلى مسيرته الطويلة في كرة القدم، بعدما قاد المنتخب السعودي إلى لقب كأس الخليج العربي "خليجي 27"، بالفوز على الإمارات 2-0 في المباراة النهائية التي أقيمت، الثلاثاء، على ملعب "الإنماء" في جدة.
ولم يكن تتويج دونيس مجرد لقب جديد لـ"الأخضر"، بل أنهى أيضًا سلسلة من الخسائر السعودية في المباريات النهائية للبطولة، وأدخل المدرب اليوناني قائمة محدودة من الأجانب الذين نجحوا في قيادة المنتخب إلى منصة التتويج.
وخلف المشهد الحالي، تحمل مسيرة دونيس قصصًا عديدة بدأت بطفولة صعبة ومرض خطير، مرورًا بلقب "القطار" وأسبقية تاريخية في الدوري الإنجليزي الممتاز، وصولًا إلى مفارقات تدريبية واجه خلالها أندية سبق أن ارتدى قمصانها.
طفولة صعبة ونبوءة مبكرة
وُلد دونيس في فرانكفورت لأسرة يونانية مهاجرة، وكان والده يعمل في المصانع قبل الانتقال لاحقًا إلى التجارة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "بروتو ثيما" اليونانية عام 2019، تعرض دونيس في الـ5 من عمره للإصابة بالدفتيريا، وقضى 6 أشهر في المستشفى، قبل أن ترسله والدته بعد تعافيه إلى اليونان ليعيش مع جدته من جهة الأم.
وبدأت موهبته الكروية في الظهور مبكرًا، إذ أخبر أحد معلميه جدته، عندما كان في السابعة، بأنه سيصبح لاعب كرة قدم جيدًا جدًا.
والمفارقة أن دونيس، الذي ارتبط لاحقًا بصورة كبيرة بباناثينايكوس، نشأ مشجعًا لباوك متأثرًا بوالده الذي كان من أنصار النادي.
ومع تطور مسيرته كلاعب، حصل على لقب "القطار" بسبب سرعته وانطلاقاته، وظهر ذلك بصورة لافتة في واحدة من أشهر ليالي باناثينايكوس الأوروبية، أمام أياكس يوم 3 أبريل 1996 في ذهاب نصف نهائي دوري أبطال أوروبا.
وانطلق دونيس بالكرة لمسافة طويلة قبل أن يمرر إلى البولندي كشيشتوف فاجيخا، الذي سجل هدف الفوز 1-0 في الدقيقة 87، ليحقق الفريق اليوناني انتصارًا تاريخيًا في أمستردام، رغم خروجه لاحقًا بعد خسارة الإياب 0-3.
أول يوناني في البريميرليغ
دخل دونيس تاريخ الكرة اليونانية من بوابة إنجلترا، بعدما انتقل إلى بلاكبيرن يوم 5 يونيو 1996، ليصبح لاحقًا أول لاعب يوناني يشارك في الدوري الإنجليزي الممتاز، بحسب الاتحاد الأوروبي لكرة القدم.
كما تصفه المصادر اليونانية بأنه أول لاعب من بلاده يستفيد من حكم بوسمان للانتقال إلى الخارج، إذ جاءت صفقة انتقاله إلى بلاكبيرن بصورة حرة.
وخاض ظهوره الأول أمام توتنهام في 17 أغسطس 1996، وسجل هدفين خلال تجربته في الدوري الممتاز، جاءا أمام إيفرتون وكوفنتري.
لكن التجربة حملت أيضًا جانبًا يعكس طريقة تفكير دونيس، إذ كشف في مقابلة عام 2015 أنه كان يملك عقدًا ماليًا ضخمًا مع بلاكبيرن، لكنه اختار إنهاء ارتباطه بالنادي والرحيل بعد نحو موسم ونصف.
وقال دونيس إن كثيرين وصفوه آنذاك بـ"المجنون"، لأنه كان يستطيع البقاء والاستفادة من عقده ماليًا، مستشهدًا بهذه الواقعة عندما سئل لاحقًا عما إذا كان انتقاله للعمل في السعودية مرتبطًا بالأموال.
انتصارات على أنديته السابقة.. وحكايات عائلية
حملت مسيرة دونيس التدريبية مفارقة لافتة، بعدما جاءت 2 من أبرز نجاحاته على حساب ناديين سبق له اللعب بقميصهما.
ففي 2007، قاد لاريسا إلى الفوز بكأس اليونان بعد التغلب على باناثينايكوس 2-1 في المباراة النهائية، بعدما كان قد نجح قبل ذلك في إعادة لاريسا إلى الدرجة الأولى عام 2005.
وفي العام نفسه، اصطدم دونيس ببلاكبيرن في كأس الاتحاد الأوروبي، وقاد لاريسا للفوز 2-0 ذهابًا، ثم خسر 1-2 في ملعب "إيوود بارك"، ليتأهل الفريق اليوناني بنتيجة إجمالية 3-2 إلى دور المجموعات.
وامتدت حياته خارج الملاعب إلى لحظات أكثر صعوبة، ففي 28 يونيو 2012 تعرض منزل أسرته في كيفيسيا لاقتحام مسلح، وشهدت الواقعة عملية أمنية واسعة وتبادلًا لإطلاق النار، مع احتجاز والد زوجته لفترة قصيرة وإصابة شخصين.
وذكرت صحيفة "ديموكراتيا" اليونانية، نقلًا عن مصادر أمنية، أن ابنه تاسوس تمكن من الاختباء والخروج من المنزل وتنبيه شرطي كان يحرس منزلًا مقابلًا.
أما الابن الآخر خريستوس، فجمعته تجربة مختلفة بوالده، عندما لعب تحت قيادته في باناثينايكوس عام 2018، بعد سنوات من المزاح العائلي حول إمكانية العمل معًا.
ولخص خريستوس العلاقة بقوله: "في المنزل سيكون أبي، وفي الملعب سيكون مدربي".
كما دخل جورجيوس وتاسوس دونيس سجلًا خاصًا مع منتخب اليونان، بعدما سجل تاسوس أمام ليختنشتاين في 23 مارس 2019، ليصبحا ثاني ثنائي أب وابن يسجل كلاهما للمنتخب الأول، بعد يانيس وجورجيوس ساماراس.
دونيس ينهي عقدة النهائيات مع السعودية
وصل دونيس إلى واحدة من أبرز محطات مسيرته التدريبية بقيادة السعودية إلى لقب "خليجي 27"، بعد الفوز على الإمارات 2-0 بهدفي همام الهمامي وفراس البريكان في الدقيقتين 11 و13.
وأصبح المدرب اليوناني خامس مدرب أجنبي يتوج ببطولة مع المنتخب السعودي، بعد البرازيلي كارلوس ألبرتو باريرا، والبرتغالي نيلو فينغادا، والألماني أوتو فيستر، والهولندي جيرارد فان دير ليم.
وكان باريرا قد قاد السعودية إلى كأس آسيا 1988، وفينغادا إلى لقب البطولة نفسها عام 1996، بينما حقق فيستر كأس العرب 1998، ثم قاد فان دير ليم المنتخب إلى كأس العرب 2002 وكأس الخليج في نسخة 2003-2004، مع تولي مساعده مارتن كوبمان قيادة النهائي العربي بسبب وعكة صحية للمدرب الهولندي.
وحمل اللقب أيضًا أهمية خاصة للسعودية، بعدما أنهى سلسلة من 4 خسائر متتالية في نهائيات كأس الخليج منذ تغيير نظام البطولة.
وخسر "الأخضر" نهائي 2009 أمام عُمان بركلات الترجيح 5-6 بعد التعادل السلبي، ثم خسر أمام الكويت 0-1 بعد التمديد في النسخة التالية، قبل السقوط أمام قطر 1-2 في نهائي 2014، ثم البحرين 0-1 عام 2019.
وفي جدة، تغير المشهد أخيرًا، بعدما حسمت السعودية النهائي أمام الإمارات ورفعت رصيدها إلى 4 ألقاب.
ويأتي هذا النجاح في وقت لا يزال فيه دونيس يحتفظ بطموحات تتجاوز مقاعد التدريب، إذ كشف في مقابلة صحفية سابقة أنه يفكر مستقبلًا في أن يصبح رئيسًا لأحد الأندية، ضمن مشروع يقوم على الاستعانة بلاعبين سابقين مؤهلين وبناء فلسفة فنية واضحة لا تتغير مع كل مدرب.
كما سبق له أن تحدث عن اهتمامه الكبير بالجوانب النفسية للاعبين، مشيرًا إلى امتلاكه ملفات وتقييمات لنحو 30 لاعبًا على حاسوبه، في محاولة لفهم طريقة استيعاب كل لاعب للتعليمات وقدرته على تحمل الضغوط.
(المشهد)
