بدأت تداعيات الحرب العسكرية بين إيران والولايات المتحدة الأميركية بالظهور، تحديدًا بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وإعلان إيران إغلاقه في وجه السفن التجارية العالمية، ما وضع التجارة الدولية أمام مواجهة صعبة، خصوصًا العراق الذي تشكل إيرادات النفط 90% من موازنته العامة. بينما لا تتجاوز الإيرادات غير النفطية 10% من الموازنة العامة للدولة.
ويُعتبر مضيق هرمز ممرًا مائيًا إستراتيجيًا، يربط الخليج العربي بخليج عُمان، ورغم أنّ العراق لا يطل مباشرة على المضيق، إلا أنه يعتمد عليه بشكل واسع، لأنّ معظم صادراته النفطية تمر عبر الخليج العربي ثم عبر مضيق هرمز إلى الأسواق العالمية.
وبعد إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز في وجه السفن التجارية في 3 مارس الحالي، وجد العراق نفسه أمام اختبار صعب، قد يؤدي إلى انهيار اقتصاده النفطي، وانقطاع جزء كبير من المواد المستوردة عبر المضيق، ما قد يخلق مشكلة في توفير الغذاء والدواء والمواد الأساسية، فهل ستتمكن الحكومة العراقية من مواجهة أزمة الملاحة الدولية؟ وكيف ستتعامل بغداد من الكميات النفطية الهائلة التي تنتجها يومياً؟
بواخر العراق "تمر بسلام" عبر مضيق هرمز!
ويقول المستشار الاقتصادي السابق في الحكومة العراقية، الدكتور علاء الدين القصير، لمنصة المشهد، إنه حتى الآن لم يصدر أيّ تصريح رسمي سواء من وزارة النفط العراقية أو من شركة تسويق النفط العراقية (سومو)، حول مسألة تصدير النفط العراقي أو مرور البواخر العراقية عبر مضيق هرمز، ولا نعلم إن كان تصدير النفط متوقفًا أو مستمرًّا، لكن نتوقع أنّ البواخر مستمرة بعملها، لأنّ طهران صرّحت مؤخرًا أنّ الدول غير الداعمة لأميركا وإسرائيل في الحرب الدائرة، ستمر بواخرها بهدوء عبر مضيق هرمز.
ويرى القصير، أنّ كل ما يتم تداوله عبر القنوات الإعلامية حول إغلاق مضيق هرمز، أو زراعة ألغام بحرية لتفجير البواخر داخل المياه الإقليمية، هي معلومات غير دقيقة لم تنشرها وكالة أنباء دولية معترف بها، بالتالي كل المؤشرات تدل على أنّ النفط العراقي لم يتوقف وما زالت البواخر تمر بسلام عبر مضيق هرمز، خصوصًا أنّ العراق لم يتخذ طرفًا في هذه الحرب، بحسب قوله.
وأكد القصير، أنّ رواتب الموظفين والمتقاعدين مؤمنة بالكامل لهذا العام، لأنّ العراق لم يستلم كامل مستحقاته من النفط المصدر منذ 3 أشهر، هذا ما يسمى بـ"المبيعات العاجلة"، بالتالي لا يمكن أن نقول إنه في حال إغلاق مضيق هرمز، سيخسر العراق كل أمواله مباشرة، لأنّ هنالك أموالًا لم تستلمها الدولة بعد، تسمى أموال النفط المصدّر عبر عقود آجلة، إذًا الموازنة العامة والرواتب ستكون مؤمّنة خلال الفترة المقبلة.
كيف ستواجه الحكومة العراقية الشلل الاقتصادي؟
ويُعتبر ميناء البصرة المنفذ الرئيسي والأكبر لتصدير النفط العراقي عبر الخليج العربي، ومن ثم عبر مضيق هرمز إلى الأسواق الآسيوية، ونتيجة للحرب الدائرة بين أميركا وإيران، انخفضت أسعار النفط في الأسواق العالمية، وسجل خام البصرة الثقيل انخفاضًا قدره 8.25 دولارات مايعادل 8% للبرميل الواحد. ماوصفه مراقبون بأنه نتيجة العجز الحكومي عن تأمين منافذ أخرى لتصدير النفط.
ويقول الخبير المالي والاقتصادي الدكتور عبر الرحمن الشيخلي لمنصة المشهد: "طرحنا سابقًا الكثير من الحلول لتفعيل منافذ جديدة لتصدير النفط، وعدم الاعتماد على ميناء البصرة كمنفذ وحيد أو أساسي للتصدير، لكنّ سياسة الحكومات المتعاقبة لم تدرك خطورة وهشاشة الواقع الاقتصادي العراقي".
وأضاف: "لدينا منفذ ينبع العراقي تم بناؤه في العام 1986، استمر العمل به حتى العام 1990، دفع العراق مليارين و600 مليون دولار كلفة بناء هذا المنفذ، لكن بعد حرب الخليج الثانية (العرق والكويت) توقف العمل في هذا المنفذ حتى العام 2001، ثم قررت دول مجلس التعاون الخليجي مصادرته نتيجة غزو العراق للكويت. علمًا أنّ طاقته الإنتاجية مليون و600 ألف برميل يوميًا."
ويوضح الشيخلي: "طرحنا حلًا على العديد من الشخصيات السياسية في الحكومات العراقية المتعاقبة، وهو التفاوض مع المملكة العربية السعودية على إعادة تفعيل النفط العراقي عبر هذا المنفذ، من خلال عقود واضحة تضمن تكلفة النقل والتصدير، إلا أنّ جميع الحكومات فشلت في الوصول إلى اتفاق مع الرياض".
وعن الخسائر النفطية نتيجة الحرب، يجيب الشيخلي: "كان العراق قبل الحرب يبيع يوميًا 3.3 ملايين برميل نفط، بأرباح نحو 260 مليون دولار يوميًا، الآن يصلنا أقل من مليون دولار يوميًا، مايطرح سؤالًا مهمًا: كيف سنؤمن الموازنة العامة؟ كيف سنوزع الرواتب؟ وندعم برنامج الرعاية الاجتماعية؟ العراق يحتاج بحدود 80 تريليون دينار لتوفير كل هذه الخدمات".
وعن الحلول المتوافرة، كسحب احتياطي البنك المركزي، يجيب الشيخلي: "الحكومة العراقية ليس لديها حلول سريعة، أما استخدام احتياطات البنك المركزي فهي لا تكفي أكثر من سنة واحدة، كما لا يمكننا استخدامها أو سحبها الآن، لأنّ ذلك سيؤدي إلى انهيار الدينار العراقي أمام الدولار الأميركي، إضافة إلى أنه خلال السنوات الأخيرة بدأ العراق يستعيد ثقة المصارف العالمية، فإذا قرر سحب الاحتياطي سيخسر علاقاته المصرفية الدولية. لذلك نقول نحن في أزمة اقتصادية حقيقة نتيجة اعتماد اقتصادنا الكامل على تصدير النفط عبر منفذ رئيسي واحد وهو ميناء البصرة".
كم تبلغ خسائر العراق النفطية؟
وفي ما يخص إقليم كردستان، فهو يعتمد على ميناء جيهان التركي لتصريف انتاجه النفطي، حيث يرتبط ميناء جيهان بشكل مباشر مع إقليم كردستان عبر خط أنابيب نفط كركوك (حقول كركوك، أربيل، دهوك) وينقل النفط من حقول شمال العراق عبر البحر المتوسط إلى تركيا، ثم إلى الأسواق العالمية.
ويقول الخبير النفطي كوفنذ شيرواني لمنصة المشهد، إنه قبل اشتعال الحرب بين إيران والولايات المتحدة، كان إقليم كردستان يصدر 200 ألف برميل يوميًا، بحسب اتفاق سبتمبر الماضي، بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان، لكن بسبب التهديدات التي طالت الشركات النفطية العالمية العاملة في حقول النفط في إقليم كردستان، واستهداف بعضها من قبل الفصائل العراقية المسلحة، أغلب هذه الشركات توقف عن العمل، وأصبح إنتاج النفط في الإقليم محدودًا، إضافة إلى أنّ بعض العاملين في هذه الشركات النفطية غادروا الإقليم إلى بلدانهم.
وكشف كوفند، أنّ تصدير النفط العراقي عبر ميناء البصرة متوقف منذ 1 مارس تقريبًا نحو أسبوعين، أي تم توقيف تصدير 3.3 ملايين برميل يوميًا، ووصلت خسائر العراق لأكثر من 230 مليون دولار يوميًا، ثم بعد مضيّ أكثر من 10 أيام على توقيف التصدير، تجاوزت خسائر العراق المليارين دولار، هذا فقط بسبب توقف ميناء البصرة عن العمل.
وأضاف: "طلبت الحكومة المركزية في بغداد من إقليم كردستان، أن يتعاون في إرسال نسبة من نفط كركوك عبر ميناء جيهان، تفكر وزارة النفط العراقية أن ترسل إلى الإقليم 100 إلى 250 ألف برميل يوميًا من إنتاج حقول كركوك، ليتم تصديرها عبر ميناء جيهان التركي، لكنّ الإقليم حتى الآن لم يوافق، لأنّ هناك بعض الترتيبات الفنية الضرورية، منها أنّ أنابيب نقل النفط ليست ملكًا للإقليم بل للشركات المستثمرة، وهنالك تكاليف إضافية متعلقة بالنقل والتشغيل".
"الفساد الحكومي" شلّ العراق اقتصادياً
على المستوى السياسي، صرّح مصدر خاص فضّل عدم ذكر اسمه، لمنصة المشهد، أنّ الفساد والسياسية الطائفية والحزبية التي اتبعتها الحكومات العراقية المتعاقبة خلال الـ20 سنة الماضية، أوصلت العراق إلى هذه النتيجة، وهي شلل اقتصاده المعتمد كليًا على تصدير النفط. "الحكومات مقيدة بالإملاءات الطائفية والحزبية، لذلك تجاهلت كل الحلول التي قدمتها النخب الاقتصادية العراقية لتنويع منافذ التصدير، ماجعل البلاد بأكملها تعتمد على إيرادات النفط فقط عبر منذ واحد"، وفق تصريحات المصدر ذاته.
ويختم المتحدث بالقول: "المواطن العراقي هو المتضرر الأول، خصوصًا أنّ العراق لن يلتقى أيّ مساعدة من دول الجوار، بعد أن أصبحنا محاصرين تمامًا، نتيجة عجز الحكومة العراقية عن منع الفصائل العراقية من استهداف المصالح الأميركية في المنطقة، سواء داخل العراق أو خارجه".
(المشهد)