تواجه سوق الاكتتابات العامة في الهند، التي كانت الأكثر نشاطا في العالم خلال 2025، ضغوطا متزايدة مع تصاعد التقلبات العالمية الناجمة عن حرب إيران، وهو ما يهدد خطط إدراج بمليارات الدولارات ويضعف شهية المستثمرين تجاه السوق الأولية، بحسب تقرير نشرته "CNBC".
وأبرزت خطوة تطبيق المدفوعات "فون بي" هذا الأسبوع بوقف خطط الطرح العام مؤقتا، حجم الضغوط التي بدأت تتكشف داخل السوق الهندية، في وقت يتراجع فيه إقبال المستثمرين بفعل تداعيات التوترات في الشرق الأوسط على النمو والأرباح والتدفقات المالية.
الحرب تضغط على مؤشرات الهند
هبطت المؤشرات القياسية في الهند بأكثر من 12% منذ يناير، وجاء الجزء الأكبر من هذا التراجع خلال الأسابيع الأخيرة، مع تسبب حرب إيران في صدمات لأسواق الطاقة والتجارة، ما زاد المخاوف من تباطؤ النمو الاقتصادي وتراجع أرباح الشركات.
كما لم يقدم تراجع الروبية أمام الدولار دعما كافيا للسوق، في وقت باع فيه المستثمرون الأجانب المؤسساتيون أسهما بأكثر من 8 مليارات دولار منذ بداية الشهر، وفقا لبيانات مؤسسة الإيداع الوطني للأوراق المالية في الهند.
أدى هذا المناخ الدفاعي إلى سحب السيولة من السوق الأولية، وتقليص فرص حصول الشركات الراغبة في الإدراج على التقييمات المرتفعة التي كانت تجعل الطرح العام خيارا جذابا.
وقال الرئيس التنفيذي للخدمات المصرفية الاستثمارية في "أناند راثي أدفايزرز" سمير باهل، إن عددا من الشركات الهندية الناشئة في قطاعي التكنولوجيا والاستهلاك، من بينها "فون بي" المدعومة من وولمارت، و"زيبتو"، و"فليبكارت"، و"أويو"، قررت تأجيل خطط الطرح بسبب فجوات التقييم.
شركات كبرى تؤجل خطط الإدراج
كانت "زيبتو" قد تقدمت في ديسمبر بطلب سري لطرح عام أولي، وكانت تخطط لجمع أكثر من 1.2 مليار دولار من رأس المال الجديد.
واتخذت شركة "أويو" المدعومة من سوفت بنك خطوة مماثلة في الشهر نفسه، بحسب ما سبق أن ذكرته رويترز.
وفي ردها على استفسار من CNBC، قالت "زيبتو" إنها لا تزال ملتزمة بما أعلنته سابقا، رهنا بالضوابط التنظيمية، فيما قال متحدث باسم الشركة إنها تستهدف إطلاق الطرح قرب يونيو.
أما "فون بي"، فأكد متحدث باسمها أن الشركة أوقفت الإدراج مؤقتا بسبب "الصراعات الجيوسياسية الحالية وتقلبات السوق".
الطروحات الكبرى لم تلغ ولكنها تنتظر
بحسب باهل، فإن الطروحات الكبرى المنتظرة، ومنها اكتتاب البورصة الوطنية الهندية NSE، وشركة الاتصالات "ريلاينس جيو"، و"إس بي آي ميوتشوال فاند"، لا تزال مرجحة من حيث المبدأ، لكنها قد تنتظر تحسن الظروف، مع ضرورة التعامل بحذر شديد مع التوقيت والتسعير.
وكان تقرير لرويترز قد أشار إلى أن "ريلاينس جيو" تخطط لطرحها العام في النصف الأول من 2026، وتعمل حاليا على اختيار البنوك المرتبة.
وأعلنت البورصة الوطنية الهندية في 12 مارس تعيين 20 بنكا استثماريا لهذه العملية.
قال رئيس الأبحاث واستراتيجي الهند في "جيفريز" ماهيش ناندوركار، إن نشاط الطروحات العامة في الهند كان يرتبط دائما بمستوى السوق، مشيرا إلى أن النشاط تباطأ منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير مع تراجع شهية المستثمرين.
وفي الوقت نفسه، خفضت مؤسسات مالية عالمية توقعاتها للسوق الهندية.
فقد خفضت "نومورا"، مستهدفها لمؤشر نيفتي 50 بنهاية العام بنسبة 15% من 29,300 نقطة إلى 24,900 نقطة، بينما خفضت "سيتي" توقعاتها إلى 27,000 نقطة من 28,500 نقطة، مع احتساب أثر ارتفاع أسعار النفط وصدمات الإمداد الناتجة عن توترات الشرق الأوسط.
المستثمرون الأفراد يبتعدون عن السوق
بعد عامين من النشاط القوي، بدأت السوق الأولية في الهند تفقد جزءا من بريقها، فالهند تصدرت الأسواق العالمية في 2025، من حيث عدد الاكتتابات العامة بإجمالي 367 طرحا، وفقا لتقرير "اتجاهات الطروحات العامة العالمية 2025" الصادر عن EY.
لكن ضعف العوائد في الفترة الأخيرة دفع المستثمرين الأفراد وأصحاب الثروات الكبيرة إلى التزام الحذر.
وتظهر بيانات البورصة أن 8 من أصل 11 اكتتابا تم إدراجها منذ بداية العام تتداول حاليا دون سعر الطرح.
وقال المدير التنفيذي للخدمات المصرفية الاستثمارية في "نوفاما" شوفيك بوركاياسثا، إن المستثمرين الأفراد وأصحاب الملاءة العالية يبتعدون حاليا عن السوق، ولن يعودوا بقوة إلا إذا شهدت العوائد تحسنا واضحا.
حتى المستثمرون الأجانب المؤسساتيون، الذين كانوا ينسحبون من السوق الثانوية العام الماضي، ضخوا نحو 820 مليون دولار فقط في الاكتتابات بين يناير ومارس هذا العام، مقارنة بنحو 1.5 مليار دولار في الفترة نفسها من 2025، وفقا لبيانات NSDL.
وأدى ذلك إلى منح المستثمرين المحليين المؤسساتيين، المدعومين بتدفقات إيجابية متواصلة إلى الأسهم الهندية على مدى 60 شهرا، اليد العليا في تحديد أسعار الاكتتابات.
وقال بوركاياسثا إن هذه المؤسسات المحلية أصبحت تفرض شروطا صارمة على التسعير، وتطالب بأن تأتي الطروحات العامة عند تقييمات "تنافسية" وأكثر تحفظا.
تكشف التطورات الأخيرة أن الحرب لم تقتصر آثارها على النفط والطاقة فقط، بل امتدت إلى أحد أكثر أسواق الطروحات نشاطا في العالم. ومع تراجع السيولة، وضعف التقييمات، وابتعاد المستثمرين الأفراد، تبدو سوق الاكتتابات في الهند أمام مرحلة أكثر حذرا، قد تؤجل كثيرا من الإدراجات الكبيرة إلى حين استقرار الأوضاع وتحسن شهية المخاطرة.
(ترجمات)