بدا واضحًا أن النقاش داخل واشنطن لم يعد يدور حول إنقاذ التجارة الحرة أو الدفاع عنها، بل حول كيفية استخدام أدوات القوة الاقتصادية في عالم يتراجع فيه منطق الانفتاح لمصلحة الأمن الصناعي والاكتفاء الإستراتيجي، بحسب ما ورد في مقال تحليلي كتبه بوب ديفيس ونشرته مجلة فورين بوليسي.
ويعرض المقال ملامح مرحلة جديدة في التفكير الأميركي، حيث لم تعد الرسوم والدعم الصناعي وقيود التصدير تُعامل كاستثناءات مؤقتة، بل كأدوات أساسية في إدارة المنافسة مع الصين، بعدما ترسخ داخل مؤسسات الحكم والبحث في الولايات المتحدة أن النظام التجاري العالمي القديم لم يعد قادرًا على حماية المصالح الصناعية والتكنولوجية الأميركية.
أميركا تدخل مرحلة ما بعد التجارة الحرة
يرى المقال، أن التحول في المزاج الأميركي تجاه التجارة الحرة لم يعد محل شك، حتى وإن اختلفت التقديرات بشأن لحظة بدايته الدقيقة.
فسواء بدأ التآكل بعد تعثر مفاوضات الدوحة، أو ترسخ سياسيًا مع إسقاط اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ، فإن النتيجة النهائية باتت واضحة: واشنطن تعيش اليوم في عصر ما بعد التجارة الحرة.
في هذا العصر الجديد، لم تعد الكفاءة الاقتصادية هي القيمة العليا في السياسة التجارية، بل حل محلها مفهوم الأمن الاقتصادي، أي حماية الصناعات الحساسة، وتقليص الاعتماد على الخارج، ومنع الخصوم من السيطرة على سلاسل الإمداد والموارد الإستراتيجية.
ينطلق المقال من كتاب "كيف تربح حربًا تجارية.. دليل متفائل لاقتصاد عالمي قلق" لسوميّا كينز وتشاد باون، معتبرًا أنه يعكس بدقة ذهنية أميركية جديدة ترى أن الحروب التجارية، رغم كلفتها، قد تصبح ضرورة في مواجهة اختلالات عميقة أحدثتها الصين في النظام التجاري العالمي.
ويشير المقال إلى أن أهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط في أفكاره، بل في خلفية كاتبيه أيضًا، إذ ينتميان إلى دوائر بحثية وصحفية كانت تقليديًا أقرب إلى الانفتاح التجاري، ما يجعل تبنيهما لهذا الطرح علامة على مدى اتساع التحول داخل النخبة الاقتصادية الأميركية.
إجماع متزايد على أن الصين قلبت قواعد اللعبة
يلفت بوب ديفيس، إلى أن أصواتًا مختلفة داخل واشنطن، من باحثين ومسؤولين سابقين ومنظري سياسات، باتت تتفق على فكرة واحدة، وهي أن الصين لم تعد مجرد منافس تجاري قوي، بل أصبحت فاعلًا قلب التوازنات التي قام عليها النظام التجاري العالمي، عبر فائض إنتاج واسع، ودعم صناعي كثيف، وقدرة على إغراق الأسواق بأسعار تضغط على المنافسين.
ومن هنا، لم يعد النقاش الأميركي يتركز على فوائد التجارة المفتوحة في صورتها التقليدية، بل على كيفية منع الصين من تحويل تفوقها الصناعي إلى نفوذ دائم في قطاعات مثل التكنولوجيا والطاقة والمعادن النادرة والمركبات الكهربائية.
من بين أبرز الأفكار التي يناقشها المقال، التوسع في دعم الصناعات الأميركية ذات الطابع الإستراتيجي، وبناء مخزونات من المواد الحساسة مثل المعادن النادرة والمدخلات الحيوية، حتى تكون الولايات المتحدة أقل عرضة للضغط إذا تعرضت لهجوم اقتصادي أو تعطلت سلاسل الإمداد العالمية.
ويعني ذلك أن واشنطن باتت أقرب إلى تبني مقاربة تقوم على بناء مناعة داخلية، لا الاكتفاء برد الفعل عند وقوع الأزمة.
فالفكرة الأساسية لم تعد فقط منع الضرر، بل ضمان الجاهزية المسبقة لمواجهة خصم يملك أدوات ضغط صناعية وتجارية متزايدة.
الحرب التجارية لا تأتي بلا كلفة
رغم هذا التحول، يشدد المقال على أن خوض حرب تجارية لا يعني امتلاك طريق سهل إلى النصر. فالرسوم الجمركية وقيود الاستيراد قد ترفع الأسعار داخليًا، وتضعف المنافسة، وتدفع الشركاء التجاريين إلى الرد بإجراءات مضادة، كما قد تؤدي إلى نتائج عكسية إذا أسيء استخدامها أو افتقرت إلى دراسة دقيقة.
ولهذا، يلفت المقال إلى أن النجاح في أي مواجهة تجارية يتطلب حسابًا شديد الدقة لموازين القوة، لأن الأداة التي تؤلم الخصم قد ترتد أيضًا على الاقتصاد الأميركي نفسه إذا لم تكن واشنطن قادرة على إيقاع ضرر أكبر بالطرف الآخر مما قد تتحمله هي داخليًا.
يركز المقال على مفهوم "نقاط الاختناق" بوصفه جوهر الحرب التجارية الحديثة. فالدول لا تنتصر بالرسوم فقط، بل بالقدرة على السيطرة على حلقات حيوية لا يمكن تعويضها بسهولة.
وهنا تمتلك الصين أوراقًا قوية في المعادن الأرضية النادرة، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بأدوات نفوذ في البرمجيات ومعدات الرقائق المتقدمة والدولار.
لكن المقال يحذر أيضًا من أن هذه الأسلحة شديدة الحساسية، لأن استخدامها المكثف قد يدفع الطرف الآخر إلى بناء بدائل تقلص فعاليتها مستقبلًا. وهذا ينطبق خصوصا على الدولار، الذي يظل أقوى ورقة أميركية، لكنه قد يصبح أقل فاعلية إذا بالغت واشنطن في تحويله إلى أداة عقابية دائمة.
يخلص بوب ديفيس، إلى أن المشكلة الأميركية لا تتعلق دومًا بندرة الأدوات، بل أحيانًا بنقص الاستعداد السياسي لتحمل الكلفة الناتجة عن استخدامها.
فمن السهل نظريًا الدعوة إلى تضييق الخناق على الصين أو فرض قيود قاسية عليها، لكن الأصعب هو إقناع الداخل الأميركي بتحمل تبعات ارتفاع الأسعار واضطراب الأسواق وإمكانية الانتقام التجاري.
وهذا ما يجعل الحرب التجارية، في نظر المقال، معركة اقتصادية وسياسية في الوقت نفسه، لأن نجاحها لا يتوقف على التصميم النظري للسياسات فقط، بل على قدرة البيت الأبيض والكونغرس على الحفاظ على الدعم الداخلي عندما تبدأ الكلفة في الظهور على المستهلكين والشركات.
نظام تجاري جديد قيد التشكل
يتوقف المقال أيضًا عند أفكار مطروحة لإعادة تشكيل النظام التجاري العالمي نفسه، سواء عبر تصورات تربط انخفاض الرسوم بدرجات التوازن التجاري، أو عبر إنشاء آليات جديدة تراقب الاختلالات وتسمح باستخدام أدوات دفاعية مثل الدعم والمخزونات والحدود السعرية من دون اعتبار ذلك خروجًا عن القواعد.
وتكشف هذه الطروحات، أن الولايات المتحدة لم تعد تبحث فقط عن سلاح تكتيكي في مواجهة الصين، بل عن إطار تجاري عالمي جديد، يتلاءم مع زمن باتت فيه الجغرافيا السياسية والأمن الصناعي أكثر حضورًا من منطق السوق الحرة الذي حكم العقود السابقة.
(ترجمات)