مع عودة نفط روسيا للأسواق جزئيًا بفعل موافقة أميركية في مارس الماضي على بيع النفط الموجود في البحر، وهو ما صاحبة توقعات بانتعاش كبير في حصيلة بيع النفط، إلا أنّ صحيفة "فايننشال تايمز"، كشفت في تقرير مطول لها، أنّ روسيا تواجه ضغوطًا متزايدة على قطاعها الحيوي لتصدير الطاقة، فما القصة؟
قال التقرير، إنه في ظل تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة التي تستهدف منشآت رئيسية في بحر البلطيق، وهو ما يهدد بتقليص الاستفادة من موجة ارتفاع أسعار النفط العالمية المرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط.
وأقر الكرملين بصعوبة توفير حماية كاملة للبنية التحتية للطاقة، مع دخول الحرب في أوكرانيا عامها الـ5، ما يعكس تحديات أمنية متنامية رغم استمرار العوائد القوية من صادرات النفط.
هجمات على موانئ النفط الروسية
ورغم تداول خام برنت عند مستويات مرتفعة تتجاوز 100 دولار للبرميل، فإنّ سلسلة الهجمات الأخيرة على موانئ التصدير الروسية، خصوصًا بريمورسك وأوست-لوغا، تسببت في خسائر مالية ملموسة.
وتشير تقديرات إلى أنّ هذه الضربات كلفت قطاع الطاقة الروسي نحو 970 مليون دولار خلال أسبوع واحد فقط، نتيجة تعطل عمليات التصدير واحتراق كميات من النفط وفق فايننشال تايمز.
ويمثل الميناءان معًا أكثر من 40% من صادرات النفط الروسية المنقولة بحرًا، ما يُبرز حجم التأثير المحتمل لأيّ اضطراب فيهما. ففي بريمورسك وحدها، تسببت الهجمات في تدمير شحنات نفطية كبيرة، بينما لا تزال عمليات الإصلاح وإعادة التشغيل تواجه تحديات قد تمتد لأسابيع أو حتى أشهر، خصوصًا في ظل الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وخطوط المعالجة.
قلق روسي
وفي الداخل الروسي، تعكس التصريحات الرسمية حالة من القلق بشأن استمرار الهجمات، حيث تشير التقديرات إلى عدم وجود مؤشرات على تراجع وتيرتها في المستقبل القريب.
كما امتد تأثير الضربات إلى منشآت صناعية أخرى، من بينها مصافٍ نفطية ومصانع كيماوية، ما يوسع نطاق الضغط على الاقتصاد الروسي.
وترفض أوكرانيا تقليص هجماتها رغم ضغوط دولية تهدف إلى تهدئة أسواق الطاقة، مؤكدة أنّ العمليات ستستمر ما لم توقف موسكو عملياتها العسكرية.
وتراهن "كييف" على إستراتيجية تستهدف تقليص القدرة الإنتاجية لقطاع النفط الروسي عبر إحداث اختناقات في التخزين والنقل.
انعكاس على السوق العالمي
وقد انعكست هذه التطورات بشكل واضح على الأسواق العالمية، خصوصًا سوق النافثا، التي تُستخدم كمادة أولية في الصناعات البتروكيماوية، إذ شهدت الأسعار ارتفاعات ملحوظة، في ظل تراجع الإمدادات القادمة من روسيا، التي تعدّ أحد الموردين الرئيسيين عالمياً.
وقال تقرير "فايننشال تايمز"، إنّ هذه الهجمات كشفت عن فجوة متزايدة في القدرات الدفاعية الروسية ضد الطائرات المسيّرة، رغم تطوير أنظمة متعددة تشمل التشويش الإلكتروني والحواجز المادية.
وتشير تقارير إلى أنّ التكنولوجيا الأوكرانية في هذا المجال، باتت أكثر تقدمًا، مع استخدام طائرات مسيّرة تعتمد على الإحداثيات المبرمجة، ما يقلل من فاعلية أنظمة الحرب الإلكترونية التقليدية.
كما امتدت تداعيات الهجمات إلى قطاعات غير نفطية، حيث اضطرت شركات صناعية وتجارية إلى الاستثمار في أنظمة دفاعية خاصة بها، في ظل غياب تغطية حكومية كاملة لهذه التكاليف. وبحلول عام 2025، كانت نسبة كبيرة من الشركات قد بدأت بالفعل في تنفيذ إجراءات حماية ضد الطائرات المسيّرة.
فشل تعزيز الدفاعات
وفي محاولة لتعزيز الدفاعات، سمحت السلطات الروسية بنشر قوات احتياط لحماية المنشآت الحيوية، إلا أنّ هذه الإجراءات واجهت انتقادات من داخل الأوساط الاقتصادية، التي اعتبرت أنّ الوسائل المتاحة لا تتناسب مع طبيعة التهديد المتطور.
وتسلط هذه التطورات الضوء على تحول نوعي في طبيعة الصراع، حيث أصبحت الهجمات منخفضة التكلفة نسبيًا قادرة على إحداث تأثيرات اقتصادية كبيرة، ما يضع قطاع الطاقة الروسي أمام اختبار معقد بين الحفاظ على التدفقات التصديرية وتأمين البنية التحتية الحيوية.
(ترجمات)