ماذا ينتظر اقتصاد إيران بعد انتهاء الحرب؟

شاركنا:
خسائر الحرب في إيران تعادل عقوبات 26 عاماً (رويترز)
هايلايت
  • خبير: توقف الحرب لن يحقق الاستقرار وإعادة بناء الاقتصاد تحتاج لسنوات.
  • تعثر التصدير وصعوبة التخزين يخنقان قطاع النفط الإيراني.
  • النقد الدولي: اقتصاد إيران ينكمش 6.1% والتضخم يلامس أعلى مستوياته منذ 80 عاماً.
  • خسائر الحرب الإيرانية تبلغ 270 مليار دولار وتعادل تأثير العقوبات لربع قرن.
  • سيولة النقد الأجنبي في إيران تكفي لـ"شهرين فقط" لتغطية واردات الغذاء والدواء.

قبل أيام عدة صدر تقرير مهم من صندوق النقد الدولي عن آفاق النمو في الشرق الأوسط، والذي تطرق لعدد كبير من الدول التي تأثرت من الحرب، ليكشف التقرير عن تداعيات خطيرة على الاقتصاد الإيراني، حيث يرى صندوق النقد، أن الاقتصاد سيدخل في مرحلة انكماش بنسبة 6.1% في السنة المالية التي بدأت في 21 مارس، مقابل توقعات سابقة بنمو 1.1 % خلال هذه السنة.

ويمر علينا مصطلح "انكماش اقتصادي" من دون التفكير في أبعاد الانكماش، وكيف يحدث انكماش اقتصادي في دولة ما، ولتكن الأمور مبسطة، فإن الانكماش الاقتصادي، يعني مرحلة اقتصادية تحدث فيها تراجعات في الناتج المحلي، وتتباطأ فيها معدلات الإنتاج والإنفاق الاستهلاكي.

وهنا تبرز بعض الأسئلة، هل وصل الاقتصاد الإيراني إلى مرحلة انكماش يصعب بعدها التعافي، وهل توقف الحرب يعني عودة الاستقرار "الهش" للاقتصاد الإيراني خصوصًا أن طهران عانت لعقود عقوبات اقتصادية كبيرة؟

خسائر اقتصاد إيران

ويرى محللون أن استمرار إغلاق مضيق هرمز وتصاعد الحصار الاقتصادي، دفعا بتكاليف التشغيل نحو مستويات قياسية في طهران، مما أجبر الشركات على خفض إنتاجها وزيادة أسعارها، وهو ما يهدد بزيادة معدلات البطالة وتراجع الاستثمارات، ومع استمرار هذه الضغوط التضخمية، يصبح خطر الانكماش واقعاً يهدد استقرار الأسواق.

صحيفة "تليغراف"، قالت إن "وصول العملة الإيرانية إلى أدنى مستوياتها التاريخية أمام الدولار؛ بسبب غلاء المعيشة في أنحاء الجمهورية الإسلامية، قبل أن تتفاقم الأزمة لاحقًا مع خسائر حرب تُقدّر بنحو 270 مليار دولار، وهو رقم يفوق عائدات النفط السنوية لإيران، ويعادل تأثير 26 عامًا من العقوبات النفطية".

وتقول الصحيفة إن إيران تواجه معضلة شبه مستحيلة تتمحور حول إعادة بناء اقتصاد مدمّر في وقت يمنعها فيه الحصار الأميركي من استيراد المواد الأساسية اللازمة لإعادة الإعمار.

توقف الحرب لا يعني استقرار الاقتصاد

الدكتور هاني قداح الخبير الاقتصادي، يرى في حديثه مع منصة "المشهد" أن الانكماش في اقتصاد إيران ليس مستبعدًا في ظل ظروف الحرب وما تبعها من حصار اقتصادي وحصار بحري، مشيرًا إلى أن توقف الحرب لا يعني استقرار الاقتصاد، وذلك بسبب صعوبة الوصول إلى الأسواق الدولية من أجل استيراد مكونات الصناعة لإعادة البناء الذي يتطلب سنوات.

وأضاف لـ"المشهد"، أن اقتصاد ما بعد الحرب في إيران، يرتبط باستمرار العقوبات القائمة على الاقتصاد الإيراني من عدمه، بالإضافة إلى إمكانية فك القيود على الأموال الإيرانية المجمدة بالخارج جراء هذه العقوبات.

أكد الخبير الاقتصادي، أن صعوبة تصدير النفط الإيراني يعني فقدان موارد النقد الأجنبي في دولة تعاني عجزًا كبيرًا في موارد الدولار، كما أن العملة الإيرانية تتعرض لمزيد من الهبوط وفقدان كبيرة للقدرات الشرائية، ما يضغط على المواطنين، بالإضافة إلى مشكلات في توافر السلع والخامات في الأسواق.

وأشار إلى أن الحصار البحري بالإضافة إلى العقوبات الاقتصادية سيؤديان لمشكلات هيكلية في الاقتصاد المتردي من فقدان الوظائف والاستثمارات، وتراجع الطلب، وتضرر الدورة الاقتصادية في البلاد.

احتياطي النقد في إيران

وفقاً لأحدث تقارير صندوق النقد الدولي (IMF) والبيانات التي يرصدها بنك الاحتياطي الفيدرالي (FRED)، يُقدّر إجمالي الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي الإيراني لعام 2025 بنحو 33.82 مليار دولار.

ومع استبعاد الأصول المجمدة فإن ما يتبقى لإيران نحو 23.8 مليار دولار لعام 2025، بالإضافة إلى حقوق السحب الخاصة (SDR) لدى الصندوق المقررة بنحو 5.047 مليارات دولار (حتى أبريل 2026).

ويؤكد خبراء اقتصاد تحدثوا مع "تلغراف"، أن احتياطيات النقد من العملات الأجنبية تكفي لشهرين فقط لتغطية الواردات الطارئة، إذا ما ركّزت الحكومة على الغذاء والدواء بدلًا من احتياجات الصناعة، ومع نفاد هذه الاحتياطيات، ستجد البلاد صعوبة في الاستمرار اقتصاديًا.

وتعتمد إيران على الاستيراد لتأمين نحو 40% من غذائها، بما في ذلك القمح والأرز والزيوت النباتية واللحوم، كما تعتمد شركات الأدوية على المواد الخام المستوردة لإنتاج 70% من الأدوية، كذلك تحتاج المصانع إلى قطع غيار ومواد كيميائية ومكونات مستوردة، وهو ما يمثل ضغطا كبيرا على الاحتياطي النقدي في البلاد في حال استمرار الحصار الاقتصادي.

أعلى تضخم منذ الحرب العالمية

أشار صندوق النقد الدولي، في تقريره "آفاق الاقتصاد العالمي"، إلى أن التضخم في إيران من المتوقع أن يصل إلى نحو 69% خلال هذا العام، وإذا تحقق ذلك، فسيمثل أعلى مستوى تضخم مسجل في البلاد منذ الحرب العالمية الثانية.

ووفقًا للتقرير، من المتوقع أن تُصنف إيران ضمن الدول ذات أعلى معدلات التضخم عالميًا، بعد دول مثل فنزويلا والسودان، وتُظهر السجلات التاريخية، أن التضخم في إيران تجاوز 96% خلال فترة الاحتلال في أربعينيات القرن الماضي، بالتزامن مع الحرب العالمية الثانية.

وكان المركز الإحصائي الإيراني قد أعلن عن معدل تضخم سنوي يبلغ نحو 50% للعام المنتهي في مارس 2026، وهو ما يُستخدم الآن كأساس للتقييمات الاقتصادية الجديدة، ومع ذلك، تُظهر الأرقام الشهرية أن معدل التضخم قد تجاوز بالفعل 70%.

انخفاض الناتج المحلي

وفي جزء آخر من التقرير، أشار صندوق النقد الدولي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي لإيران، بالأسعار الحالية، إلى ما يقارب 300 مليار دولار في عام 2026.

هذه البيانات والأرقام السلبية جاءت متزامنة مع الحصار البحري والاقتصادي، والذي يهدد بقفزة غير مسبوقة في أسعار الغذاء أولا، تليها أزمة نقص في الأدوية مع نفاد المخزون، ثم يتباطأ الإنتاج الصناعي بسبب نقص القطع، ما يضع الحكومة أمام خيارين أحلاهما مرّ: استنزاف ما تبقّى من احتياطياتها أو مواجهة اضطرابات داخلية.

أما قطاع النفط، فيضيف ضغطًا إضافيًا على الجدول الزمني، إذ تشير التقديرات إلى أن إيران يمكنها الصمود لنحو شهرين فقط في حال توقف صادرات النفط بالكامل، قبل أن تضطر إلى خفض الإنتاج.

اختناق قطاع النفط

الدكتور محمد محسن أبو النور، قال في تصريحات سابقة لـ"المشهد" إن "تضرر التصنيع يؤثر على سلاسل التوريد، مع ارتفاع تكاليف إعادة البناء بالإضافة إلى تحديات في الحصول على الخامات والماكينات من العالم".

وأضاف، أن التحديات الزمنية تظل عائقًا كبيراً في عملية إعادة البناء، كما تطرق إلى صعوبة تخزين الإنتاج الإيراني من النفط في وقت يصعب فيه الوصول إلى الأسواق العالمية، وهذا يخنق أهم قطاع في البلاد.

الأضرار الاقتصادية

إلى جانب ذلك، فاقمت الحرب الأضرار الاقتصادية، حيث تضررت منشآت صناعية رئيسية، بما فيها مصانع الصلب في الجنوب وأصفهان، والتي كانت تنتج نحو ثلث الإنتاج الوطني، ما انعكس سلبًا على قطاعات البناء والتصنيع.

كما تضررت منشآت البتروكيماويات التي كانت تدرّ نحو 18 مليار دولار سنويا، إضافة إلى مصافي النفط ومرافق تخزين الوقود، ما أدّى إلى تقنين الإمدادات.

وبحسب التقديرات الأولية، تم تدمير 100 ألف مبنى سكني وتجاري، فيما أعلنت الحكومة الإيرانية عن حوافز لإعادة الإعمار، لكنها تبقى رهينة توفر المواد المستوردة، وهو ما يعطّله الحصار البحري، وفق "تليغراف".

خسائر قطاع النفط

وقدّر فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية (IEA)، في تصريحات له هذا الأسبوع، أن استعادة مستويات إنتاج النفط والغاز في منطقة الشرق الأوسط لما كانت عليه قبل الحرب قد تستغرق نحو عامين تقريبًا.

تؤكد تقديرات وكالة الطاقة الدولية (IEA) الصادرة في أبريل 2026 وجود فجوة إنتاجية إيرانية، تتجاوز خسائرها اليومية 300 مليون دولار، نتيجة توقف شحنات تعادل 3.8 ملايين برميل يوميا عن الأسواق العالمية.

ويصف تقرير الوكالة هذا الوضع بأنه أكبر اضطراب في تاريخ إمدادات النفط، مدفوعاً بحصار بحري يمنع وصول الإنتاج الإيراني للأسواق وفق موقع وكالة الطاقة الدولية.

وتحتاج طهران إلى هدنة طويلة لإعادة الإعمار واستئناف تصدير النفط والوصول إلى أصولها المجمدة، وهو ما يعد مستحيلاً خلال العام المالي الجاري مما يجعل الانكماش الاقتصادي أحد مؤرقات النظام الحاكم في البلاد حتى بعد توقف الحرب.

(المشهد)