يبدو أنّ عام 2025 الذي يشهد تحولات اقتصادية متسارعة، سيكون بداية وضع اللمسات الأولى لتدشين نظام اقتصادي تجاريّ عالمي بعيدًا عن هيمنة الدولار، فالأزمة الأخيرة بشأن الرسوم الجمركية، وما تبعها من توترات تجارية، كشفت هشاشة غير متوقعة في الاقتصاد الأميركي، وألقت بظلالها على سوق السندات الذي لم يعد ملاذاً آمناً كما كان يُروج له لعقود، وهنا عادت التساؤلات تفرض نفسها بقوة، هل اقترب العالم من نهاية هيمنة الدولار الأميركي على حركة التجارة والاقتصاد؟.
ورغم أن السؤال واقعي للغاية ومطروح منذ سنوات، إلا أنّ التحركات الصينية الأخيرة، الهادفة لتعزيز موقعها كقوة اقتصادية صاعدة، لا عبر الإنتاج والتصدير فقط، بل من خلال أدواتها المالية، فقد نجحت بكين في تطوير نظام تحويل مالي أسرع وأكثر كفاءة من نظام "سويفت" الأميركي.
وأقنعت الصين شركاء تجاريّين كباراً باعتماد عملاتهم المحلية في التبادل التجاري، بعيداً عن قبضة الدولار، كما سعت دول "البريكس" للاعتماد بصورة أوسع على التبادل التجاري بعيدًا عن الدولار، وهذه الديناميكيات الجديدة، المدفوعة أيضاً برغبة دول كبرى في فك الارتباط التدريجي عن العملة الأميركية، قد تشكل بداية عهد اقتصادي عالمي مختلف.. فهل نشهد فعلاً بداية أفول "الهيمنة الخضراء" على العالم؟.
بالنظر إلى أسباب هيمنة الدولار، وفرض سيطرته على الاقتصاد العالمي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، سنجد اعتماداً كبيرًا من المستثمرين على الدولار، كأحد أهم أصول الثروة، فالسندات الأميركية كانت ضمن أفضل وسائل ادّخار المال حول العالم، وانجذب العالم إلى الدولار مع قوة الولايات المتحدة واستقرار اقتصادها وهيمنتها على حركة التجارة العالمية، وتحكمها في مجريات أمور السياسة في الأماكن الأكثر تأثيرًا في العالم، فأصبح الدولار أحد أهم الأصول في العالم، فضخامة الاقتصاد الأميركي وتعاظم تجارة الفائدة وتضخم سوق السندات لأكثر من 27 ترليون دولار وفق بيانات 2024، جعل العملة الخضراء الأكثر تداولاً حول العالم.
هل تنتهي هيمنة الدولار؟
وبحسب وكالة "بلومبرغ"، يستمد الدولار قوته من وضعه الحالي كعملة العالم الرئيسية، وعلى الرغم من أن عملة الاحتياط العالمية، قد تغيرت على مرّ القرون، فإن هذا لا يحدث عادة بدون أزمة، وتحول في الهيمنة الاقتصادية، ومرور سنوات عديدة، ففي تسعينيات القرن التاسع عشر، بدأ الجنيه الإسترليني البريطاني يفقد بريقه، بعد أن تفوقت الولايات المتحدة على المملكة المتحدة باعتبارها أكبر اقتصاد في العالم.
لكن الأمر استغرق نصف قرن تقريبًا، وحربين عالميتين، وأزمة مالية كاملة في المملكة المتحدة حتى يتمكن الدولار من الإطاحة بالجنيه الإسترليني، وبالتقدم سريعاً إلى يومنا هذا، نجد أن العقبات التي تعترض التغيير أصبحت أكبر، وذلك لأنّ الموارد المالية في العالم أصبحت متماسكةً بشكل أوثق من أيّ وقت مضى، وهي تدور في فلك الدولار، ومن ثم، فإن استبدال الدولار قد لا يتطلب كارثة اقتصادية أو غيرها من الكوارث الكبرى فحسب، وإنما أيضاً تغييراً شاملاً في طريقة تنفيذ المعاملات المالية، وفق "بلومبرغ".
واتساقًا مع التطورات الأخيرة، والأزمة الطاحنة التي دخلت فيها الولايات المتحدة من حرب الرسوم الجمركية، وتعرض الدولار لتراجعات مستمرة ربما هي الأعنف منذ 2022، وكذلك الانخفاض الحاد في عوائد السندات، والتطورات المستمرة في قدرات المنافس الأشرس للولايات المتحدة وهو الصين، طرحنا تساؤلاً على أهل التخصص وخبراء المال والأعمال، هل التطورات الجديدة تكون المسمار الأول في نعش الدولار الأميركي؟.
إستراتيجية صينية لتقويض هيمنة الدولار
وهنا أكّد الخبير الاقتصادي ومحلل أسواق المال، طاهر مرسي، أنّ الأزمة الأخيرة كشفت هشاشة النظام الاقتصادي الأميركي، فالانخفاضُ الحادّ في عوائد السندات آجال 10 سنوات وتراجع الدولار والتضارب بين توجهات مجلس الاحتياطي الفيدرالي وإدارة الرئيس دونالد ترامب، تؤكد أن هناك أزمة كبرى قد تواجه الدولار، وقد يجد النظام الأميركي نفسه في مواجهة جدلية صعبة، فأزمة سقف الديون لا تزال قائمة وتراجع تجارة الفائدة قد تكتب فصل النهاية في هيمنة الدولار.
وأضاف خبير أسواق المال خلال حديث مطول مع منصة "المشهد"، أنّ "الصين تمضي بخطى ثابتة في إستراتيجيتها لتقويض هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي، من خلال التوسع غير المسبوق في شراء الذهب، وإطلاق شبكة تحويل مالية خاصّة تعتمد على اليوان الرقمي، بديلاً عن نظام "سويفت" الخاضع للسيطرة الأميركية".
وأوضح، أنّ "الصين اشترت وفقاً لتقديرات "جولدمان ساكس" نحو 50 طناً من الذهب خلال شهر فبراير الماضي، في حين أعلنت رسمياً عن شراء 5 أطنان فقط، مشيراً إلى أن تضارب الأرقام بين المؤسسات الغربية والجهات الرسمية الصينية يعكس "حرب روايات" اقتصادية محتدمة، حيث لم يعد من الممكن التعامل مع البيانات بمعزل عن أبعادها السياسية".
وأكد، أنّ بكين لا تدخل هذه المواجهة عبر الشعارات أو التصريحات، بل تعتمد على أفعال واضحة، وعلى رأسها التحول في مكونات الاحتياطي النقدي لديها، إذ توقفت منذ سنوات عن زيادة حيازاتها من الدولار، والتي تراوح مكانها عند مستوى 3 تريليونات دولار، رغم نمو اقتصادها بشكل لافت، في مقابل زيادة كبيرة في احتياطي الذهب، بحسب قوله.
طباعة الدولار بدون قاعدة إنتاجية
ويضيف مرسي، "الصين تمتلك حالياً أكبر احتياطي من الدولار في العالم، أكثر حتى من الولايات المتحدة نفسها، لكن هذه الدولارات لم تأتِ من فراغ، بل نتيجة إنتاج حقيقي وغزو للمنتجات الصينية للأسواق العالمية، بعكس الولايات المتحدة التي تعتمد على طبع النقود لتمويل العجز وتغطية نمط حياة لا تدعمه قاعدة إنتاجية حقيقية".
وأشار مرسي، إلى أنّ بكين قلّصت حيازتها من سندات الخزانة الأميركية في السنوات الأخيرة، رغم استمرار العجز التجاري الأميركي لصالحها، مما يشير إلى توجه واضح للابتعاد عن أدوات الدين الأميركية.
بديل السويفت الأميركي
وفي تطور اعتبره "اختراقاً إستراتيجياً"، كشف مرسي، عن نجاح الصين في تفعيل شبكة تحويل دولية تستخدم اليوان الرقمي، وتتفوق في سرعتها بشكل كبير على شبكة سويفت الأميركية، وقال إن التحويلات عبر النظام الصيني لا تستغرق أكثر من 57 ثانية، مقارنة بمتوسط 48 ساعة عبر سويفت، مشيراً إلى أنّ النظام دخل حيّز الاستخدام في 11 دولة حتى الآن، من بينها دول عربية رئيسية.
وأضاف: "هذه الشبكة ليست فقط وسيلة تقنية أسرع، بل تعني استقلالاً مالياً حقيقياً عن الدولار، وإذا نجحت الصين في تعميمها على نطاق أوسع، فستكون بديلاً حقيقياً للنظام المالي الأميركي".
بكين والذهب
وأكّد الخبير الاقتصادي، أن الذهب يلعب دوراً مركزياً في دعم اليوان، وإن لم تعلن الصين رسمياً عن ربط العملة بالمعدن النفيس، موضحاً أنّ الشركاء الاقتصاديّين يرون في حيازة الذهب ضمانة ضمنيّة لقيمة العملة الصينية، في ظل اهتزاز الثقة بالدولار نتيجة تراكم الديون الأميركية وتراجع الإنتاج الحقيقي.
واختتم "الصين تخوض حرباً ذكية ضدّ الدولار، بأسلحة ثقيلة أبرزها الذهب والتكنولوجيا المالية، بينما تواصل أميركا الإنفاق على حساب المستقبل، وقد نكون أمام ملامح نهاية الهيمنة المطلقة للعملة الأميركية".
احتياطي النقد في العالم
في المقابل، يرى رئيس مركز العاصمة للدراسات الإستراتيجية والاقتصادية في القاهرة د.خالد الشافعي، أنه ما تزال أمام الدولار مراحل عدة من السيطرة والهيمنة، لأن سقوط الدولار يعني انهيارات في احتياطي النقد لدى أغلب دول العالم.
ويشرح "الشافعي" خلال حديثه لـ"المشهد" عددًا من نقاط قوة الدولار:
- الميزة الأكبر للدولار هي عدم وجود بديل حقيقي يمكنه الوصول لقواعد التجارة حول العالم.
- الموثوقية في الدولار كعملة داعمة لعدد كبير من عملات الدول الأخري، فالدولار يتداول مقابل 6 عملات رئيسية.
- %58 من احتياطي العملات العالمية، حيث يسيطر الدولار على الجزء الأكبر من احتياطي الدول.
- بحسب التقديرات فإن 88% من معاملات النقد الأجنبي تتم بالدولار.
- %70 من الديون المقومة بالعملة الأجنبية تم إصدارها بالدولار الأميركي.
وقال إن تحركات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي تغيّرُ قواعد اللعبة في تجارة الفائدة حول العالم، فزيادة الفائدة لدى أميركا تدفع الجميع للتحرك، مع استثناء بعض الدول، لتتماشى مع السياسة الأميركية، خصوصًا الاقتصادات الناشئة التي تتعرض لضغوط تضخمية كبيرة وزيادة كبيرة في تكاليف الاستدانة، وحدوث تراجعات في العملات المحلية، فكل هذه النقاط تمثل قوة للدولار حتى هذه اللحظة.
وتابع، تعرض الدولار للتصدعات هذا أمر وارد، مع مساعي قوى أخرى لتغيير النظام في عالم العملات، فإذا فقد الدولار هيمنته، سيعاني أيضاً من يتنافسون على احتلال مكانته، إذ لديهم احتياطيات كبيرة من الدولار ويقترضون بالعملة الخضراء، فالصين لديها أكثر من 3 تريليونات دولار.
واختتم، أنّ مساعي مجموعة "بريكس"، التي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، لاستقطاب دول منتجة للنفط وغيرها للانضمام إليها في الابتعاد عن الدولار في المبادلات، ما تزال محدودة للغاية.
وحتى إشعار آخر سيظل الدولار صاحب الهيمنة على حركة التجارة والاقتصاد في العالم، لأنّ الثقوب التي ظهرت في عباءة الدولار، لا تعني انهيار أكبر عملة مسيطرة على العالم سواء بقوة السلاح أو بقوة الاقتصاد والسياسة، وستظل مساعي الصين وغيرها من القوى العظمى مرهونة بالحفاظ على نظام اقتصادي عالمي متعدد الأطراف لا يهيمن عليه فيصل دون آخر.
(المشهد)