بعد بداية اتسمت بهدوء نسبي، أعادت البنوك المركزية تسليط الضوء على الذهب كأصل سيادي لا يزال يتمتع بثقل إستراتيجي داخل المحافظ الرسمية، فبحسب بيانات مجلس الذهب العالمي، سجل شهر أكتوبر قفزة مفاجئة في صافي المشتريات المعلنة، ما يعكس استمرار اعتماد الذهب كأداة إدارة مخاطر في ظل ضبابية مالية وجيوسياسية عالمية.
مجلس الذهب العالمي: 53 طنا في أكتوبر أعلى وتيرة شهرية هذا العام
أوضح مجلس الذهب العالمي، أن البنوك المركزية رفعت احتياطياتها المعلنة من الذهب بنحو 53 طنا خلال أكتوبر، بزيادة تقارب 36% مقارنة بشهر سبتمبر.
هذا الرقم وضع أكتوبر في مقدمة الأشهر من حيث وتيرة الشراء منذ بداية العام، ليؤكد أن ارتفاع الأسعار لم يوقف شهية المؤسسات الرسمية تجاه المعدن الأصفر.
ولم تأت قفزة أكتوبر منفصلة عن الاتجاه العام خلال النصف الثاني من العام.
فقد أشار مجلس الذهب العالمي، إلى أن صافي مشتريات البنوك المركزية في الربع الثالث بلغ نحو 220 طنا، بزيادة 28% عن الربع الثاني، وبمستوى يتجاوز متوسط السنوات الخمس الماضية.
وتشير هذه الأرقام، إلى أن موجة الشراء الأخيرة ليست مجرد تحرك تكتيكي قصير، بل جزء من توجه أوسع لإعادة تثبيت الذهب كأداة تحوط رسمية في بيئة تتسم بتقلبات الفائدة، وتزايد المخاطر، وتحولات سريعة في توازنات الاقتصاد العالمي.
مجلس الذهب العالمي: بولندا تواصل لعب دور القاطرة
ضمن خريطة المشترين الكبار، جاءت بولندا في صدارة المشهد مرة أخرى.
وبحسب مجلس الذهب العالمي، أضاف البنك الوطني البولندي 16 طنا في أكتوبر بعد توقف قصير، لترتفع حيازات البلاد إلى نحو 531 طنا، بما يمثل قرابة 26% من إجمالي احتياطياتها.
وتستند هذه التحركات إلى استراتيجية معلنة لرفع نسبة الذهب إلى 30% من الاحتياطيات الرسمية، في محاولة لتكثيف الاعتماد على الأصول الآمنة وتقليل التعرض لمخاطر النظام المالي العالمي.
وبذلك أصبحت بولندا أكبر مشترٍ للذهب بين البنوك المركزية هذا العام بعد إضافة نحو 83 طنا منذ بداية السنة، وفق مجلس الذهب العالمي.
رصد مجلس الذهب العالمي تحركات لافتة في أميركا اللاتينية، حيث واصلت البرازيل تعزيز حيازاتها للشهر الثاني على التوالي.
فقد أضاف البنك المركزي البرازيلي 16 طنا في أكتوبر، بعد شراء 15 طنا في سبتمبر، وهي أول زيادات من هذا النوع منذ 2021. وارتفعت بذلك الحيازات إلى نحو 161 طنا، تمثل قرابة 6% من الاحتياطيات.
وفي تركيا، أضيفت 3 أطنان جديدة خلال أكتوبر، لتستمر سلسلة شراء ممتدة منذ منتصف 2023. ويعكس ذلك توجها لتعزيز الأصول الحقيقية ضمن محفظة البنك المركزي في سياق يتصل بدعم الاستقرار النقدي.
على المسار الآسيوي، أعلن مجلس الذهب العالمي أن الصين رفعت احتياطياتها للشهر الـ12 على التوالي بإضافة طن واحد في أكتوبر، ليصل إجمالي مشترياتها خلال هذه الفترة إلى نحو 400 طن.
وبذلك تجاوزت الاحتياطيات الرسمية المعلنة مستوى 2,300 طن، بما يمثل نحو 7% من إجمالي الاحتياطيات.
لكن التقرير يشير إلى أن تقديرات بحثية تتوقع أن تكون الحيازات الفعلية أعلى من المعلن، مع حديث عن كميات غير مُفصح عنها قد تتجاوز 5,000 طن مخزنة في بكين، وهو ما يفتح بابا أوسع لفهم استراتيجية بكين بعيدة المدى تجاه تنويع الأصول.
توقعات طويلة الأجل.. الطلب الرسمي يواصل كتابة أرقام كبيرة
رغم فترات تباطؤ متقطعة خلال العام، يرى مجلس الذهب العالمي أن اتجاه الشراء الكلي لا يزال متماسكا.
فقد أظهر مسح احتياطيات الذهب لعام 2025، أن 95% من البنوك المركزية تتوقع ارتفاع الاحتياطيات العالمية خلال الـ12 شهرا المقبلة، بينما يخطط 43% لزيادة احتياطياته الخاصة، دون وجود توقعات بخفضها.
وعلى مستوى السنوات، سجّلت البنوك المركزية صافي زيادة رسمية بنحو 1,044 طنا في 2024، ليكون العام الـ15 على التوالي من التوسع في الاحتياطي الذهبي.
ويعد 2024 ثالث أكبر توسع مسجل، وبفارق محدود عن مستويات 2022 و2023 التي تعد الأعلى تاريخيا منذ خمسينيات القرن الماضي.
وللمقارنة التاريخية، كان متوسط الزيادة السنوية خلال 2010-2021 يقترب من 473 طنا فقط، ما يبرز حجم التحول الاستثنائي في الطلب الرسمي خلال السنوات الأخيرة.
في تفسيره لموجة الشراء، يسلط مجلس الذهب العالمي الضوء على دافع محوري يتمثل في تنويع المحافظ الرسمية وتقليل الاعتماد على الأصول المقومة بالدولار.
ويرى المجلس أن هذا المسار مرشح للاستمرار طالما ظلت البيئة الجيوسياسية والمالية عرضة للاضطراب، ومع بقاء شهية البنوك المركزية مرتفعة تجاه أدوات التحوط ذات الطابع السيادي.
(المشهد )