أثار خبر سبب سحب الجنسبة من أحمد خضر الطرابلسي، الحارس الأسطوري لمنتخب الكويت، موجة واسعة من التفاعل والجدل داخل الشارع الكويتي، بعدما ورد اسمه ضمن مرسوم رسمي يقضي بسحب الجنسية من عدد من الأشخاص، في قرار وُصف بأنه صادم نظرًا لقيمة الطرابلسي الرمزية ومكانته التاريخية في وجدان الرياضة الكويتية، ولما قدمه طوال عقود من العطاء داخل الملاعب وخارجها، سواء بقميص منتخب الكويت أو من خلال مسيرته العسكرية والدينية والإنسانية.
القرار الذي نُشر في الجريدة الرسمية بالكويت لم يكن حدثًا إداريًا عابرًا، بل تحوّل سريعًا إلى قضية رأي عام، أعادت إلى الواجهة سيرة أحد أبرز رموز العصر الذهبي لكرة القدم الكويتية، وفتحت باب التساؤلات حول خلفيات القرار، وتاريخه الطويل الممتد من عام 1974 حتى 2026، وما إذا كان العطاء الوطني الممتد لنحو نصف قرن كفيلًا بتجاوز مثل هذه القرارات.
سبب سحب الجنسبة من أحمد خضر الطرابلسي
صدر مرسوم رسمي بسحب الجنسية الكويتية من 65 شخصًا، إضافة إلى من اكتسبها معهم بالتبعية، استنادًا إلى أحكام الدستور الكويتي، وإلى المرسوم الأميري رقم 15 لسنة 1959 الخاص بقانون الجنسية الكويتية، وتعديلاته اللاحقة.
وجاء القرار بناءً على عرض من النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية، وبعد موافقة مجلس الوزراء، وبمباركة أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح.
وتضمن المرسوم اسم أحمد خضر الطرابلسي، حارس مرمى منتخب الكويت السابق، دون الكشف عن تفاصيل أو حيثيات خاصة تتعلق بحالته الفردية، وهو ما زاد من حالة الجدل والتساؤلات، خصوصًا أن القرار جاء بعد أكثر من 50 عامًا من حصوله على الجنسية الكويتية، وبعد مسيرة طويلة من الخدمة الرياضية والعسكرية والدينية داخل الدولة.
ورأى كثير من المتفاعلين أن توقيت القرار وطبيعته شكّلا صدمة، معتبرين أن الطرابلسي لم يكن مجرد لاعب كرة قدم، بل أحد رموز الكويت الحديثة، ممن ارتبط اسمهم بأهم إنجازاتها الرياضية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
تفاعل واسع
التفاعل مع الخبر كان لافتًا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر كويتيون عن دهشتهم من إدراج اسم الطرابلسي ضمن القرار، معتبرين أن ما قدمه للكويت، داخل الملعب وخارجه، يفوق الحسابات الإدارية البحتة. وذهب كثيرون إلى أن أحمد الطرابلسي سيظل اسمًا محفورًا في ذاكرة الكويت، مهما تغيّرت الصفة القانونية، ومهما صدرت القرارات.
وبرز الطابع الإنساني في التعامل مع القضية، إذ لم يُنظر إلى القرار باعتباره إجراءً قانونيًا فقط، بل كحدث وجداني أعاد استدعاء صور "الحارس الأمين" وهو يتصدى للكرات في زمن المنتخب الكويتي الذهبي، أو وهو يرتل آيات الذكر الحكيم في افتتاح كأس الخليج عام 1974.
من هو أحمد خضر الطرابلسي؟
يُعد أحمد خضر الطرابلسي أحد أبرز رموز الرياضة الكويتية، ونموذجًا نادرًا جمع بين التميز الرياضي والالتزام الديني والانضباط العسكري.
وُلد في 18 مارس 1947 بمدينة بيروت في الجمهورية اللبنانية، ونشأ في أسرة رياضية متدينة، فوالده كان بطل لبنان في رفع الأثقال لمدة 12 عامًا، بينما شقيقه الأكبر هو الرباع اللبناني العالمي الراحل محمد خضر الطرابلسي.
بدأ مسيرته الرياضية في رفع الأثقال وكمال الأجسام، ونجح في رفع 80 كيلوغرامًا وهو في الـ14 من عمره، قبل أن تجذبه كرة القدم، حيث اتجه إلى حراسة المرمى بفضل بنيته الجسدية القوية، وبدأ مشواره الكروي مع فريق مدرسة المزرعة الرسمية، ثم نادي النجمة الرياضي اللبناني، حيث لفت الأنظار في سن مبكرة.
الهجرة إلى الكويت وبداية المجد الرياضي
انتقل أحمد الطرابلسي إلى الكويت عام 1963 بدعوة من خاله زكريا شهاب، وواصل مسيرته الكروية في المدارس الكويتية، قبل أن ينضم إلى منتخب مدارس الكويت، ثم نادي القادسية الكويتي لموسم واحد، ومنها إلى نادي الكويت الكويتي عام 1964، حيث استقرت مسيرته وحقق أولى بطولاته المحلية، أبرزها الدوري عام 1965.
نال الجنسية الكويتية رسميًا عام 1974، والتحق بالجيش الكويتي، وتدرج في الرتب العسكرية حتى وصل إلى رتبة عقيد قبل التقاعد، جامعًا بين الخدمة العسكرية والمشاركة الرياضية في نموذج نادر للإخلاص والانضباط.
مع منتخب الكويت.. الحارس الأمين
شكّل الطرابلسي أحد أعمدة منتخب الكويت في حقبته الذهبية، ولقّب بـ "الحارس الأمين"، بعدما لعب دورًا محوريًا في تتويج المنتخب بلقب كأس الخليج 3 مرات متتالية أعوام 1972 و1974 و1976.
وحقق رقمًا قياسيًا في خليجي 1974 بالحفاظ على نظافة شباكه طوال البطولة دون أن يدخل مرماه أي هدف.
كما كان الحارس الأساسي لمنتخب الكويت في مشاركته التاريخية الوحيدة بكأس العالم 1982 في إسبانيا، وحقق مع المنتخب العسكري الكويتي كأس العالم للمنتخبات العسكرية، قبل أن يعتزل اللعب عام 1983، ويتجه إلى مجال التدريب، حيث عمل مدربًا لمنتخب الكويت الوطني واستمر في المجال حتى عام 1995.
بحسب ما أورده النجم المصري جمال عبد الحميد في كتابه "عظماء ومجانين"، فإن الطرابلسي قدّم خدمات جليلة داخل الكويت، ساعدته في الحصول على الجنسية، وخدم في الجيش الكويتي، وشارك في العديد من بطولات العالم العسكرية، جامعًا بين الرياضة والخدمة الوطنية.
الطرابلسي والقرآن الكريم.. وجه آخر للأسطورة
بعيدًا عن الملاعب، عُرف أحمد الطرابلسي بكونه قارئًا مجازًا للقرآن الكريم برواية حفص عن عاصم، إضافة إلى إجازة برواية قالون عن نافع. التحق عام 1971 بمعهد دار القرآن الكريم في الكويت، وشارك في مسابقات دولية عدة، أبرزها مسابقة بنغلاديش الدولية عام 1995 التي حصل فيها على المركز الأول، ومسابقة الجيوش الإسلامية في إيران عام 1994 حيث نال المركز الثاني.
ويُعد أول كويتي سجّل المصحف المرتل بصوته عام 1992، وهو المصحف الذي يُذاع عبر الإذاعة والقناة الرياضية الـ3 في الكويت، كما بثته إذاعة أبوظبي لاحقًا، وحصلت قناة المجد الفضائية على تسجيله الكامل للقرآن الكريم.
ولقّبه كثيرون بـ "عبد الباسط عبد الصمد الخليج"، وبرز دوره لعقود في تحفيظ الشباب القرآن الكريم، وترأس لجنة تحكيم جائزة الكويت الدولية للتلاوة والتجويد عام 2010، وكان الأذان يُرفع بصوته عبر تلفزيون الكويت الرسمي.
يرى الطرابلسي أن القرآن هو سر التوفيق الحقيقي، ويؤكد دائمًا أن الرياضة لا تتعارض مع الدين، بل تسمو به إذا اقترنت بالقيم والأخلاق وبر الوالدين.
وبعد صدور قرار سحب الجنسية، تعامل مع الموقف بحكمة وهدوء، مكتفيًا بتلاوة مؤثرة من القرآن الكريم، محافظًا على كرامته وصورته التي عرفها الكويتيون لعقود.
(المشهد)