عندما تتحدث إلى أحد أصحاب المصانع خصوصًا المنشآت الضخمة، حول المدد الزمنية لتدشين مصنع جديد أو إضافة خطوط إنتاج أو صيانة الخطوط، فإنه يتحدث في نقطتين، الأولى التكلفة المرتفعة للغاية والثانية هي المدة الزمنية التي قد تصل إلى سنوات.
ومع التوقف المؤقت لحرب إيران، وبدء حصر الخسائر أو حتى رصدها، فإن قطاعات اقتصادية رئيسية شهدت تدميرًا كبيرًا منها مصانع الفولاذ، ومجمعات البتروكيماويات، ومنشآت الطاقة، والمطارات، والجسور، والسكك الحديدية، وهو ما كشفت عنه مصادر متعددة منها دويتشه فيله، بي بي سي، وول ستريت جورنال، رويترز، وأرغوس ميديا.
وهنا تتبادر عدة أسئلة حول حجم الخسائر الاقتصادية، وكذلك المدة الزمنية التي تحتاجها إيران من أجل إعادة بناء كل هذه المنشآت والمصانع والجسور وغيرها، ومع هذا وذاك فإن إيران تعاني من عقوبات دولية مستمرة، الأمر الذي يفاقم الأزمة حتى وإن توقفت الحرب فهناك تحديات "مالية وزمنية" بالإضافة إلى أزمة العقوبات.
وكشفت فورين بوليسي في تقرير لها، أن الاقتصاد الإيراني يواجه انكماشاً متوقعاً يصل إلى 10% في 2026، مع ارتفاع الأسعار وفقدان آلاف الوظائف جراء الحرب.
خسائر قطاع الفولاذ والصلب
واستهدفت الضربات الأميركية والإسرائيلية أكبر مصنعين للصلب، مصنع مباركة (Mobarakeh) في أصفهان وهو أكبر منتج، ومصنع خوزستان (Khuzestan) في الأهواز، وأدى ذلك إلى إغلاق كامل أو جزئي، مع أضرار في محطات الطاقة، و مستودعات التخزين، وخطوط الإنتاج.
وأغلق المصنعان -مباركة وخوزستان- جميع العمليات الإنتاجية، وهو ما يعني وجود نزيف ضخم للعملة الصعبة حيث كان مصنع مباركة يصدر نحو 860 مليون دولار بين مارس 2025 ويناير 2026.
وتقدر الخسائر المباشرة لهذا القطاع الحيوي بنحو 5-6 مليارات دولار، حسب الاقتصادي حسن منصور الذي تحدث لدويتشه فيله، مع تأثير أوسع على الاقتصاد الوطني يمتد إلى البناء والتصنيع، بالإضافة إلى أن قرابة 10 آلاف وظيفة باتت مهددة حاليا.
تضرر 16.5% من الصادرات غير النفطية
الدكتور محمد محسن أبو النور الباحث والخبير في الشأن الإيراني، يقول لمنصة "المشهد"، إن "قطاع الفولاذ في إيران، ركيزة اقتصادية هامة ويمثل 4.5% من الاقتصاد و16.5% من الصادرات غير النفطية"، مشيرًا إلى تعرض هذا القطاع لخسائر جسيمة إثر هجمات استهدفت منشآت رئيسية وسط تقديرات بتدمير نحو 70% من قدرات التصنيع، مما أدّى إلى شلل إنتاجي وأضرار مادية كبيرة.
وأضاف "أبو النور"، أن تضرر التصنيع يؤثر على سلاسل التوريد، مع ارتفاع تكاليف إعادة التشغيل والبناء والتحديات في الحصول على الخامات والماكينات من العالم، كما أن التحديات الزمنية تظل عائقًا كبيرًا في عملية إعادة البناء.
قطاع البتروكيماويات ينزف
تعرضت مجمعات ماهشهر في خوزستان وأسلويه جنوب بارس، لضربات محطات الكهرباء والماء والأكسجين التي تغذي عشرات المنشآت الإنتاجية، ويمثل "ماهشهر" نحو 28% من الإنتاج، وأسلويه أكثر من 48%، ويشكلان معا نحو 85% من الصادرات البتروكيماوية.
وبحسب تقديرات وسائل إعلام محلية، فإن القيمة التصديرية السنوية لقطاع البتروكيماويات تمثل 13-24 مليار دولار وهو ما يمثل نحو من 20% من الصادرات غير النفطية.
وتسببت الضربات العسكرية، في وقف الإنتاج في ماهشهر بالكامل، كما أحدثت أضرارًا في "أسلويه" أدت إلى انقطاع الكهرباء وإغلاق المنشآت، ووصف وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتز، الضربة على "أسلويه" بأنها "ضربة اقتصادية شديدة" بقيمة عشرات المليارات.
إيران إنترناشيونال، قالت إن قطاع البتروكيماويات يعدّ ثاني أكبر مصدر للعملة الأجنبية بعد النفط.
هدم البنية التحتية والجسور والمطارات
كما تعرضت محطات كهرباء في جنوب بارس لأضرار بالغة، مما أدى إلى انقطاعات أغلقت مصانع إضافية، كما تم توجيه ضربات على 8-10 من الجسور والسكك الحديدية والطرق، وأضرار في 360 محطة سكة حديد، مما يعطل نقل البضائع وهذا يضغط بقوة على سلاسل التوريد داخل البلاد، وتعرض مطار مشهد وهو ثالث أكبر المطارات في البلاد إلى أضرار كبيرة.
وقدرت نيويورك تايمز، أن الخسائر الإجمالية في إعادة بناء الطاقة والنقل والمصانع تقدر بعشرات المليارات، بالإضافة إلى أن ارتفاع الأسعار وإغلاق الأسواق وتوقف عدد كبير من المنشآت يفقد الإيرانيين عددًا كبيرًا من الوظائف.
وبشأن الوضع الاقتصادي الناتج عن هذه التطورات، قال الدكتور أيمن حسن، إنه "لا يوجد رقم إجمالي رسمي دقيق، لكن التقديرات التراكمية تتجاوز عشرات المليارات مع تأثير طويل الأمد خصوصًا لقطاعات النفط والكهرباء والبتروكيماويات"، كما أن إعادة الإعمار قد تتطلب بين 10 إلى 15 عامًا نظرًا للعقوبات القائمة على الاقتصاد الإيراني، كما شرح الخبير الاقتصادي عددًا من النتائج المباشرة على الاقتصاد في هذه الحرب.
- ضرر كبير على موارد النقد الأجنبي في دولة تعاني من عجز كبير في موارد الدولار.
- العملة الإيرانية تتعرض لمزيد من الهبوط وفقدان كبير للقدرات الشرائية.
- فقدان الوظائف ينعكس على الاقتصاد ويؤدي إلى هبوط حاد في الطلب مما يؤثر على الدورة الاقتصادية في البلاد.
- انكماش اقتصادي وغياب النمو في البلاد لحين عودة الأمور لطبيعتها.
- غياب التمويل الدولي سيجعل إعادة البناء والتعمير صعبة للغاية.
وأكد مسؤول إيراني كبير تحدث مع رويترز، أن "أكبر المنشآت الصناعية التي تدفع الاقتصاد ستحتاج أشهراً أو سنوات للإصلاح، وأن البلاد ستواجه كارثة إذا لم تُرفع العقوبات".
(المشهد)