في ظل أزمة مالية متصاعدة يعيشها العراق، أعلن البنك المركزي العراقي مؤخرا، فرض الوصاية على مصرف الطيف الإسلامي للاستثمار والتمويل، لمدة 18 شهرا ابتداء من سبتمبر 2026، ما أثار جملة من المخاوف في الشارع العراقي من تكرار سيناريو مصارف أخرى تعرضت لأزمات مشابهة سابقا، ما أدى إلى خسارة العراقيين جزءا كبيرا من أموالهم المودعة فيها.
ورغم أنّ بيان المركزي، برر فرض الوصاية بمخالفات جسيمة أثّرت على المركز المالي للمصرف، ما دفع السلطات النقدية للتدخل مباشرة لحماية النظام المصرفي، مؤكدا أنّ الوصاية لا تعني الإفلاس بل على العكس للحفاظ على أموال المودعين، إلا أنّ ذلك لم يبدد مخاوف العراقيين الذين تجمّعوا أمام أفرع مصرف الطيف الإسلامي في بغداد والبصرة، للمطالبة بسحب أموالهم.
ونتيجة لفرض الوصاية، عجز العديد من العراقيين عن سحب أموالهم من المصرف، بعد أن تعطّلت البطاقات المصرفية وتوقفت عمليات السحب والإيداع، ما دفع ناشطين عراقيين للتذكير بتجاربهم السابقة مع مصرف الوركاء بعد أن أقفل أبوابه في وجه المودعين في العام 2009.
تهريب مليار دينار عراقي
وكشف مصدر خاص لمنصة "المشهد"، أنّ المدير المفوّض لمصرف الطيف الإسلامي بالتعاون مع 3 من المدراء العامين، قاموا بالتصرّف بأكثر من مليار دينار عراقي من أموال المودعين لصالحهم الشخصي، عن طريق التلاعب بفتح الحسابات المصرفية، حسابات التوفير والائتمان، الحوالات المالية من دون ضمانات مالية، حيث قاموا بتحويل هذه الأموال إلى خارج البلاد من دون خطاب ضمان يحفظ الحقوق المالية أو رهن عقار سعره يتجاوز سعر المبلغ المسحوب للزبون أو سند قانوني واضح.
وأوضح المصدر، أنه عندما زارت اللجنة الرقابية التابعة للبنك المركزي العراقي، مصرف الطيف الإسلامي، لاحظت نقص الأموال المودعة، ما دفعها مباشرة لوضع المصرف تحت الوصاية، وإعلان تحييد مدرائه وإيقافهم عن العمل، ليبدأ البنك المركزي بإدارة أمور المصرف بنفسه.
غطاء سياسي حزبي
ويقول المستشار الاقتصادي السابق في الحكومة العراقية، الدكتور علاء الدين القصير، لمنصة "المشهد"، إنّ العديد من المصارف العراقية تم وضعها تحت الوصاية سابقا، نتيجة لمخالفات مالية وخروق، وعدم الامتثال لشروط وتعليمات البنك المركزي العراقي، هذا يدل على ارتباط مدراء هذه المصارف بجهات سياسية وحزبية نافذة تحميهم، كما حدث مع مصرف الوركاء والمصرف الاقتصادي العراقي سابقا.
ويرى القصير، أنّ هناك مؤشرات أنّ البنك المركزي العراقي سيعيد للمودعين أموالهم، خصوصا أنّ مصرف الطيف الإسلامي أخذ حيز كبير من ثقة العراقيين، وفتح العديد من الفروع وحصل على الأولوية في الودائع والاعتمادات والتحويلات المالية، لكن إلى الآن لا يمكن التنبؤ بما سيحدث، وها قد مر أكثر من 10 سنوات على أزمة مصرف الاقتصاد والوركاء، ولم يتم إعادة أموال المودعين، ونتيجة لذلك نلاحظ ابتعاد العراقيين عن التعامل مع المصارف الأهلية.
ويوضح القصير، أنّ المصارف العراقية بمعظمها ساهمت في حل أزمة الرواتب عن طريق تقديم القروض المالية للحكومة، لكن بعد سرقة هذه المبالغ الضخمة من الطيف الإسلامي، ستتعقد مسألة رواتب الموظفين الحكوميين خصوصا "الموطّنة" رواتبه بداخله.
وحول الحلول المطروحة لتجاوز أزمة الدينار العراقي، يجيب القصير: "جميع الحلول المطروحة سواء تفعيل الفيزا كارد، أو تغيير العملية العراقية لدفع الناس على تسليم العملة القديمة، ورغم إيجابية رفع الأصفار من العملة، إلا أنّ ظروف الكساد والإفلاس والتخبّط وعدم وجود طبقة نزيهة لإدارة المال، لن تساعد على تطبيق هذه الحلول، إضافة إلى أنّ تنفيذها يحتاج إلى موافقة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي".
أزمة مصرف الطيف الإسلامي
ويشهد العراق منذ سنوات عدة، أزمة ثقة بين العراقيين والمصارف الأهلية، نتيجة لتجاربهم السلبية المتكررة معها، ما دفع العديد منهم لخزن أموالهم في منازلهم بدلا عن إيداعها فيها، هذه المسألة تحديدا أنتجت أزمة نقص الدينار العراقي، حيث فرغت المصارف من الدينار العراقي، وبدأت الحكومة العراقية تبحث عن حلول لتأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين.
وحول أزمة الثقة بين المواطن العراقي والنظام المصرفي، يشرح الخبير في الشأن الاقتصادي والمالي الدكتور عبد الرحمن الشيخلي، لمنصة المشهد: "على مدى 23 سنة، مصرف واحد فقط من المصارف العراقية المؤسسة قبل 2003 وهو مصرف البصرة الدولي، أعلن إفلاسه وتم وضعه تحت التصفية، وتعرّض لمخاطر الوصاية، بعد أن كان يمتلك أصولا مالية ضخمة، إضافة إلى 10 مصارف أخرى تعرّضت لخطر الوصاية، بعضها تجاوز أزمته المالية خلال 3 أشهر، وبعضها الآخر عجز عن ذلك ومنها مصرف الوركاء العراقي، الذي خسر 400 مليار دينار عراقي ولم يتمكن من إعادتها".
وانعكست أزمة فقدان الثقة بين المواطنين وبين المؤسسات المصرفية العراقية على سلوكهم تجاه مصرف الطيف الإسلامي، فبدأوا بالاحتجاجات والتشكيك بقدرة المصارف الأخرى، واعتبروا أنّ أزمة الطيف هي بداية لانهيار المنظومة المصرفية في العراق، لكن هذا ليس حقيقة، لأنّ المصرف بدأ بإعادة الأموال لأصحابها، فقط المودعين بمليارات الدنانير وما فوق ستتأخر عملية استعادة أموالهم. بحسب الشيخلي.
ويؤكد الشيخلي، أنّ عدد من الموظفين الحكوميين رواتبهم موطّنة على مصرف الطيف الإسلامي، ويوجد صرافات آلية تابع للمصرف لاستلام رواتبهم، ولا يوجد أيّ علاقة بين أزمة مصرف الطيف الإسلامي وبين الأزمة المالية التي تمر بها البلاد، إنما فقط هي الكشف عن عملية فساد إداري داخل المصرف، سيتولى البنك المركزي معالجتها. وليست مؤشرا على انهيار المنظومة الاقتصادية العراقية.
(المشهد - العراق)
