تعدّ الشراكة الاقتصادية بين الولايات المتحدة الأميركية والإمارات العربية المتحدة، من أبرز النماذج على مستوى العالم، حيث لا تقتصر العلاقات بين البلدين على تبادل السلع والخدمات، بل تمتدُّ لتشمل استثمارات ضخمة، وتعاوناً متقدماً في قطاعات المستقبل وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، وجميع المؤشرات والأرقام تؤكد النجاح الكبير لهذه العلاقة الإستراتيجية.
وبالنظر إلي حجم التجارة البينية والاستثمارات المشتركة، والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، والتي تتغلغل في عمق اقتصاد البلدين، تتجسد ملامح تحالف اقتصادي يعكس توازنات القوة في منطقة الشرق الأوسط ويعزز استقرار المنطقة، خصوصًا في ظل الدور المحوري الذي تلعبه الإمارات ودورها الريادي اقتصاديًا وسياسيًا في الشرق الأوسط.
الأرقام تشهد على عمق العلاقة الاقتصادية
تعكس الأرقام المسجلة خلال عام 2023 عمق العلاقات الاقتصادية بين الإمارات والولايات المتحدة، حيث بلغ إجمالي التجارة الثنائية غير النفطية نحو 39.5 مليارات دولار، بنمو 20% مقارنة بـ2022. ويعكس هذا النمو المتسارع رغبة متبادلة في تعزيز الروابط التجارية، إذ ارتفعت واردات الإمارات من السوق الأميركية بنسبة 22% لتصل إلى 25.9 مليارات دولار، في حين زادت صادراتها إلى الولايات المتحدة إلى 3.9 مليارات دولار، مقارنة بـ3.2 مليارات دولار في العام السابق.
ولم تتوقف الديناميكية التجارية عند هذا الحد، بل شهدت إعادة التصدير من الإمارات إلى السوق الأميركية نموًا ملحوظًا بنسبة 17% لتبلغ 9.6 مليارات دولار، ما يعزز موقع الإمارات كمركز إقليمي لإعادة التصدير نحو الأسواق العالمية.
أما على صعيد الاستثمار الأجنبي المباشر، فقد ضخّت الإمارات استثمارات بقيمة 3.7 مليارات دولار في الاقتصاد الأميركي بين عامي 2018 و2023، توزعت على قطاعات حيوية مثل الطاقة المتجددة، والاتصالات، والعقارات، والخدمات البرمجية، وتكنولوجيا المعلومات، ما يعكس توجهًا إستراتيجيًا نحو اقتصاد المستقبل.
في المقابل، بلغت الاستثمارات الأميركية المباشرة في الإمارات نحو 9.5 مليارات دولار خلال الفترة 2018-2023، مما يرسّخ مكانة الدولة كشريك اقتصاديّ موثوق وبيئة جاذبة لرؤوس الأموال العالمية.
مركز عالمي للاستثمار
أستاذ التسويق العالمي ومدير استدامة الأعمال الدولية بمعهد إدارة البيئة والطاقة (EEMI) بجامعة جورج واشنطن البروفسور صلاح سالم حسن، قال إن "الإمارات العربية المتحدة تواصل تعزيز موقعها كمركز عالمي للاستثمارات الإستراتيجية، لا سيما في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي (AI) ومراكز البيانات (Data Centers) بالتعاون مع الولايات المتحدة، لتتخطى العلاقة بين البلدين فكرة الشراكة التجارية التقليدية.
وأوضح، في حديث مع منصة "المشهد"، أن تعزيز الشراكة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والإمارات يعكس طموحات الدولتين، ويؤكد على مساعى الإمارات للتحول إلى مركز تكنولوجيّ واستثماريّ إقليميّ وعالميّ، مستفيدةً من الشراكات الإستراتيجية مع الشركات الرائدة في وادي السيليكون والولايات المتحدة.
وأشار إلى أن هذه الاستثمارات تعدّ خطوة إستراتيجية نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، مما يعزز مكانة الإمارات كقوة رقمية رائدة في المنطقة والعالم، عبر تنمية مستمرة للشراكة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة صاحبة الاقتصاد الأكبر في العالم".
وأشار إلى أن تركيز الإمارات على توسعها في قطاعي الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وإن صح التعبير تركيزها على اقتصاد المستقبل، فإن هذا التوجه ستكون له عوائد اقتصادية ضخمة على اقتصاد الإمارات والمنطقة العربية مستقبلاً من خلال تطوير التكنولوجيا الداعمة للاستدامة لدى الشركات.
الاستثمار في الذكاء الاصطناعي
الخبير الاقتصادي الدكتور هاني قداح، يرى أن الإمارات تعزز شراكاتها مع الشركات في الولايات المتحدة من خلال الاستثمار في شركات رائدة مثل إنفيديا (Nvidia) وغيرها من الشركات التي ركزت جهودها على تقنيات الذكاء الاصطناعي، مما يعزز تطوير التطبيقات والابتكارات في مجالات مهمة مثل تحليل البيانات وأتمتة الأعمال والحوسبة السحابية.
وتطرق قداح في حديثه مع منصة "المشهد" إلى أن تعزيز الاستثمار في التكنولوجيا يؤكد على مكانة الإمارات كمركز للابتكار، مما يساعد على استقطاب الشركات الناشئة ورواد الأعمال العالميين، خصوصًا في قطاعات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، وهذا الأمر يعود بالنفع على الشركات في المنقطة العربية بل والشرق الأوسط لتصبح الإمارات قبلة لهم في المستقبل من أجل الاستفادة من هذه التقنيات.
وأكد الخبير الاقتصادي أن الاستثمارات المتنوعة والتجارة البينية مع الولايات المتحدة، تعدّ جزءًا من إستراتيجية الإمارات لتنويع مصادر دخلها الوطني وتعزيز اقتصادها ليكون قائمًا على المعرفة والتنوع، مما يساهم في تقليل الاعتماد على النفط وزيادة مساهمة القطاعات التقنية في الناتج المحلي الإجمالي، والاستعداد لعصر ما بعد النفط.
وأشار إلى التقدم الكبير في الولايات المتحدة في تقنيات الـ"AI"، والشراكة الإماراتية مع واشنطن ستعزز الاستثمار في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي وتوفير خدمات الحوسبة السحابية والتخزين السحابي للبيانات الضخمة، مما يجعل الإمارات لاعبًا أساسيًا في البنية التحتية الرقمية للمنطقة، وهو ما يرسم ملامح مستقبل المنطقة في هذا القطاع الاستثماري المهم.
وأكد الخبير الاقتصادي، أن التنوع الكبير في التجارة بين الإمارات والولايات المتحدة وتعزيز الشراكة في المشاريع البحثية والتطويرية المتقدمة، يسهم في تعزيز الكفاءة المحلية وبناء منظومة تقنية قوية، ويعيد الثقة في النجاح العربي في التركيز على بدائل استثمارية وتقنية مستقبلية بعيدًا عن "تجارة النفط التقليدية".
كما أشار إلى أن هذه الاستثمارات تساعد الإمارات على تطوير مراكز بيانات متقدمة تكون بمثابة مركز إقليمي لتخزين ومعالجة البيانات، مما يعزز مكانتها كمزود رئيسي للحلول التكنولوجية في منطقة الخليج والشرق الأوسط.
الثقل الاقتصادي
من جهة أخرى، يرى أمين عام اتحاد الغرف التجارية العربية، خالد حنفي، أن نظرة الولايات المتحدة للعلاقات الاقتصادية تغيرت بقوة إذ أصبحا تركز على الدول ذات الثقل الاقتصادي والتجاري، بهدف تعزيز قدرات الشركات على العمل في بيئة تحقق مكاسب متبادلة وتخلق مناخًا إقليميًا يدعم الاستقرار الاقتصادي.
وأوضح أن الولايات المتحدة ترى من الناحية الاقتصادية أن العلاقات الاستثماراية والتجارية مع الإمارات تعزز رأس المال داخل الشركات الأميركية، مما يدعم الابتكار ويوفر فرص عمل ومنتجات تقنية فائقة التطور في المستقبل القريب.
وأوضح، أن الخطوات الاقتصادية الإستراتيجية للإمارات تهدف إلى تعزيز مكانتها كمركز اقتصادي إقليمي والتوجه نحو اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، مما يعزّز دورها القيادي في التحول الرقمي بالشرق الأوسط بالشراكة مع الولايات المتحدة الأميركية".
(المشهد)