إفلاس بنك ثالث.. هل تُصدّر أميركا أزمة مصارفها إلى العالم؟

شاركنا:
انهيار "فيرست ريبابليك" طرح تساؤلات حول قوة النظام المصرفي الأميركي (رويترز)
هايلايت
  • أسعار الفائدة والخلاف حول رفع سقف الدين الأميركي من أسباب انهيار البنوك.
  • مخاوف من انهيارات بنوك أخرى مثل "سيتي بنك" و"بنك أوف أميركا".
  • خبير اقتصادي: أزمة المصارف الأميركية محدودة ولن تؤثر على العالم. 

يُحذر خبراء اقتصاديون من دخول الاقتصاد الأميركي مرحلة جديدة قاتمة، ليس فقط بسبب انهيار بنك "فيرست ريبابليك" وهو ثالث بنك متوسط الحجم ينهار خلال أشهر قليلة، بل أيضًا بسبب تداعيات أسعار الفائدة المرتفعة، وكذلك الخلاف السياسي حول رفع سقف الدين الأميركي.

لكنّ الخبراء، في حديثهم لمنصة "المشهد"، يرون أنّ أزمة البنوك التي تعيشها الولايات المتحدة أخيرًا، "لن تؤثّر بشكل مباشر على العالم وستبقى محدودة نوعا ما، ما لم تصل إلى كبرى البنوك الأميركية المتصلة بباقي بنوك العالم".

وكان بنك "فيرست ريبابليك"، ثاني أكبر فشل مصرفي في البلاد، قد انهار في خضم الضغوط التي تسبب فيها مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) من خلال رفع لأسعار الفائدة لمكافحة التضخم، إلّا أنّ انهياره لم يؤثر كثيرا على الاقتصاد الأميركي بشكل عام، حيث تم الاستحواذ عليها في فترة محدودة من قبل "جي بي مورغان".

أسباب انحصار الأزمة

وفي هذا الصدد يقول الخبير الاقتصادي دانيال ملحم في تصريح لمنصة "المشهد"، إنّ "مشكلة البنوك الأميركية اليوم محصورة أميركيا وليس لها تشعبات عالمية".

ويرجع ملحم ذلك لسببين:

  • أولًا: بسبب المنتج المتسبب بهذه المشكلة، حيث إنه ليس متشعّبا كما حدث في 2008 على سبيل المثال، إذ كانت المشكلة في المنتجات والمشتقات المالية المملوكة في أميركا وخارجها، مثل ألمانيا واليابان والصين وغيرها، وبالتالي عندما ضُرب هذا المنتج تضررت عمليا دول العالم كافة، لكن اليوم المشكلة في البنوك المتوسطة تقنية، وهي إدارة المخاطر في هذه البنوك، ونتيجة ارتفاع أسعار الفائدة أدت إلى ضرر عمليا أو خسائر غير معلنة، وعندما احتاجت هذه البنوك للسيولة، تفاقمت هذه الأزمة أكثر فأكثر، وهناك أكثر من بنك متوسط الحجم متكشف على هذه الأزمة.
  • ثانيًا: أنّ البنوك المتوسطة أغلبها متصلة داخليا وليس خارجيا كما كانت في السابق، لذلك تداعيات هذه الأزمة على العالم ستبقى محدودة نوعا ما، ما لم تصل الأزمة إلى كبرى البنوك الأميركية المتصلة بباقي بنوك العالم.

ويلفت الخبير الاقتصادي إلى أنّ "ميزانيات البنوك المتضررة اليوم منكشفة عمليا بشكل كبير على سندات الخزينة، وهو ما يعرّضها للطلب على السيولة، كما أنّ أحد أسباب تضرر هذه البنوك، هو أنها تُقدّم قروضًا بنسبة 60% من حجم القروض العقارية التجارية، إذ نشهد في الفترة الأخيرة أنّ التقييم يصل لحدود 27% من الإشغالات العقارية التجارية في سان فرانسيسكو مثلا أصبحت فارغة، وهو ما يعني أنّ المطورين العقاريين لن يتمكنوا من دفع القروض المأخوذة من هذه البنوك، وإذا لم يدفعوا سيتسبّب ذلك بضعف مردود هذه البنوك، وبالتالي فإنّ هذه البنوك لن تتمكن من شراء هذه القروض من المصارف المركزية، وحتى لو استرجعت هذه البنوك هذه القروض التجارية، فإنّ ثمن هذه العقارات سينخفض وتتسبب بخسائر لهذه البنوك".

أزمة بيع السندات

ويشير ملحم إلى أنه لتعويض هذه الخسائر، "يمكن أن تلجأ البنوك المتوسطة إلى العمل على رفع رأس المال، لكنها يمكن أن تفشل في ذلك كما حدث مع بنكَيْ سيغنيتشر وسيليكون فالي، ما يؤدي إلى ذعر أكثر في السوق البنكي أو المالي"، لافتا إلى أنه يعتقد أنه في "حال فشلت يمكن أن تلجأ إلى خيار بيع السندات ما يسبب مشكلة".

ويوضح الخبير الاقتصادي، أنه "يمكن أن يتدخل البنك الفيدرالي لضخّ السيولة، إلا أنه عندما تصبح حجم المشكلة أكبر وتصل إلى بنوك عدة، لن يستطيع الفيدرالي ضخّ السيولة بهذا الشكل، لذلك ستكبر الأزمة ومن الممكن أن تمتد إلى البنوك الكبرى، لأنّ أغلب البنوك المتوسطة منكشفة على تلك الكبرى، وبالتالي يمكن أن نكون أمام أزمة مصرفية عالمية والخطر موجود وحقيقي في أميركا".

أما مديرة مكتب صحيفة الشرق الأوسط في واشنطن هبة قدسي، فترى في حديثها لـ"المشهد"، أنه على الرغم من تدخّل السلطات الأميركية في شأن بنك "فيرست ريبابلك" لمنع ما حدث من تداعيات مع بنكَيْ "سيليكون فالي" و"سيغنيتشر"، لأنّ هذا البنك أكبر في أصوله وعدد المودعين لديه، لذا لم تستغرق المفاوضات طويلا مع "جي بي مورغان" للاستحواذ عليه، إلا أنّ القلق من انهيارات بنوك أخرى تشمل بنوكًا كبرى مثل "سيتي بنك" و"بنك أوف أميركا" لا يزال قائمًا، مشيرة إلى أنّ "القلق هناك يتعلق بذعر المودعين وعمليات سحب الودائع خصوصا من البنوك متوسطة الحجم".

مشكلة أسعار الفائدة

وتضيف قدسي، أنّ المشكلة الأخرى القائمة "تكمن في أسعار الفائدة المرتفعة، وكذلك الخلاف السياسي حول رفع سقف الدين الأميركي، ولذا ستستمر حالة القلق من أوضاع الاقتصاد الأميركي لمدة طويلة".

من جهته، يقول الخبير الاقتصادي محمد جدري لـ"المشهد"، إنّ "أزمة السيولة الناتجة عن موجة التضخم العالمي ما زالت مستمرة، حيث إنه من المتوقع أن تتواصل على الأقل إلى نهاية هذه السنة، لأنّ مستويات التضخم لم تعد لمستويات ما قبل الجائحة، وبالتالي، فإنّ العديد من المؤسسات المالية ستكون مضطرة للقيام بعمليات اندماج من أجل تفادي خطر الإفلاس".

ويضيف جدري، أنّ "الخطوات النقدية التشددية التي قام بها الفيدرالي الأميركي، من شأنها أن تعطي أكُلها هذه السنة، من أجل خفض الطلب الداخلي، على أمل أن يعود العرض لمستويات مواتية تستجيب لمتطلبات المرحلة المقبلة، خصوصا وأنّ أسعار مجموعة من السلع والخدمات أصبحت مستقرة على الرغم من أنها ما زالت في مستويات مرتفعة".

وقد واجه "فيرست ريبابليك" خسائر ضخمة غير محققة على سندات الخزانة طويلة الأجل، والتي شهدت انخفاضًا في قيمتها، بعد أن رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة، ما أضرّ بقدرته على جمع الأموال لتغطية تدفقات الودائع الخارجة.

وكانت وزيرة الخزانة الأميركية جانيت إل يلين قد حذرت الاثنين، من أنّ الولايات المتحدة قد تنفد من الأموال لسداد فواتيرها بحلول يونيو المقبل إذا لم يرفع الكونغرس أو يعلق حدّ الديون، ما يضغط على الرئيس جو بايدن والمشرعين، للتوصل إلى اتفاق سريع لتجنّب التخلف عن سداد ديون البلاد.

قوة النظام المصرفي الأميركي

وطرح انهيار بنك "فيرست ريبابليك" تساؤلات حول قوة النظام المصرفي الأميركي والاقتصاد الأوسع الذي يعتمد عليه.

وتقول صحيفة "هيل" الأميركية، إنّ إغلاق البنك يُمثل 3 من أكبر 4 إخفاقات مصرفية في تاريخ الولايات المتحدة حدثت خلال الشهرين الماضيين، لكن من غير الواضح ما إذا كان البنك هو الأخير الذي يقع في الأزمة المصرفية. قد يتوقف ذلك على ما إذا كان المودعون سيسحبون أموالهم من مؤسسات أخرى.

ونقلت الصحيفة عن الرئيس التنفيذي لشركة جي بي مورغان جيمي ديمون قوله: إنّ "هذا الجزء من الأزمة قد انتهى"، مضيفا أنه يعتقد أنّ النظام المالي قوي، ولكن من الممكن أن نرى مصارف أخرى على وشك الانهيار.

ويشار إلى أنّ البنوك الأميركية تكبدت 620 مليار دولار من الخسائر غير المحققة على الأوراق المالية في نهاية عام 2022، وفقًا لمؤسسة التأمين الفيدرالية.

كما قدرت دراسة أجراها أساتذة في جامعة "نيويورك وارتون" في مارس، أنّ خسائرهم غير المحققة تقترب من 1.7 تريليون دولار عند حساب جميع القروض والأوراق المالية.

ويمتلك القطاع نحو 3.1 تريليونات دولار من الرهون العقارية التجارية، حيث تمثل البنوك الصغيرة والإقليمية 80% من تلك القروض، وفقًا لمحلّلي "غولدمان ساكس"، نظرًا لأنّ العمل عن بعد لا يزال شائعا، فقد فقدت مباني المكاتب قيمتها، ما زاد من فرص التخلف عن السداد. 

(المشهد)