تقرير: ارتفاع جنوني للأسعار في إيران

آخر تحديث:

شاركنا:
استمرار ارتفاع الأسعار في إيران بسبب الحصار الأميركي (رويترز)
هايلايت
  • قفزات حادة في أسعار الغذاء تضاعف تكلفة المعيشة وتلتهم الأجور اليومية.
  • بطالة الشباب تقترب من 70% مع تسجيل مئات الآلاف من طلبات التوظيف يومياً.
  • ظهور سوق سوداء للإنترنت بأسعار تصل إلى نصف دخل العامل اليومي.

تعيش إيران واحدة من أكثر مراحلها الاقتصادية والاجتماعية تعقيداً في السنوات الأخيرة، حيث يتقاطع الحصار الاقتصادي مع تداعيات الحرب، ليفرض واقعاً قاسياً على ملايين المواطنين، مع تراجع القدرة الشرائية واتساع دائرة البطالة بشكل غير مسبوق لأعلى مستوياتها على الإطلاق.

في شمال البلاد، يقول محسن (38 عاماً)، وهو عامل في أحد المصانع، أنه انفق أجره الكامل لشراء احتياجات أساسية مثل البيض، أو تخصيصه للحصول على اتصال بالإنترنت لمعرفة ما يحدث في بلاده، هذا التناقض يعكس تحوّلاً عميقاً في أولويات الحياة، حيث باتت المعلومات سلعة نادرة لا تقل أهمية عن الغذاء وفق تقرير نشرته صحيفة "تليغراف".

قفزات سعرية تضرب الغذاء الأساسي

شهدت الأسواق الإيرانية خلال الأسبوعين الماضيين موجة ارتفاعات حادة في أسعار السلع الغذائية، دفعت كثيراً من الأسر إلى تقليص استهلاكها أو الاستغناء عن بعض المنتجات.

فقد تضاعف سعر كرتونة البيض من نحو 250 ألف تومان إلى أكثر من 520 ألفاً، فيما قفز سعر كيس الأرز (10 كجم) إلى 3.2 مليون تومان، وبلغ سعر كيلو الدجاج نحو 360 ألف تومان.

هذه الأرقام تعني أن العامل الإيراني يحتاج إلى أجر يوم كامل لشراء دجاجة واحدة، وهو ما يعكس فجوة متزايدة بين الدخل وتكاليف المعيشة، ورغم توافر السلع في بعض المتاجر، فإن ضعف القدرة الشرائية أبقى الكثير من المحال خالية من الزبائن، في مشهد يعكس ركوداً اقتصادياً واضحاً.

اقتصاد مشلول وبطالة متصاعدة

قبل تفاقم الأوضاع الأخيرة، كان نحو ثلث السكان يعيشون بالفعل تحت خط الفقر المدقع، لكن التطورات الحالية دفعت الأوضاع إلى مستويات أكثر حدة، فقد أدى تعطل الأنشطة الاقتصادية واستهداف البنية التحتية إلى شلل في قطاعات واسعة، بالتزامن مع تضييق الخناق على حركة التجارة، خصوصا عبر مضيق هرمز، ما تسبب في خسائر يومية ضخمة.

انعكست هذه الضغوط على سوق العمل بشكل مباشر، حيث سجلت منصات التوظيف أرقاماً قياسية في طلبات البحث عن وظائف، إذ تجاوز عدد المتقدمين في يوم واحد 320 ألف طلب. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن البطالة بين الشباب، خصوصا في الفئة العمرية بين 18 و35 عاماً، وصلت إلى نحو 70%، وهو ما يهدد بتداعيات اجتماعية واسعة.

قيود على الإنترنت

في ظل القيود المفروضة على الإنترنت الدولي، واعتماد البلاد بشكل متزايد على شبكة داخلية، نشأت سوق سوداء جديدة للحصول على خدمات الاتصال الخارجي، ولم يعد الوصول إلى الإنترنت العالمي أمراً عادياً، بل تحول إلى نشاط يتم بطرق غير مباشرة، باستخدام رموز ولغة مشفرة داخل المحال التجارية.

وتشير شهادات ميدانية إلى أن تكلفة الحصول على غيغابايت واحد من الإنترنت الدولي قد تصل إلى نصف الأجر اليومي للعامل، أي ما يعادل عشرات أضعاف تكلفة الإنترنت المحلي، و هذا الواقع خلق ما يشبه اقتصاد موازي للحصول على المعلومات، حيث يتم تداول الخدمة بأساليب أقرب إلى السلع المحظورة.

الشركات تحت الضغط

الأزمة لم تقتصر على الأفراد، بل امتدت إلى كبرى الشركات الإيرانية، التي بدأت تعلن عن موجات تسريح للعمال نتيجة تراجع الإيرادات. وتضررت قطاعات رئيسية مثل التجارة الإلكترونية والصناعات الثقيلة، بما في ذلك الصلب والبتروكيماويات.

ورغم دعوات مؤسسات الأعمال إلى الحفاظ على العمالة باعتبارها مسؤولية وطنية، فإن كثير من الشركات وجدت نفسها مضطرة إلى تقليص النشاط أو منح العاملين إجازات مفتوحة دون أجر، في محاولة للبقاء وسط بيئة اقتصادية شديدة التقلب.

غياب الاستقرار

في العاصمة طهران، تبدو الصورة أكثر وضوحاً على مستوى الطموحات الفردية. فجلال (32 عاماً) يروي كيف تبخر حلمه في شراء سيارة مستعملة، بعدما تضاعف سعرها خلال أيام من 800 مليون تومان إلى 1.5 مليار.

هذه القفزات السريعة في الأسعار جعلت التخطيط للمستقبل أمراً شبه مستحيل، مع تزايد مشاعر القلق والإحباط بين الشباب.

وبين تراجع الدخول وارتفاع الأسعار، يعيش الإيرانيون حالة من عدم اليقين، حيث لم يعد السؤال مرتبطاً فقط بموعد تحسن الأوضاع، بل بقدرة الأسر على الاستمرار في تلبية احتياجاتها الأساسية.

في المجمل، ترسم هذه المؤشرات صورة لاقتصاد يواجه ضغوطاً مركبة، تتجاوز الأبعاد المالية لتطال البنية الاجتماعية نفسها، في وقت يترقب فيه المواطنون أي انفراجة قد تعيد شيئاً من الاستقرار إلى حياتهم اليومية.

(ترجمات)