تهز تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران الشركات في جميع أنحاء العالم، إذ تدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع وتقلص إمدادات المواد الخام الأساسية وتثير تساؤلات حول موثوقية مسارات التجارة الحيوية لتدفق البضائع بدءا من المواد الغذائية وحتى قطع غيار السيارات.
وتسبب اتساع رقعة الصراع في إصابة حركة النقل الجوي والبحري الرئيسية في الشرق الأوسط بالشلل. وتراجعت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس نفط العالم، إلى حد قريب من التوقف التام، بعد أن ردت إيران، بضربات بالطائرات المسيرة، على هجمات شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها. كما توقفت حركة الطيران في خطوط النقل الجوي المزدحمة في الخليج.
وزادت أسعار النفط والغاز المرتفعة من التكاليف على الشركات، مما يهدد هوامش أرباحها ويثير مخاوف صانعي السياسات والمستثمرين من موجة تضخم جديدة.
وقال يونغ ليو، رئيس مجلس إدارة شركة فوكسكون وهي أكبر شركة مصنعة للإلكترونيات في العالم وشريك رئيسي لشركة إنفيديا، الجمعة "إذا استمرت هذه الآثار لفترة أطول، فسيبدأ الجميع بالشعور بها".
تأثير على جميع الشركات
حتى قبل هجمات السبت الماضي، كانت الشركات تعاني من الحرب التجارية التي شنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد أن أدت الرسوم الجمركية الأميركية الباهظة على الواردات إلى ارتفاع التكاليف واضطراب سلاسل التوريد والإضرار بثقة المستهلك.
ويمثل الارتفاع الحاد في أسعار البنزين ضربة أخرى للمستهلكين الأميركيين، فقد بلغ متوسط سعر غالون البنزين العادي 3.32 دولار على مستوى البلاد الجمعة، مقارنة مع 2.98 دولار قبل أسبوع. وزادت العقود الآجلة لخام برنت إلى 90 دولارا للبرميل، لكنها لا تزال دون المستويات التي بلغتها عام 2022 عندما شنت روسيا غزوها لأوكرانيا.
وقال سيمون هانت، الرئيس التنفيذي لشركة كامباري الإيطالية لصناعة المشروبات لرويترز بعد إعلان نتائج الشركة هذا الأسبوع "في كل مرة نشهد فيها ارتفاعا في أسعار النفط أو الغاز، يكون لذلك تأثير متسلسل على كل شركة وعلى كل صناعة".
أوروبا لا تزال تعاني من آثار أزمة 2022
في أوروبا، التي لا تزال تتعافى من أزمة الطاقة التي شهدتها عام 2022، يصبح الضرر بالغا بالنسبة للصناعات التي تستهلك الطاقة بشكل مكثف مثل الصناعات الكيميائية.
وأشار المعهد الاقتصادي الألماني (آي.دبليو) الخميس إلى أن بلوغ سعر النفط مستوى 100 دولار للبرميل قد يكلف الاقتصاد الألماني 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام و0.6% العام المقبل، أي خسارة في الناتج الاقتصادي تصل إلى نحو 40 مليار يورو (46 مليار دولار) على مدى عامين.
وقال هانت إن شركة كامباري مرتبطة ببعض العقود طويلة الأجل لحماية نفسها من الزيادات الكبيرة في أسعار الطاقة. وذكرت شانون أيزنهارت، المديرة المالية لشركة ريكيت بنكيزر، للمحللين أن شركة السلع الاستهلاكية قامت بالتحوط من نحو 55% من مخاطر أسعار النفط والغاز لعام 2026.
لكن يونيدن، التي تمثل الصناعات الفرنسية كثيفة الاستهلاك للطاقة بما في ذلك الصناعات الكيميائية والسيارات والزراعة، حذرت من أن بعض الشركات بدأت بالفعل في خفض استهلاكها.
وجاء في بيان صادر عن الشركة "كان التأثير على أسعار الغاز في أوروبا فوريا، إذ ارتفع السعر الفوري بنسبة 80% مع وجود قدر كبير من عدم اليقين بشأن مستقبله. ولذلك، جرى تعليق بعض عمليات الإنتاج أو إبطاؤها".
وتعرضت أيضا أسهم شركات الطيران لضغوط شديدة. وحذرت شركة ويز إير الأوروبية منخفضة التكلفة من أن الحرب ستؤثر على صافي أرباحها للسنة المالية 2026 بنحو 50 مليون يورو (58 مليون دولار).
الألمنيوم والهيليوم والكبريت
أثر اضطراب الشحن البحري على المواد الصناعية المتخصصة مثل الكبريت، وأجبر كبريات شركات إنتاج الألمنيوم على تفعيل بند القوة القاهرة. ورفعت شركات الشحن والتأمين بعض الأسعار بشكل كبير استجابة للصراع.
وبدأ مصهر شركة قطر للألمنيوم بإغلاق عملياته هذا الأسبوع، بينما أعلنت شركة ألمنيوم البحرين (ألبا) عن توقف الشحنات وإعلان حالة القوة القاهرة بسبب تعذر نقلها للمعدن عبر مضيق هرمز. وتمثل منطقة الخليج نحو 8% من إمدادات الألومنيوم على مستوى العالم.
وارتفعت أسعار الألمنيوم في بورصة لندن للمعادن بشكل كبير بعد انتشار هذه الأنباء.
وحذر مسؤولون من كوريا الجنوبية من أن الصراع المطول ربما يعطل إمدادات مواد أساسية مستخدمة في تصنيع أشباه الموصلات يتم الحصول عليها من الشرق الأوسط، بما في ذلك الهيليوم، وهو عنصر أساسي لإنتاج الرقائق ولا يوجد بديل عملي له.
وأثارت ضربات الطائرات المسيرة التي ألحقت أضرارا بعدد من مراكز بيانات أمازون في الإمارات والبحرين تساؤلات حول سلاسل توريد التكنولوجيا ووتيرة توسع شركات التكنولوجيا الكبرى في المنطقة.
خطة لمواجهة الركود
حذر بنك مورغان ستانلي من أن صدمة الطاقة طويلة الأمد ربما تستدعي إعداد "خطة لمواجهة الركود"، بينما قال محللو غولدمان ساكس إن الارتفاع المؤقت في أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل ربما يبطئ النمو العالمي 0.4 نقطة مئوية.
وتتوقف أمور كثيرة على مدة الصراع، وهي مسألة شديدة الغموض، حتى وإن لمس كثيرون أن ترامب لا يريد حربا طويلة ومكلفة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر.
وقال إيمانويل كاو، رئيس قسم استراتيجية الأسهم الأوروبية في باركليز "لا نرغب حقا في أن يستمر هذا الوضع لفترة طويلة. فإذا استمر لبضعة أسابيع أو أشهر، فمن الطبيعي أن تبدأ توقعات نتائج الأعمال في التراجع".
وذكرت شركة توزيع السيارات البريطانية (إنشكيب) أن النزاع قد يؤخر بعض الشحنات بين اليابان وأوروبا لأسابيع، فيما تستعد وكالة السفر الإلكترونية (لاف هوليدايز) لتأجيل طرحها الأولي للاكتتاب العام في لندن بسبب اضطرابات السوق وفوضى السفر.
وقال ماركوس كريبر، الرئيس التنفيذي لشركة (آر.دبليو.إي)، أكبر منتج للطاقة في ألمانيا، إن الطاقة "باتت تتصدر عناوين الأخبار في جميع أنحاء العالم مرة أخرى".
وأضاف "أسعار الغاز والنفط متقلبة، ومسارات الشحن الرئيسية تتعرض لضغوط جيوسياسية، ويشعر صناع السياسات بالقلق إزاء مخاطر الإمداد".
ومضى قائلا "حالة عدم اليقين المتجددة تُذكّرنا بحقيقة مُقلقة.. أزمة الطاقة القادمة ليست مسألة احتمال، بل مسألة وقت. والسؤال هو ما مدى استعدادنا لها؟".
(المشهد)