ضمنت الملاكمة إيمان خليف، التي وجدت نفسها في حالة جدل كبيرة حول هويتها الجنسية، أوّل ميدالية للجزائر في أولمبياد باريس 2024، بعد تغلبها على المجرية آنا لوكا هاموري، السبت، بالنقاط في ربع نهائي وزن 66 كيلوغرامًا للسيدات ضمن منافسات رياضة الملاكمة.
ويستمر حلم إيمان خليف بعد بلوغها الدور نصف النهائي وضمان ميدالية برونزية على أقل تقدير، حيث تطمح لتحقيق الفوز على التايلاندية جانجايم سوانافينغ، في مباراتها التالية يوم الثلاثاء المُقبل، وذلك من أجل المنافسة على الذهب الأولمبي.
وبعد هذا الإنجاز الذي وُلد من قلب موجة كبيرة من الجدل المُثار عالميًا حول مشاركتها، دعونا نتعرف إلى المُلاكمة الجزائرية إيمان خليف.
إيمان خليف تتحدى الانتقادات
وباتت خليف في زوبعة من الاتهامات شكّكت بأهليتها في المشاركة، بعد إيقافها في بطولة العالم العام الماضي من قبل الاتحاد الدولي للملاكمة والسماح لها بالمشاركة في الألعاب من قبل اللجنة الأولمبية الدولية.
ومنذ فوزها على الإيطالية أنجيلا كاريني التي انسحبت بعد 46 ثانية في دور الـ6، تعرّضت خليف، البالغة من العُمر 25 عامًا، للتشكيك في جنسها حتى من قبل رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني والرئيس الأميركي السابق والمرشح الحالي دونالد ترامب.
وقبل ربع النهائي، أبدت هاموري تخوّفها من خصمتها معتبرة أن قرار اللجنة الأولمبية الدولية بالسماح لها بالمشاركة "غير عادل" لأنه يخالف قرارًا سابقًا للاتحاد الدولي للملاكمة حرمها من المشاركة في بطولة العالم بنيودلهي قبل سنة.
من هي الملاكمة إيمان خليف؟
تخطّت الملاكمة إيمان خليف، القادمة من قرية فقيرة تبعد نحو 300 كيلومتر عن العاصمة الجزائرية، الكثير من الصعاب لممارسة رياضتها وبلوغ الألعاب الأولمبية، حيث وجدت نفسها محور جدل كبير حول هويتها الجنسية.
ودافعت اللجنة الأولمبية الجزائرية عن رياضيتها المرشّحة للفوز بالذهب وأدانت "التصرّف غير الأخلاقي" لبعض وسائل الإعلام الأجنبية، لكن أكبر المدافعين عنها يظل والدها الذي أصبح أكبر مشجع لها بعدما كاد يحرمها من ممارسة الملاكمة باعتبارها رياضة الرجال.
ومن قريتها الصغيرة بيبان مصباح بولاية تيارت، في جنوب غرب الجزائر، حيث بدأت مسيرتها الرياضية وعمرها 6 سنوات، وجّه والدها عمر خليف، البالغ 49 سنة، رسالة دفاع لابنته عبر وكالة الأنباء الفرنسية، قال فيها: "لا تستمعي للأشخاص الذين ينتقدونك، عليك فقط رفع الراية الجزائرية في باريس وإحضار الميدالية الذهبية".
وقال مفتخرًا، وهو يُظهر صورها وهي صغيرة: "ابنتي فتاة مؤدّبة وقوية، ربّيتها على العمل والشجاعة، وعندها تلك الإرادة القوية في العمل والتدريب".
وكذلك فعل شقيقها الأصغر محمد، ذو الـ12 عامًا: "أقول لأختي إيمان: نحن ننتظرك بفارغ الصبر للفوز عليهم وتقديم صورة رائعة عن المرأة والفتاة الجزائرية".
لاعبة كرة قدم بارعة
وقبل أن تختار الملاكمة كان همّ إيمان أن تمارس أيّ رياضة متاحة في قريتها البعيدة عن كل القاعات والملاعب، فلعبت كرة القدم وبرعت فيها بشهادة أصدقائها من الذكور وكذلك برعت في الركض فكانت تتفوّق على الجميع كما ذكر والدها.
وذكّر عمر خليف كيف كانت ابنته بارعة في كل الرياضات "عندما كانت في السادسة من عمرها، كانت تمارس الرياضة كثيرًا وتشاهد القنوات الرياضية، حيث كانت تحرز المراكز الأولى في العدو، وأيضا كانت بارعة في كرة القدم"
وروت إيمان في فيديو لمنظمة اليونيسف، حيث أنها سفيرة المنظمة في بلدها، أنّ والدها في البداية كان يجد صعوبة في تقبل ممارستها للملاكمة.
وصرّحت للتلفزيون الجزائري، قبل شهر من الأولمبياد "أنا من عائلة محافظة. الملاكمة لم تكن رياضة تمارسها النساء كثيرًا، خاصة في الجزائر. كان الأمر صعبًا".
لكن طموح إيمان كان أكبر من أن تبقى في انتظار من يكتشف موهبتها وهي بعيدة عن أضواء المدينة، فقرّرت أن تفعل كل شيء حتى تلتحق بقاعة رياضية بمدينة تيارت لتستأنس برياضيات اخريات.
لكن التنقل للتدرّب في مدينة تيارت التي تبعد عن قريتها نحو 12 كيلومترًا كان مكلّفاً في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها أسرتها، حتى ان والدها بدون عمل إلى اليوم.
بيع الخبز وجمع الحديد
بالإضافة إلى الأحكام المسبقة التي كان عليها مواجهتها، كان عليها أيضًا إيجاد الأموال لدفع ثمن تنقلاتها من قريتها الصغيرة إلى مدينة تيارت ثم إلى العاصمة الجزائر، لدرجة أنها كانت تبيع الخبز في الشارع وخردة الحديد والبلاستيك عندما كانت مراهقة، كما ساعدتها والدتها ببيع الكسكسي المحضر في المنزل.
وروت إيمان لوسائل الإعلام الجزائرية كيف اضطرت إلى بيع الخبز في الطريق وجمع الحديد والبلاستيك لإعادة بيعه حتى تحصل على مصاريف التنقل إلى القاعة، ومع ذلك ظلّ تنقّلها في الحصص المسائية "صعبًا جدًّا".
وبالإضافة إلى الظروف المادية التي لا تساعد أي شخص على ممارسة الرياضة، خصوصًا في المستوى العالي، واجهت إيمان نظرة المجتمع بداية من أسرتها "لقد جعلوني أشعر أنني أرتكب شيئا خطأ".
طموح إيمان لم يتوقف في تيارت فانتقلت إلى العاصمة عبر بوابة الدراسة في معهد تكنولوجيا الرياضة التابع لوزارة الشباب، والذي يحتوي قاعات وحلبات ملاكمة تفتح لها المجال لتطوير موهبتها.
بداية العالمية وإثارة الجدل
ودائمًا ما تقول إيمان خليف في تصريحاتها: "أنا انتقلت من القرية إلى المدينة ومن المدينة إلى العاصمة" في وصف مسيرتها وإصرارها على تحقيق التفوّق، ابتداء بالفوز بكل البطولات المحلية إلى الانتقال للمستوى الدولي.
لكن انطلاقتها الحقيقية في المستوى العالي كانت عندما استدعاها مدرّبها محمد شعوة في سن 17 سنة للالتحاق بنادي الحماية المدنية للملاكمة في تيارت.
من هنا بدأت مسيرة المشاركات الأولمبية. فبعد 4 سنوات من التحضير تمكنت من اقتطاع تذكرة المشاركة في الألعاب الأولمبية بطوكيو صيف 2021 وتحصل على المركز الخامس.
واصلت العمل والتدرّب في المستوى العالي والمشاركة في كل المنافسات الدولية إفريقيًا ومتوسطيًا، حتى بلغت بطولة العالم سنة 2023، لكن الاتحاد الدولي للملاكمة استبعدها من المشاركة بسبب ارتفاع "مستويات هرمون التستوستيرون" وفقًا لملفها الشخصي على نظام معلومات أولمبياد باريس 2024.
لكن الاتحاد الدولي للملاكمة الموقوف من اللجنة الأولمبية الدولية قال الأربعاء إنها أُوقفت "لعدم تلبية معايير الأهلية... لم تخضع الرياضيات لفحص تستوستيرون، لكن لاختبار منفصل ومعترف به تبقى تفاصيله سرّية".
ولما ظن الجميع ان ذلك سيقضي على مسيرتها الرياضية، سمحت لها اللجنة الأولمبية الدولية بالمشاركة في باريس، مثلها مثل التايوانية يو تينغ لين في وزن تحت 57 كيلوغرامًا، التي جرّدها الاتحاد الدولي من ميدالية برونزية في بطولة العالم أيضاً.
نموذج وقدوة
يظل الوالد عمر خليف هو الداعم والمشجع الأكبر لابنته بعد كل ما حققته من نجاح.
ويضيف في تصريحاته التي نقلتها وكالة الأنباء الفرنسية: "إيمان هي مثال للمرأة الجزائرية، هي بطلة من بطلات الجزائر، وإن شاء الله ستشرفنا بالميدالية الذهبية، وترفع الراية الوطنية في باريس هذا هو هدفنا الوحيد منذ البداية".
في النادي الرياضي المحلي للحماية المدنية بمدينة تيارت حيث بدأت إيمان تدريباتها الأولى، تجري مجموعة من الرياضيات من جميع الأعمار تدريبات الإحماء والقفز على الحبل، تحت إشراف عبد القادر بزايز ملاكم المنتخب الجزائري السابق، ومساعد محمد شعوة مدرب إيمان خليف.
تحدّثت زهرة شروق، البالغة 17 عامًا، عن فخرها بزميلتها في النادي "في الحقيقة قدوتنا هي إيمان خليف ونوجّه لها كل التحية والتقدير ونقول لها أنت حقًا رياضية رفعت رؤوس كل الجزائريين" قبل أن يردّد جميع أفراد المجموعة بصوت عالٍ "حظًا سعيدًا": "نقول لها حظًا سعيدًا. إنها فعلاً الرياضية التي جعلتنا نشعر بالفخر. لقد كرّمت العلم الوطني. إنها نموذجنا".
يريد المدرّب أيضًا توجيه رسالة من هذا النادي حيث بدأت مسيرتها: "أقول لها إنه لا يجب أن تهتم بهذه الانتقادات التي تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي. هدفها واضح: إنها مصمّمة على إرباكها وجعلها تنسى لماذا أتت إلى الأولمبياد".
(وكالات)