بعد مرور 6 أشهر تقريبا على نشوب صراع هز الأسواق وتسبب في أزمة كبيرة بالشرق الأوسط، بدأ الوضع ينقلب على إيران على ما يبدو، وذلك في وقت تشن فيه واشنطن هجوما اقتصاديا غير مسبوق لتحقيق ما لم تستطع القوة العسكرية إنجازه.
تقييد الوصول للأسواق
وبعد صمود في وجه العقوبات على مدى أعوام طويلة، تواجه طهران حاليا واحدة من أشد الأزمات في تاريخها، وفقا لمصادر إيرانية مطلعة ومصادر في المنطقة تحدثت مع وكالة رويترز، فالحصار البحري الأميركي والعقوبات الأكثر صرامة تحد من صادرات النفط، وتقيّد الوصول إلى العملات الأجنبية، وتكشف عن ضغوط متزايدة على الاقتصاد.
ودفعت هذه الحملة إلى الرهان على أنّ الضغط الاقتصادي المتزايد، يمكن أن يجبر طهران على السماح بالمرور الحر عبر مضيق هرمز، الذي كان يشهد قبل الحرب عبور نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية.
ويعتمد هذا الرهان على عملية حسابية بسيطة، وهي أنّ إيران تتكبد خسائر اقتصادية أكبر مما تُلحقه بغيرها.
وأدت محاولات خنق صادرات النفط إلى انخفاض إيراداتها، بينما لم تفضِ محاولات تعطيل الملاحة عبر المضيق إلى الصدمة الاقتصادية العالمية التي كانت تأمل في أن تجبر واشنطن على تقديم تنازلات، وتكيفت أسواق الطاقة مع الأوضاع المستجدة، واستمر تدفق الإمدادات عبر سبل بديلة.
وقال المحلل الإيراني أراش عزيزي، إنّ "طهران تفقد بعضا من نفوذها على مضيق هرمز، لأنها لم تتمكن من إغلاقه بالكامل، مشيرا إلى أنّ الحصار البحري الأميركي "يؤثر بشدة على إيران".
وأشار إلى أنّ طهران كانت تتوقع أن يؤدي تعطل حركة الملاحة عبر المضيق إلى صدمة كبيرة للاقتصاد العالمي بما يجبر واشنطن على العودة إلى طاولة المفاوضات.
صعوبة الوصول للنقد الأجنبي
أقرت 3 مصادر إيرانية كبيرة، بأنّ تحمّل حملة واشنطن بات أكثر صعوبة، وقيدت الإجراءات الأحدث بشدة قدرة طهران في الحصول على العملات الأجنبية واستيراد البضائع، والاستفادة من شبكات التمويل العالمية التي ساهمت في صمود الاقتصاد.
ويخشى القادة الإيرانيون من أن يؤدي تدهور الوضع الاقتصادي، وما ينطوي عليه من ارتفاع الأسعار وضعف التجارة والضغط على دخل الأسر، إلى إشعال الاضطرابات على مستوى البلاد من جديد والتي شكلت موجات سابقة منها تحديا متكررا لإيران.
وقال مسؤولون إنّ نقص الواردات الرئيسية، بما في ذلك الوقود والقمح، أصبح مصدر قلق متزايدا.
ووصف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الإستراتيجية بأنها "ضربة مزدوجة" تجمع بين الحصار و"أقسى العقوبات في التاريخ".
وقال لشبكة (سي.إن.بي.سي) "سينجح الأمر في إيران وسنُسقط هذا النظام".
تعزز هذه الضغوط الآمال في احتمال أن يؤدي الضغط الاقتصادي في نهاية المطاف إلى عواقب سياسية داخل إيران من خلال إثارة الاضطرابات، وتوسيع الانقسامات داخل صفوف القيادة وإضعاف قبضتها على السلطة.
لكن لا يزال آخرون متشككين في قدرة الضغط الاقتصادي والعسكري على إحداث شرخ سياسي، ويستندون في ذلك إلى فشل جهود لزعزعة استقرار الجمهورية الإسلامية على مدى عقود واستعداد طهران لقمع المعارضة، ويرون أنّ حكام إيران قد يثبتون مرة أخرى، أنّ لديهم مرونة وصمودا أكبر مما يتوقعه خصومهم.
الأزمة الاقتصادية الإيرانية
قال المفاوض الأميركي السابق دينيس روس، إنّ واشنطن قد تفسر الأزمة الاقتصادية الإيرانية على أنها دليل على نجاح إستراتيجيتها، لكنّ الواقع أكثر تعقيدا من ذلك، إذ لا تزال طهران عازمة على إثبات قدرتها على السيطرة على مضيق هرمز، لكن يبدو أنها توازن استخدام القوة مع مسألة الاحتفاظ بخيار أيّ تصعيد إضافي لوقت لاحق.
وقالت بورجو أوزتشيليك، وهي كبيرة باحثين متخصصة في أمن الشرق الأوسط وزميلة بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة، إنّ القدرة على الصمود قد تعتمد على التحمل الشعبي بقدر اعتمادها على قدرة طهران على استيعاب الصعوبات الاقتصادية.
وتابعت قائلة "بالطبع، يزيد الضغط الاقتصادي من خطر اندلاع اضطرابات عامة في البلاد، لكن في الوقت الراهن، يبدو أنّ عقلية زمن الحرب تسيطر بشكل كبير على السكان، التدخل العسكري الأجنبي والخسائر في صفوف المدنيين والشعور بمواجهة حضارية أوسع مع نظام تقوده الولايات المتحدة، كلها عوامل تدعم درجة من الدعم الوطني الذي يضع مصلحة ’إيران أولا، التحمل أو ببساطة الصبر على النظام".
(رويترز)
