"الطناجر الفارغة" تُطيح بإردوغان.. ماذا ينتظر الاقتصاد التركي؟

شاركنا:
الاقتصاد والمتقاعدون أهم عوامل خسارة إردوغان الانتخابية (رويترز)
هايلايت
  • ظهور شخصيات "كاريزماتية" معارضة قادرة على شحن الجماهير سياسياً وشعبياً واستمرار الأزمة الاقتصادية تهديد لمستقبل إردوغان السياسي.
  • مختص اقتصادي: ديناميكيات التضخم ستواصل في تحدّي الحكومة، والرقم الحقيقي للتضخم سيكون أعلى من توقعات المركزي.
  • خبيرة اقتصادية: من المتوقع أن يتباطأ انخفاض قيمة الليرة التركية بعد الانتخابات بسبب الموسم السياحي وضوابط البنك المركزي. 

أعادت الهزيمة التاريخية في الانتخابات المحلية التركية التي مني بها الحزب الحاكم لأول مرة منذ وصوله إلى السلطة عام 2002 التذكير بالكلمة الشهيرة للرئيس التركي الراحل سليمان دميرال: "الطناجر الفارغة تسقط الحكومات"، وذلك خلال الأزمة الاقتصادية التي أطلّت برأسها في البلاد نهاية ثمانينات القرن الماضي.

الاقتصاد والمتقاعدون أهم عوامل خسارة إردوغان الانتخابية

تتفق معظم التحليلات في تركيا وخارجها كون الأزمة الاقتصادية السبب الرئيسي وراء نزيف الأصوات الذي أصاب حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب إردوغان في الانتخابات التي جرت في 31 مارس الماضي، إلى جانب أسباب سياسية واجتماعية أخرى أقل تأثيراً. 

وترى الكاتبة التركية المختصّة في الاقتصاد غولديم أتاباي في تصريحات إلى منصة "المشهد" أن "الأتراك في الانتخابات الماضية على الرغم من الصعوبات الاقتصادية التي واجهوها أرادوا احتفاظ الرئيس إردوغان بمقعده، خصوصا أن الصعوبات الاقتصادية كان يتم تجاوزها في كثير من الأحيان من خلال زيادة الرواتب، والإنفاق الشعبوي. وبفضل أسعار الفائدة المنخفضة للغاية، استمر المواطنون في الاستهلاك عن طريق الاقتراض.

وتضيف: "تم تلافي الضغوط التي تعرّضت لها الليرة التركية من خلال حرق الاحتياطيات. وهكذا، فإن ثقة المستهلك بقيت ثابتة. وبفضل زيادة الحد الأدنى للأجور التي ظلت أعلى من معدل التضخم في الأناضول، بدت أزمة تكلفة المعيشة محدودة أكثر. وكان لذلك أيضاً تأثير على اختيار انتخابات مايو 2023".

وتستطرد أتاباي موضحة أن "الصورة الاقتصادية في الانتخابات المحلية كانت مختلفة. قام شيمشك وفريقه، الذي وصل في يونيو 2023، بتحرير الليرة التركية لأول مرة من أجل التغلب على أزمة حادة في ميزان المدفوعات، ثم بدأوا في رفع أسعار الفائدة وقاموا بزيادة كبيرة في معدّل ضريبة القيمة المضافة في يوليو".

وتابعت: "شعر الناخبون الذين يعيشون في الأناضول بزيادات كبيرة في ضريبة القيمة المضافة. بسبب ارتفاع أسعار الفائدة، أصبحت القروض الشخصية بعيدة المنال. وحُكم على 9 ملايين من أصل 16 مليون متقاعد بالعيش براتب 10.000 ليرة تركية شهرياً (300 دولار تقريباً)، أي ما يقرب من نصف أجر عتبة الجوع. وبينما لم تسجل أي وفورات في القطاع العام، فإن فاتورة العودة عن الأضرار التي خلفتها السياسات الاقتصادية للفترة 2021-2023، دفعها أصحاب الدخل الثابت والمتقاعدون. وكان من الطبيعي أن ينعكس الغضب الناجم عن هذا الظلم والصعوبات المالية على صناديق الاقتراع".

مع انتهاء الانتخابات وظهور شخصيات "كاريزماتية" معارضة قادرة على شحن الجماهير سياسياً وشعبياً كحال رئيس بلدية إسطنبول الرابح أكرم إمام أوغلو أو زميله في أنقرة منصور يافاش، بات التركيز في البلاد منصبّاً على سؤال "ماذا ينتظرنا في الاقتصاد؟" مع تكهّنات من أن يؤدي استمرار الأزمة الاقتصادية إلى انتخابات نيابية وحتى رئاسية مبكّرة.

الليرة التركية ومعضلة الديون الخارجية

وضعت الإدارة الاقتصادية الجديدة، التي تولت مهامها بداية يونيو 2023، بقيادة الوزير محمد شيمشك مكافحة التضخم وعجز الحساب الجاري على رأس أولوياتها، ولهذا الغرض طبقت السياسة "النقدية المتشددة" لكبح التدهور الاقتصادي، والتي ترتكز على استراتيجية خفض التضخم من خلال إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة والسيطرة على المعروض النقدي.

وفي هذا السياق، تم رفع سعر الفائدة من 8.5% إلى 50% خلال 8 أشهر، بعد سنوات من إصرار الرئيس التركي على "محاربة الفائدة لأنه يخالف النص الديني". كما بدأت الحكومة التركية باتخاذ إجراءات تحد من الطلب المحلي واستخدام بطاقات الائتمان.

ويتوقّع الدكتور في الاقتصاد، نوري أمانتايلي، في حديثه إلى منصة "المشهد":

  • ازدياد التشدد النقدي في نطاق السياسات المذكورة بشكل كبير في الفترة القادمة,
  • الإصرار على سياسات خفض أسعار الفائدة في السنوات الماضية أجبر المركزي على بيع الاحتياط الأجنبي لكبح ارتفاع أسعار الصرف نتيجة تحوّل المدخرات إلى العملات الأجنبية. والنتيجة كانت انهياراً سريعاً في احتياطياته.

وكما كان الحال بعد الانتخابات العامة التي جرت في مايو الماضي، ومع تزايد الاعتقاد العام بأن يؤدي فوز السلطة إلى قفزة في أسعار الصرف، اندفع الأتراك إلى تحويل مدّخراتهم الصغيرة إلى العملات الأجنبية في طوابير أمام مكاتب الصرافة، ما أجبر المركزي التركي على زيادة مبيعاته من النقد الأجنبي لتدارك الطلب المتزايد وضبط سعر الصرف مع اقتراب الانتخابات، في خطوة أدت إلى تآكل الاحتياطيات المركزية إلى حد كبير.

ليلة الانتخابات، ألقى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خطابه التقليدي من "الشرفة" لكن هذه المرة لم يكن محاطاً بوزرائه ومسؤوليه، بل خرج برفقة زوجته فقط، معترفاً بالهزيمة، ومشدداً في الوقت نفسه على عدم وجود عملية انتخابية خلال السنوات الأربع القادمة، وتفرّغه لمعالجة المشاكل الاقتصادية، في اعتراف ضمني بالنتائج السلبية للسياسات الاقتصادية الانتخابية، وهو مصطلح درج في تركيا خلال العامين الأخيرين كإشارة إلى هدر المال العام والإمكانات الحكومية لصالح معركة كسب الجولات الانتخابية.

وبالمثل، كتب وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشيك تغريدة أكد فيها عزم حكومته في المضي قدماً بالخطة الاقتصادية القصيرة ومتوسطة الأمد دون تغيير، في رسالة إلى الخارج لحث الشركات المالية والمحفظات الاستثمارية العالمية على الاستثمار.

وبرأي أتاباي "لا مفر من أن تستمر السياسة النقدية في تشديدها، وبالتالي فإن انخفاض قيمة الليرة التركية سيستمر، ولكن من حيث نسبة التغير، سيبقى أقل من معدل التضخم البالغ 50% الذي أتوقعه في نهاية العام".

مضيفة "أتوقع أن يتباطأ انخفاض قيمة الليرة التركية بعد الانتخابات بسبب الموسم السياحي وضوابط البنك المركزي التركي".

صحيح أن تحرير سعر الصرف سيمنح المركزي التركي إمكانية تعزيز الاحتياطيات بدلاً من صهرها للحفاظ على الليرة التركية ثابتاً أمام العملات الأجنبية، إلا أن الطلب على النقد الأجنبي سيصل إلى مستويات عالية بسبب سداد الديون الخارجية البالغة 226 مليار دولار، والتي يتعين على القطاعين العام والخاص سدادها خلال عام، كما أن فروق أسعار الصرف ستجعل من عبء سداده أثقل.

التضخّم سيواصل الارتفاع

على الرغم من الإجراءات التي اتّبعتها الحكومة التركية لكبح الطلب المحلي، وإبطاء النشاط الاقتصادي، فإن التضخم استمر في الصعود وظلّت آثار مكافحته غير محسوسة.

ويعتقد الخبير الاقتصادي امانتايلي أن "ديناميكيات التضخم ستواصل الوجود كتحد كبير أمام الحكومة، والرقم الحقيقي سيكون أعلى من توقعات البنك المركزي للتضخم البالغة 36% لنهاية هذا العام و14% لنهاية عام 2025".

ويتوقع بنك "اتش اس بي سي" HSBC أن يبلغ التضخم 49% لعام 2024 و29% لعام 2025، بينما كشف مسح لوكالة رويترز أن معدل التضخم سيبلغ 42.7% في 2024، وهو أعلى بكثير من توقعات البنك المركزي.

من ناحية أخرى، يحذّر الخبراء الاقتصاديون من خطر خروج البرنامج الاقتصادي الحالي عن مساره في حال حدوث صدمة جديدة لسعر الصرف بعد الانتخابات، في كارثة حاولت الحكومة تفاديها من خلال زيادة سريعة لسعر الفائدة قبل أسبوعين من فتح النصاديق الانتخابية.

الارتفاع المفاجئ في سعر الصرف سيؤدي حتماً إلى موجة جديدة من ارتفاع التضخم، ما يعني عدم تحقيق أهداف خفض التضخّم، التي تمثل الأولوية الأساسية للبرنامج الاقتصادي للحكومة، خاصة وأن رفع سعر الفائدة كأداة لضبط التضخم سيتسبب في تباطؤ الاقتصاد ودخول البلاد في "ركود تضخمي" بتضخم مرتفع وانكماش حاد في الاقتصاد.

ماذا عن الاستثمارات الأجنبية؟

ويرى الأتراك أن الحل الوحيد لمنع حالة الركود التضخمي في الاقتصاد التركي هو انتعاش تدفقات رأس المال الأجنبي. وتتوقع الإدارة الاقتصادية أن تتسارع تدفقات رؤوس الأموال إلى الدول النامية، بما في ذلك تركيا، بعد أن تبدأ البنوك المركزية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في خفض أسعار الفائدة في النصف الثاني من عام 2024. وعليه، فإن تنفيذ البرنامج ومصير البلاد يعتمد إلى حد كبير على التطورات الخارجة أكثر من الخطوات الداخلية.

لكن التوقعات بوصول تدفقات أجنبية إلى البلاد بعد الانتخابات لا تبدو واقعية في الظروف الحالية، فالمستثمرون الأجانب بعد هذه الخسارة سيفرضون المزيد من الشروط على الحكومة التركية سواء لجهة الاقراض أو الاستثمار، ومن بين هذه الشروط مطالب بتحرير سعر الصرف ورفع الفائدة وضبط الإنفاق العام وزيادة الضرائب، وجميعها سيرتد بشكل سلبي على المواطن التركي الذي سيدفع الثمن".

وفي هذا السياق من المتوقع أن تتخذ الحكومة التركية خطوات أكثر صرامة لخفض التضخم في الفترة المقبلة، الأمر الذي سيكون له تداعيات سلبية على المواطنين. بالإضافة إلى السياسات النقدية والمالية التي من المتوقع أن تكون أكثر صرامة بعد الانتخابات المحلية، فإن إجراءات مكافحة التضخم ستنعكس على الجمهور بوصفها "دواء مراً" بسبب الزيادات الضريبية المحتملة.

وهذا يعني أن المواطنين الذين انخفضت قدرتهم الشرائية تدريجياً بسبب ارتفاع الأسعار على مر السنين، سيعانون أكثر وسط تلاشي الحد الأدنى للأجور، الذي سيبقى على حاله طوال العام (باستثناء رواتب المتقاعدين الذي من المحتمل أن يزيد في يوليو كونه بات أدنى من خط الفقر)، بسرعة كبيرة في مواجهة التضخم المرتفع.

كما يتوقّع الاقتصاديون الأتراك زيادات جديدة في الضرائب غير المباشرة مثل ضريبة القيمة المضافة وأسعار بعض المواد كالطاقة والكحوليات والتبغ وغيرها، ما يعني المزيد من الضغط على الشرائح ذات الدخل المنخفض.

وتؤكد أتاباي أنه "يتعين على البنك المركزي زيادة أسعار الفائدة بمقدار 250-500 نقطة أساس أخرى. كلاهما بسبب مسار التضخم والشكوك السياسية التي خلقتها هزيمة أردوغان الكبرى في الانتخابات. سيجذب هذا مبلغاً هائلاً من الأموال الساخنة بحلول نهاية الصيف. وفي هذه المرحلة، لا أتوقع تدفقات استثمارية مباشرة تتجاوز الأموال الساخنة. 

(المشهد)