بمجرد إعلان الحكومة المصرية، نيتها الاتجاه نحو تطبيق الدعم النقدي بدلًا من العيني، والمطبّق منذ سبعينيات القرن الماضي، إلا وزاد الجدل في المجتمع المصري حول هذه الخطوة، خصوصًا مسألة مراعاة زيادة التضخم بشكل سنوي.
ولنفهم الموضوع بصورة أعمق، تقدم الحكومة المصرية دعمًا للأسر الأكثر احتياجًا في شكل سلع تموينية بشكل شهري، لكنها ترى أنّ هناك هدرًا في هذا الدعم، ولا يصل إلى مستحقيه، وهو ما دفع رئيس الحكومة لإعلان نية مجلس الوزراء تطبيق الدعم النقدي بداية من العام المالي المقبل.
خريطة الحكومة للدعم في مصر
صرح الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، أنّ الحكومة تعمل مع وزارتي التموين والتضامن الاجتماعي، لوضع "خريطة تنفيذ" واضحة سيتم الإعلان عن تفاصيلها خلال الشهرين المقبلين.
الاستعدادات الحكومية لبدء تنفيذ الدعم النقدي مع موازنة العام المالي 2026/2027، مع احتمالية أن يكون التطبيق تدريجيًا في محافظات معينة قبل التعميم.
ترى الحكومة أنّ النظام العيني، يعاني بعض المشكلات في سلاسل التوزيع بالمطاحن، والمخابز، وبقالي التموين، كما أكدت الحكومة، أنّ الهدف هو وصول الدعم ليد المواطن مباشرة، بدلًا من دعم "السلعة" التي قد يستفيد منها غير المستحق.
يستهدف النظام الذي يجري العمل على تطبيقه للدعم في مصر على مراحل وفي محافظات معينة، على أن يتم التوسع فيه تدريجيًا، ويستهدف منح الأسرة قيمة الدعم نقدًا، وهو ما يتيح لها شراء احتياجاتها الفعلية بدلًا من التقيد بسلع محددة تفرضها البطاقة التموينية، وفق تصريحات مجلس الوزراء المصري.
فكرة التحول للدعم النقدي
عدد كبير من الشخصيات العامة ومنهم أعضاء في البرلمان بغرفتَيه، أعلنوا دعمهم لفكرة التحول نحو الدعم النقدي، بوصفه الحل الأمثل لأزمة هدر الدعم، حيث تبلغ مخصصات دعم السلع والخبز في الموازنة الجديدة نحو 178.3 مليار جنيه، وتريد الحكومة ضمان أقصى استفادة من هذا المبلغ الضخم.
الدكتور أيمن حسن أستاذ بالاكاديمية العربية وعضو مجلس كلية الدراسات العليا سابقًا، يرى أنّ الأفضل في مسألة الدعم، هو العمل على خلق نظام جديد تحت مسمى "الدعم الهجين"، وهو الانسب للحالة المصرية، أي مزج الدعم النقدي والسلعي المرتبط بالسلع الاستراتيجية.
وقال لـ"المشهد"، إنّ الدعم النقدي لن يجاري ارتفاع عوامل التضخم، وفي الوقت نفسه، من الصعب أن تُترك الأدوية ولبن الأطفال لقوى السوق، واستعرض عددًا من النقاط التي يجب العمل على مراعاتها عند تطبيق مسألة الدعم.
- دعم سلعي محدود "لبن أطفال – أدوية".
- دعم نقدي موجة للفئات تحت خط الفقر.
- دعم التمكين "التدريب على المشروعات والتأهيل لسوق العمل".
- الحل النهائي هو دمج النظامين "النقدي والعيني"
البنية التكنولوجية تدعم التحول للدعم النقدي
مصر تمتلك "البنية التكنولوجية"من خلال الرقمنة والبطاقات الذكية التي تمكّنها من الانتقال لمرحلة الدعم النقدي، هكذا يصف رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية د.خالد عبد القادر الشافعي، قضية الدعم النقدي، وقال إنّ "النقدي" هو الحل الأمثل للقضاء على الهدر المالي وضمان وصول الدعم لمستحقيه الحقيقيين، في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة.
وشدد رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، على ضرورة إنهاء نظام توزيع السلع المدعومة للقضاء على "السوق السوداء" للدقيق والزيت والسكر، حيث يتم تداول السلع في الأسواق بالسعر الحر، ولا يحصل المستحق إلا على قيمتها النقدية.
وبلغ عدد المستفيدين من دعم السلع التموينية نحو 61 مليون مواطن، بينما يصل مستفيدو دعم الخبز إلى قرابة 71 مليون مواطن، في حين استقر دعم السلع البترولية نحو 15.8 مليار جنيه، مع استمرار سياسة التحريك التدريجي للأسعار لتقليص الفجوة مع التكلفة العالمية.
ويرى صندوق النقد الدولي، أنّ منظومة الدعم العيني "الخبز والسلع التموينية" تعاني من شمولية مفرطة، لا تراعي المستحقين لهذا الدعم، وقد يصل الدعم لفئة لا تحتاجه، وهنا يدعم الصندوق للتحول إلى الدعم النقدي المشروط مثل برنامج تكافل وكرامة، واستخدام قواعد بيانات دقيقة لضمان وصول الدعم للأسر الأكثر احتياجًا فقط، بدلًا من دعم "السلعة" للجميع.
الدكتورة يمن الحماقي أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، تعدّ من أبرز المنتقدين لمنظومة التموين الحالية، وتؤكد أنّ الدعم العيني يؤدي إلى إهدار نحو 30% من قيمة الدعم في حلقات التداول والمخازن، وأنّ تحويله لنقدي، يحفز المواطن على ترشيد الاستهلاك وفق تصريحات صحفية سابقة.
تحديات الدعم النقدي
في المقابل شكك عدد من الخبراء وبعض أعضاء البرلمان في جاهزية "قواعد البيانات" القومية التي يمكن الاعتماد عليها في التحول للدعم النقدي، محذرين من أنّ التحول للنقدي قد يؤدي لاستبعاد ملايين المستحقين "خطأً" أو حرمان من لا يمتلكون الثقافة التكنولوجية للتعامل مع البطاقات الذكية والمنصات.
ومع هذا الجدل المجتمعي الكبير يبرز تساؤل مهم، هل تنجح الحكومة المصرية في تلافي المشكلات التي قد تواجه هذه الفكرة الوليدة؟، كما تبرز أزمة التضخم كأحد أهم التحديات التي ستضعها الحكومة على طاولة النقاش عند اتخاذ قرارها النهائي بشأن ملف الدعم.
(المشهد)