مع تزايد الضغط على الاقتصاد الإيراني، الذي ينزف بقوة؛ بسبب الحصار الأميركي، وفقدان عوائد تصل 5 مليارات دولار من بيع النفط، تزايد الحديث حول تقديم طهران تنازلات لإنقاذ الموقف، خصوصا مع بلوغ الطاقة النفطية التخزينية إلى أقصى درجة، وهو ما يمثل ضغوطا كبيرة على القطاع هناك.
طهران تراجع موقفها في إنتاج النفط
وكشفت وكالة بلومبرغ، نقلا عن مسؤولين إيرانيين، أن طهران بدأت بالفعل خفض إنتاج النفط كخطوة استباقية لتفادي الوصول إلى حدود قدرتها التخزينية، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية والتحديات المرتبطة بالتصدير.
وأكدت بلومبرغ، أن قرار خفض الإنتاج يأتي ضمن إدارة مدروسة للأزمة، مشيرين إلى أن إيران اكتسبت خبرة واسعة في وقف تشغيل آبار النفط بشكل مؤقت من دون التسبب في أضرار دائمة للبنية الإنتاجية.
وأوضح المسؤولون أن المسألة بالنسبة لطهران لا تتعلق فقط بإدارة المخزون، بل بمدى القدرة على تحمل الضغوط الاقتصادية لفترة أطول من واشنطن، في إشارة إلى استمرار المواجهة الاقتصادية غير المباشرة بين الطرفين.
إجراءات لإنقاذ قطاع الطاقة
وبحسب التصريحات التي نقلتها بلومبرغ، فإن إيران تملك ما يقارب شهراً قبل بلوغ طاقتها التخزينية القصوى، ما يفرض اتخاذ إجراءات سريعة للحفاظ على استقرار قطاع الطاقة.
وكشفت فورين بوليسي في تقرير لها، أن الاقتصاد الإيراني يواجه انكماشاً متوقعاً يصل إلى 10% في 2026، مع ارتفاع الأسعار وفقدان آلاف الوظائف جراء الحرب.
تضرر 16.5% من الصادرات غير النفطية
الدكتور أيمن حسن الخبير الاقتصادي، يقول لـ "المشهد"، إن إيران في مأزق صعب خصوصا أن عوائدها الرئيسية وهي من قطاع النفط شبه تعرضت لشلل إنتاجي وأضرار مادية كبيرة، بالإضافة إلى صعوبة الوصول للأسواق بفعل الحصار الاقتصادي.
وأضاف " حسن"، أن تضرر التصنيع يؤثر على سلاسل التوريد، مع ارتفاع تكاليف التشغيل في هذا القطاع الحيوي، لذلك قد يكون المفاوض الإيراني أمام خيارات تدفعه نحو تقديم بعض التنازلات لإنقاذ الوضع الاقتصادي المتأزم.
وقدرت نيويورك تايمز، أن الخسائر الإجمالية في إعادة بناء الطاقة والنقل والمصانع تقدر بعشرات المليارات، بالإضافة إلى أن ارتفاع الأسعار وإغلاق الأسواق وتوقف عدد كبير من المنشآت يفقد الإيرانيين عددا كبيرا من الوظائف.
كما شرح الخبير الاقتصادي عددا من النتائج المباشرة على الاقتصاد من هذا الوضع الصعب في ظل الحصار الحالي منها:
- ضرر كبير على موارد النقد الأجنبي في دولة تعاني عجزا كبيرا في موارد الدولار.
- العملة الإيرانية تتعرض لمزيد من الهبوط وفقدان كبيرة للقدرات الشرائية.
- فقدان الوظائف ينعكس على الاقتصاد ويؤدي إلى هبوط حاد في الطلب مما يؤثر على الدورة الاقتصادية في البلاد.
- انكماش اقتصادي وغياب النمو في البلاد لحين عودة الأمور لطبيعتها.
- الريال الإيراني في أدنى مستوى له على الإطلاق ليصل الدولار 1.9 مليون.
أكد مسؤول إيراني كبير تحدث مع رويترز، أن "أكبر المنشآت الصناعية التي تدفع الاقتصاد ستحتاج أشهراً أو سنوات للإصلاح، وأن البلاد ستواجه كارثة إذا لم تُرفع العقوبات".
انهيار عملة إيران
سجل الريال الإيراني تراجعًا حادًا إلى أدنى مستوياته التاريخية، في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحصار البحري الذي تقوده الولايات المتحدة، ما يعكس دخول الاقتصاد الإيراني مرحلة حرجة وسط اضطرابات متزايدة داخليًا وحصار بحري أميركي وتوقّف صادرات النفط.
وكشفت بيانات السوق الموازية، أنّ سعر صرف الدولار ارتفع إلى ما بين 1.8 و1.9 مليون ريال، فيما تجاوز اليورو مستوى 2.2 مليون ريال، مقارنة بنحو 1.7 مليون ريال للدولار قبل أسابيع قليلة، ليسجل الريال بذلك خسارة تقدر بنحو 12% خلال أسبوع واحد، في واحدة من أسرع عمليات التراجع المستمرة في العملة المحلية في إيران.
وفرضت الولايات المتحدة الأميركية حصارًا بحريًا في 13 أبريل الماضي، أدى إلى تعطيل حركة التجارة الخارجية لإيران، خصوصًا صادرات النفط التي تمثل المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية، وسط تقديرات بخسائر يومية تصل إلى نحو 500 مليون دولار نتيجة توقف الصادرات.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إنّ إيران خسرت أكثر من 5 مليارات دولار من العوائد المباشرة لبيع النفط، من جرّاء الحصار وتوقف خروج السفن النفطية الإيرانية.
انكماش الاقتصاد الإيراني
وتسبب الحصار في نقص حاد بالإمدادات وارتفاع كبير في تكلفة السلع المستوردة، بما في ذلك الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج، ما انعكس بشكل مباشر على الأسواق المحلية، وزاد من الضغوط المعيشية على المواطنين، وتحركت مؤشرات التضخم لمستويات هي الأعلى منذ عقود.
وفي السياق ذاته، تصاعدت حدة التوتر في مضيق هرمز، حيث فرضت إيران قيودًا على حركة الملاحة ردًا على الإجراءات الأميركية، ما أدى إلى تعطّل نحو 2,000 سفينة وتفاقم أزمة الطاقة العالمية.
ورغم سريان وقف إطلاق نار هش بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، فإنّ غياب اتفاق واضح لرفع القيود البحرية يضع الاقتصاد الإيراني أمام سيناريوهات أكثر صعوبة، مع توقعات باستمرار الضغوط على العملة خلال الفترة المقبلة.
وتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بأكثر من 6.1% بختام السنة المالية الحالية؛ بسبب الحرب والحصار البحري وتراجع عوائد النفط وانهيار البنية التحتية.
تعيش إيران واحدة من أكثر مراحلها الاقتصادية والاجتماعية تعقيداً في السنوات الأخيرة، حيث يتقاطع الحصار الاقتصادي مع تداعيات الحرب، ليفرض واقعاً قاسياً على ملايين المواطنين، مع تراجع القدرة الشرائية، واتساع دائرة البطالة بشكل غير مسبوق لأعلى مستوياتها على الإطلاق.
قفزات سعرية تضرب الغذاء الأساسي
شهدت الأسواق الإيرانية خلال الأسبوعين الماضيين موجة ارتفاعات حادة في أسعار السلع الغذائية، دفعت كثيراً من الأسر إلى تقليص استهلاكها أو الاستغناء عن بعض المنتجات.
فقد تضاعف سعر كرتونة البيض من نحو 250 ألف تومان إلى أكثر من 520 ألفاً، فيما قفز سعر كيس الأرز (10 كجم) إلى 3.2 ملايين تومان، وبلغ سعر كيلو الدجاج نحو 360 ألف تومان.
هذه الأرقام تعني أن العامل الإيراني يحتاج إلى أجر يوم كامل لشراء دجاجة واحدة، وهو ما يعكس فجوة متزايدة بين الدخل وتكاليف المعيشة، ورغم توافر السلع في بعض المتاجر، فإن ضعف القدرة الشرائية أبقى الكثير من المحال خالية من الزبائن، في مشهد يعكس ركوداً اقتصادياً واضحاً.
اقتصاد مشلول وبطالة متصاعدة
قبل تفاقم الأوضاع الأخيرة، كان نحو ثلث السكان يعيشون بالفعل تحت خط الفقر المدقع، لكن التطورات الحالية دفعت الأوضاع إلى مستويات أكثر حدة، فقد أدى تعطل الأنشطة الاقتصادية واستهداف البنية التحتية إلى شلل في قطاعات واسعة، بالتزامن مع تضييق الخناق على حركة التجارة، خصوصا عبر مضيق هرمز، ما تسبب في خسائر يومية ضخمة.
انعكست هذه الضغوط على سوق العمل بشكل مباشر، حيث سجلت منصات التوظيف أرقاماً قياسية في طلبات البحث عن وظائف، إذ تجاوز عدد المتقدمين في يوم واحد 320 ألف طلب. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن البطالة بين الشباب، خصوصا في الفئة العمرية بين 18 و35 عاماً، وصلت إلى نحو 70%، وهو ما يهدد بتداعيات اجتماعية واسعة.
قيود على الإنترنت
في ظل القيود المفروضة على الإنترنت الدولي، واعتماد البلاد بشكل متزايد على شبكة داخلية، نشأت سوق سوداء جديدة للحصول على خدمات الاتصال الخارجي، ولم يعد الوصول إلى الإنترنت العالمي أمراً عادياً، بل تحول إلى نشاط يتم بطرق غير مباشرة، باستخدام رموز ولغة مشفرة داخل المحال التجارية.
وتشير شهادات ميدانية إلى أن تكلفة الحصول على غيغابايت واحد من الإنترنت الدولي قد تصل إلى نصف الأجر اليومي للعامل، أي ما يعادل عشرات أضعاف تكلفة الإنترنت المحلي، وهذا الواقع خلق ما يشبه اقتصادا موازيا للحصول على المعلومات، حيث يتم تداول الخدمة بأساليب أقرب إلى السلع المحظورة.
الشركات تحت الضغط
الأزمة لم تقتصر على الأفراد، بل امتدت إلى كبرى الشركات الإيرانية، التي بدأت تعلن عن موجات تسريح للعمال نتيجة تراجع الإيرادات. وتضررت قطاعات رئيسية مثل التجارة الإلكترونية والصناعات الثقيلة، بما في ذلك الصلب والبتروكيماويات.
ورغم دعوات مؤسسات الأعمال إلى الحفاظ على العمالة باعتبارها مسؤولية وطنية، فإن كثيرا من الشركات وجدت نفسها مضطرة إلى تقليص النشاط أو منح العاملين إجازات مفتوحة دون أجر، في محاولة للبقاء وسط بيئة اقتصادية شديدة التقلب.
غياب الاستقرار
في العاصمة طهران، تبدو الصورة أكثر وضوحاً على مستوى الطموحات الفردية، فجلال (32 عاماً) يروي كيف تبخر حلمه في شراء سيارة مستعملة، بعدما تضاعف سعرها خلال أيام من 800 مليون تومان إلى 1.5 مليار بحسب ما نشرته صحيفة تلغراف.
هذه القفزات السريعة في الأسعار جعلت التخطيط للمستقبل أمراً شبه مستحيل، مع تزايد مشاعر القلق والإحباط بين الشباب.
وبين تراجع الدخول وارتفاع الأسعار، يعيش الإيرانيون حالة من عدم اليقين، حيث لم يعد السؤال مرتبطاً فقط بموعد تحسن الأوضاع، بل بقدرة الأسر على الاستمرار في تلبية احتياجاتها الأساسية.
في المجمل، ترسم هذه المؤشرات صورة لاقتصاد يواجه ضغوطاً مركبة، تتجاوز الأبعاد المالية لتطال البنية الاجتماعية نفسها، في وقت يترقب فيه المواطنون أي انفراجة قد تعيد شيئاً من الاستقرار إلى حياتهم اليومية.
مقترح إيراني لوقف الحرب
وضعت إيران مقترحا يضم 14 نقطة من أجل إنهاء الحرب شملت مطالب إيران انسحاب القوات الأميركية من المناطق القريبة من حدودها وضمانات بعدم الاعتداء، إلى جانب خطوات اقتصادية مثل رفع الحصار البحري، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وتخفيف العقوبات، ودفع تعويضات.
يدعو المقترح إلى إنهاء الأعمال العدائية عبر جبهات متعددة، بما في ذلك في لبنان، وإنشاء آلية حكم جديدة لمضيق هرمز، ووفق تقرير "تسنيم"، فإن إيران تنتظر ردا رسميا من المسؤولين الأميركيين على المقترح.
ووفقا لما قال مسؤول إيراني كبير فإن مقترح طهران الذي يرفضه الرئيس الأميركي دونالد ترامب حتى الآن ينص على فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، وإنهاء الحصار البحري الأميركي على إيران، مع تأجيل المحادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني إلى مرحلة لاحقة، وهنا تظل المفاوضات في طريق مسدود، فهل تتنازل إيران من أجل إنقاذ الاقتصاد؟.
(المشهد)