تواصل ليبيا الاستفادة من الارتفاعات الحادة في أسعار النفط العالمية، التي جاءت مدفوعة بالتوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج واضطرابات إمدادات الطاقة، ما منح قطاع النفط والغاز الليبي دفعة قوية بعد سنوات طويلة من التعثر والانقسام السياسي.
تنشيط الاقتصاد الليبي
ومع مرور نحو 3 أشهر على اندلاع المواجهة الأميركية الإسرائيلية الإيرانية في 28 مايو، بدأت ملامح تحول تدريجي تظهر داخل قطاع الطاقة الليبي، في وقت تسعى فيه الدولة الواقعة في شمال إفريقيا إلى استثمار طفرة الأسعار العالمية لإعادة تنشيط اقتصادها واستقطاب استثمارات جديدة في قطاع الهيدروكربونات.
ويعكس الخطاب الرسمي في شرق ليبيا حالة من التفاؤل المتزايد بشأن مستقبل القطاع، إذ تعهد بلقاسم حفتر، رئيس "صندوق إعادة إعمار ليبيا"، بتعويض ما وصفه بـ"السنوات الضائعة" التي مرت بها البلاد، مؤكدًا أن برامج التنمية وإعادة الإعمار الجارية تستهدف الاستفادة من العائدات النفطية المرتفعة لإعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية.
ورغم استمرار الانقسام السياسي بين الشرق والغرب، يرى مراقبون أن ليبيا تمتلك فرصة نادرة لتحويل ثروتها النفطية الضخمة إلى مسار تعافٍ اقتصادي تدريجي، خصوصا في ظل تنامي الطلب الأوروبي على مصادر طاقة بديلة بعيدا عن مناطق التوتر التقليدية.
إنتاج النفط عند أعلى مستوى
استفادت ليبيا بصورة مباشرة من تعطل تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، وهو ما عزز أهمية المنتجين خارج الخليج العربي، وفي هذا السياق، ارتفع إنتاج النفط الخام الليبي خلال أبريل إلى نحو 1.4 مليون برميل يوميا، وهو أعلى مستوى إنتاجي تسجله البلاد منذ أكثر من 10 سنوات.
ويأتي هذا التعافي بالتزامن مع عودة اهتمام شركات الطاقة العالمية بالسوق الليبية، في ظل بحثها عن مصادر جديدة للإمدادات، إلى جانب تحركات أوروبية مكثفة لتعزيز التعاون الطاقوي مع دول شمال إفريقيا، وفق تقرير al-monitor.
وفي مايو الماضي، عقدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني مباحثات مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ركزت بصورة رئيسية على التعاون في قطاع الطاقة وإمكانية زيادة الإمدادات الليبية إلى أوروبا.
كما كثفت الولايات المتحدة تحركاتها السياسية لدعم الاستقرار المؤسسي في ليبيا، وأسفرت هذه الجهود عن اتفاق الحكومتين المتنافستين في الشرق والغرب على أول ميزانية موحدة منذ أكثر من عقد، في خطوة اعتُبرت مؤشرا على تحسن نسبي في مستوى التنسيق الداخلي.
تحديات مزمنة رغم تحسن القطاع
ورغم المؤشرات الإيجابية، لا تزال ليبيا تواجه تحديات هيكلية عميقة، أبرزها الانقسام السياسي، وانتشار الفساد، وتعدد الفصائل المسلحة، إضافة إلى هشاشة الوضع الأمني واستمرار الصراع على عائدات النفط.
ويرى ريكاردو فابياني، مدير مشروع شمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، أن ارتفاع أسعار النفط قد يساهم في تثبيت الوضع القائم بدلًا من دفع الأطراف نحو تسوية سياسية شاملة.
وقال فابياني إن الأطراف المسيطرة في شرق وغرب ليبيا تستفيد من آليات توزيع الإيرادات الحالية، ما يجعلها أقل رغبة في تغيير التوازنات السياسية القائمة طالما ظلت أسعار النفط مرتفعة، وتحقق عوائد مجزية للطرفين.
وكان الاهتمام الدولي بقطاع الطاقة الليبي قد بدأ بالفعل قبل اندلاع أزمة الخليج الأخيرة، إذ طرحت المؤسسة الوطنية للنفط في فبراير أول جولة تراخيص للتنقيب منذ 17 عاما، ما جذب اهتمام شركات كبرى تسعى للاستفادة من الإمكانات الهائلة للبلاد.
احتياطي النفط الليبي
وتملك ليبيا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في إفريقيا يقدر بنحو 48 مليار برميل، إلى جانب احتياطيات غاز طبيعي تصل إلى نحو 53 تريليون قدم مكعب، ما يجعلها من أبرز الأسواق الواعدة في قطاع الطاقة بالقارة.
ومع تصاعد المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، أصبحت ليبيا أكثر جاذبية للمستثمرين الباحثين عن أصول طاقة بعيدة عن الممرات البحرية المهددة.
وفي هذا السياق، وقعت شركة "شيفرون" الأميركية مذكرة تفاهم مع المؤسسة الوطنية للنفط لتقييم احتياطيات النفط والغاز الصخري، فيما أعلنت شركة "إيني" الإيطالية اكتشافات بحرية جديدة للغاز الطبيعي تقدر بنحو تريليون قدم مكعب.
كما أعادت المؤسسة الوطنية للنفط إحياء عدد من مشروعات البنية التحتية المتوقفة، من بينها خط أنابيب الغاز الممتد جنوب بنغازي لربط حقل "انتصار" بشبكة الغاز في "البريقة".
(ترجمات)