ما هي الخصخصة وأثرها على الموظفين؟

شاركنا:
الخصخصة هي عملية نقل مؤسسة أو أصل تابع للقطاع العام إلى القطاع الخاص
منذ القرن الماضي اتجه العديد من حكومات العالم المتقدم والنامي نحو زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد، من خلال القوانين والتشريعات المعززة لها أو من خلال بيع الأصول المملوكة للدولة تحت إطار "الخصخصة"، بغية تنفيذ إصلاحات تعزز من كفاءة المؤسسات والاقتصاد.

في هذا التقرير تستعرض منصة "المشهد" تعريف مصطلح الخصخصة، وتأثيراتها وأشكالها ودوافعها، ولماذا تتجه الحكومات نحو خصخصة مؤسساتها؟

تعريف الخصخصة

الخصخصة هي عملية نقل مؤسسة أو أصل تابع للقطاع العام إلى القطاع الخاص، أو السماح للقطاع الخاص في العمل بأحد القطاعات الإنتاجية الذي كانت تحتكره الحكومة.

وقد تشمل الخصخصة، إما بيع الأصول المملوكة للدولة أو إزالة القيود التي تمنع الأفراد والشركات من المساهمة أو المشاركة في صناعة معينة.

كما تُعرّف بعض المؤسسات الخصخصة على أنها نقل وسائل الإنتاج المملوكة للقطاع العام، أو التي يُديرها القطاع العام إلى الملكية أو التشغيل الخاص.

أشكال الخصخصة

يوجد 5 أشكال مميزة من الخصخصة تقوم بها الحكومات وهي كالتالي:

1-الخصخصة الكاملة

الخصخصة الكاملة، هي البيع المباشر للأصول الحكومية للقطاع الخاص، إذ لا يمنح هذا الشكل من الخصخصة بيع الأصول فحسب، بل يمنح أيضا مسؤوليات الملكية الكاملة للقطاع الخاص.

وتتم عملية خصخصة الصناعات أو الأصول التي تديرها الحكومة بشكل كامل من خلال واحدة من 3 طرق رئيسية:

الطرح العام في البورصة: تبيع الحكومة أسهم الشركة التي تديرها والتي يمكن تداولها بعد ذلك في أسواق الأسهم المختلفة، وهي الطريقة الأكثر شيوعا.

بيع الأصول: في هذه الطريقة، تُباع الشركة أو الأصل بالكامل إلى مستثمرين أو شركات، وعادة ما يتم ذلك عن طريق المزادات العلنية.

توزيع الملكية: حيث تُوزع أسهم الملكية على جميع المواطنين مجانا أو بأسعار منخفضة جدا.

2-خصخصة العمليات

خصخصة العمليات، هي نقل المسؤوليات الإدارية والتشغيلية للمرافق المملوكة للقطاع العام أو الحكومية إلى شركات القطاع الخاص. وغالبا ما يُنظر إلى هذا النوع من الخصخصة في إدارة الملاعب الرياضية، والحفلات الموسيقية والمواقع الأثرية والمعارض.

وبموجب هذا الشكل، تحقق شركة القطاع الخاص إيرادات من خلال تحصيل الرسوم من الأفراد بهدف استغلال أو الاستفادة من الأصول الحكومية التي تديرها.

3-التعاقدات المباشرة

التعاقد المباشر، هو تقديم خدمات معينة من قبل شركات خاصة بموجب عقد مع الجهات الحكومية، حيث تدفع الحكومة بشكل مباشر لشركة القطاع الخاص في مقابل خدماتها.

ويستخدم هذا الشكل من الخصخصة بشكل شائع في الاتفاق مع الشركات الخاصة لجمع النفايات الصلبة والتخلص منها، أو خدمات الحراسات الخاصة وخدمات معالجة البيانات والخدمات الاستشارية.

4-حقوق الامتياز

تعتبر حقوق الامتياز شكلا من أشكال الخصخصة، حيث تمنح الحكومة الشركات الخاصة الحقوق الحصرية لأداء الخدمات في منطقة جغرافية محددة، إذ تحقق الشركات إيرادات من خلال تحصيل الرسوم.

ومن أبرز أمثلة على الخصخصة من خلال حقوق الامتياز، هو التلفزيون الكابلي، أو خدمات المرافق مثل الكهرباء والغاز والمياه.

5-المنافسة المفتوحة

المنافسة المفتوحة، هي أحد أشكال الخصخصة، وتشبه المنافسة البحتة حيث يُسمح للعديد من الشركات الخاصة بالتنافس على العملاء داخل ولاية قضائية حكومية محددة.

وتتجلى المنافسة المفتوحة من الخصخصة في مزودي خدمات الهاتف المحمول والإنترنت.

على النقيض، فإن هذا النوع من الخصخصة لا يناسب بعض الخدمات لأنه على الأرجح لن يكون ذو فعالية أو جدوى في ظل تواجد العديد من الموردين للكهرباء أو الغاز أو خدمات المياه.

دوافع الخصخصة

هناك العديد من الدوافع التي تجعل الحكومات تتجه إلى الخصخصة:

1-تقليل التكاليف

تستعين الحكومات بمصادر خارجية للعمليات بسبب الوفورات المحتملة في التكاليف، خصوصا أن القطاع الخاص قادر على تقديم نفس الخدمات التي يقدمها القطاع العام، ولكن بتكلفة أقل.

وتنخفض تكاليف شركات القطاع الخاص بفضل أنهم غير مقيدين بقيود نظام الخدمة المدنية وقوانين ملزمة بعدم فصل أو تعيين موظفين بشكل مؤقت، حيث يتمتع بمرونة أكبر في تعيينات الموظفين والتعويضات، بما يؤدي هذا إلى تقديم رواتب مرنة يمكن زيادتها من خلال فعالية الإنتاج والعمل، بينما من النادر أن يكون لدى المديرين خططا ثابتة للمكافآت.

2-نقل المخاطر

غالبا ما ترغب الحكومات في نقل أخطار بعض المشاريع إلى القطاع الخاص، حيث يقوم القطاع العام بتحمل المخاطر المرتبطة بهذه الخدمات في مقابل ما تدفعه له الحكومة.

وفي هذه المعاملات، يحصل القطاع الخاص على التعويضات المالية في مقابل القيام بهذه الخدمات، ولكنه يتحمل أيضا مخاطر مثلا أن هذه الخدمات ستكلف أكثر أو تستغرق وقتا أطول لتقديمها مما هو متوقع عند الموافقة على القيام بها.

كما قد يواجه القطاع الخاص أيضا مخاطر تمويل رأس المال إذا وافق على تمويل المشروع، إذ إنه من خلال الموافقة على هذه الأنواع من الصفقات، تكون لدى الحكومات مساحة أكبر في وضع الميزانية نظرا لانخفاض النفقات المستقبلية.

3-مصدر للدخل

يمكن استخدام بيع أو تأجير الأصول العامة كمصدر جديد وهام للإيرادات العامة للدولة.

ويعتبر بيع الأصول أو تأجير الطرق ذات الرسوم والجسور والمباني، مصدرا هاما لإيرادات ضخمة يمكن أن تستخدمها الحكومة لسداد الديون أو تمويل المشاريع الجديدة أو تلبية احتياجات الميزانية. وفي الغالب ما يُستخدم هذا النوع من توليد الإيرادات بدلا من الاقتراض أو زيادة الضرائب.

4-جودة الخدمة

يمكن أن تكون جودة الخدمة المقدمة أيضا سببا لخصخصة خدمة أو أحد الأصول، خصوصا أن شركات القطاع الخاص يمكنها تقديم مستوى أعلى من الخدمة بتكلفة مماثلة من التي تقدمها الجهات الحكومية.

وفي كثير من الأحيان تبحث الحكومات عن زيادة مستوى الخدمة وتحسينها، ولكن لا تستطيع تقديمها بمفردها، لتلجأ إلى القطاع الخاص لقدرته على تلبية مستوى الخدمة المطلوبة دون زيادة التكلفة.

5-الخبرة

تمتلك شركات القطاع الخاص خبرات كبيرة قد لا ترغب الجهات الحكومية في توفيرها أو لا تستطيع توفيرها. وتكون الحاجة إلى هذه الأنواع من الخدمات نادرا جدا بحيث لا يكون من المنطقي من الناحية المالية الحفاظ على الموظفين بهذه المهارات في الجهاز الحكومي.

6-الجدول الزمني

يمكن أن يؤدي التوقيت الذي يحتاجه المشروع إلى اتجاه الحكومة نحو الخصخصة، ففي بعض الحالات، قد تمتلك الحكومة المهارات اللازمة لإكمال مشروع ما، ولكنها قد لا تكون قادرة على إكماله ضمن الإطار الزمني المحدد بسبب نقص الموارد المالية أو البشرية، ليأتي هنا دور القطاع الخاصة لاستكمال جهود الحكومة وتسليم المشروع وفق الجدول الزمني.

7-مرونة التوظيف

في كثير من الأحيان، بسبب القوانين المنظمة، يتعذر على القطاع العام تعيين الموظفين أو تسريحهم بنفس السهولة التي يستطيع بها القطاع الخاص.

وعلى هذا النحو، تكون الشركات الخاصة أكثر قدرة على التعامل مع المتطلبات الموسمية لبعض المشاريع التي يمكن أن تتطلب كمية كبيرة من العمالة خلال أجزاء من العام وأقل في أوقات أخرى، مما يساعد القطاع العام على إكمال المشاريع من دون متاعب أو تكاليف إضافية للتوظيف وفصل الموظفين.

أثر الخصخصة على الموظفين

بحسب الباحثين كان لتجارب الخصخصة الكثير من التأثيرات المباشرة على التوظيف والأجور في الشركات التي تحولت ملكيتها من عامة إلى خاصة.

وارتبطت الخصخصة ارتباطا وثيقا بإعادة الهيكلة ومبادرات الإصلاح التنظيمي منذ القرن الماضي، وكان من بين النتائج التجريبية الرئيسية التأثير الدراماتيكي عادة على خفض التكاليف والذي كان واضحا بشكل خاص في تكاليف العمالة.

وترافق التخلص من العمالة بشكل كبير مع الخصخصة في كل مكان تقريبا، مع تخفيض القوى العاملة بنسبة 50% أو أكثر، حيث تشير الدراسات إلى أن معدلات العمالة في الشركات بعد الخصخصة اقتربت من معدلات العمالة في الشركات الخاصة تقريبا، ما يوضح أن هناك الكثير من العمالة الفائضة في الشركات المملوكة للدول.

ويعكس كثافة الموظفين في المؤسسات الحكومية، بعض السياسات الاجتماعية بالإضافة إلى أوجه القصور التشغيلية المباشرة.

أثر الخصخصة على الخدمات والإنتاج

غالبا ما تؤدي الخصخصة إلى زيادة الإنتاج والأسعار، إذ يشير ارتفاع الإنتاج على الرغم من ارتفاع الأسعار إلى إزالة القيود وتقنين الخدمة عالية الجودة التي يرغب المستهلكون في دفع المزيد مقابلها.

وتشير العديد من الدراسات حول خصخصة قطاعات المرافق، إلى أن فترة انتظار الخدمة تراجعت مع زيادة جودة الاستثمار والخدمة، خصوصا أن هذا ظهر بشكل كبير في القطاعات التي كانت تعاني من نقص رأس المال أو كانت الخدمة فيها أقل من قيمتها الحقيقية في ظل ملكية الدولة.

الرافضون والمؤيدون للخصخصة

يجادل مؤيدو الخصخصة بأن الشركات المملوكة للقطاع الخاص تدير الأعمال التجارية بشكل أكثر اقتصادية وكفاءة لأنها تحفز على الربح للقضاء على الإنفاق بشكل مسرف، فضلا عن أن الكيانات الخاصة لا يتواجد بها الكثير من البيروقراطية التي ابتليت بها الكيانات الحكومية، حيث يؤكدون على أن الشركات الخاصة أكثر كفاءة من الناحية التشغيلية من تلك التي تحتفظ بها الدولة، لا سيما في الصناعات التنافسية.

في المقابل، يعتقد رافضو الخصخصة أن الخدمات الضرورية مثل الكهرباء والمياه والمدارس، يجب ألا تكون عرضة لقوى السوق أو يكون الهدف من تقديمها هو الربح.

أمثلة على الخصخصة

قبل عام 2012، كانت ولاية واشنطن تسيطر على جميع مبيعات المشروبات الروحية داخل الولاية، مما يعني أن الدولة فقط هي التي يمكنها تشغيل هذا النوع من المتاجر. لكن مع اتجاه الدولة إلى خصخصة مبيعات المشروبات الروحية، تم بيع جميع المتاجر التي كانت تديرها في السابق إلى القطاع الخاص.

ومن بين أحد أشهر الأمثلة على الخصخصة وأهمها تاريخيا، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، حيث كانت حكومة الاتحاد الشيوعية، تمتلك وتدير كل شيء، ولم تكن هناك ملكية خاصة.

وبدأت الخصخصة قبل انهيار الاتحاد السوفياتي في عهد الرئيس الأسبق ميخائيل غورباتشوف، الذي نفذ إصلاحات لتسليم بعض المؤسسات الحكومية إلى القطاع الخاص، إذ كانت هناك خصخصة جماعية للمؤسسات الحكومية لجزء محدد من السكان في روسيا، المعروفين باسم الأوليغارشية.

ماذا يقول صندوق النقد عن الخصخصة؟

يرى صندوق النقد الدولي في تقرير منشور في موقعه الإلكتروني، أن الخصخصة كانت عنصرا أساسيا في الإصلاح الهيكلي في العديد من الاقتصادات النامية والانتقالية خلال العقد الماضي، مؤكدا أن الحكومات التي تقوم بالخصخصة سعت إلى تحقيق مجموعة متنوعة من الأهداف:

• تحقيق الكفاءة الاقتصادية، وذلك بالنظر إلى الانتشار الواسع للأداء الاقتصادي الضعيف للمؤسسات العامة في العديد من البلدان والنجاح المحدود في إصلاحها.

• تحسين وضع المالية العامة، لا سيما في الحالات التي تكون فيها الحكومات غير راغبة أو غير قادرة على الاستمرار في تمويل العجز في قطاع الأعمال العام.

• خصخصة المؤسسات التي تعاني من قيود السيولة والتي تواجه ضغوطا مالية في بعض الأحيان بهدف تمويل العجز المالي من العائدات.

• تطوير أسواق رأس المال المحلية "البورصة".

ويقول الصندوق إن الخصخصة لها آثار مالية واقتصادية كلية مهمة، وذات أهمية بالنسبة له، حيث أصبحت مكونا هاما من مكونات البرامج التمويلية التي يتفق عليه مع عدد كبير من البلدان.

ويُبرر صندوق النقد تأثير الخصخصة على البطالة بقوله: "هناك قلق من أن تؤدي الخصخصة إلى زيادة البطالة على الرغم من أن الأدلة التجريبية تشير إلى أن البطالة تميل إلى الانخفاض بعد الخصخصة، لكن هناك مجموعات من العمال قد يستأثرون سلبا، لذا يجب أن يعطي أهمية للتدابير التي تخفف من تأثير الخصخصة اجتماعيا". 

(المشهد)