أزمة ثقة.. البنوك الأميركية في قبضة المستثمرين

شاركنا:
عدد قليل من المستثمرين كانوا يشككون في سلامة النظام المصرفي حتى 8 مارس (رويترز)
هايلايت
  • المستثمرون يقودون التوجه ضد البنوك الإقليمية وسط انعدام الثقة. 
  • الإصلاح التنظيمي في أعقاب أزمة عام 2008 ركز على البنوك الكبرى فقط.
  • إدخال متطلبات رأس مال جديدة قد يتسبب في تقلب السوق.

كان من المفترض أن يكون بيع بنك "فيرست ريبابليك" المنهار إلى مجموعة "جي بي مورغان" بمثابة الفصل الأخير في أزمة الثقة بالنظام المالي الأميركي، إلا أن ذلك لم يحدث مع تراجع أسهم البنوك الإقليمية بشكل مضاعف، حسبما تقول صحيفة وول ستريت جورنال.

الصحيفة الأميركية ذكرت أن استقرار البنوك استمر ليوم واحد فقط، ليعقبه تراجع أسهم البنوك الأميركية بنسبة مضاعفة، حيث انخفض مؤشر أسهم البنوك الأميركية الإقليمية " KBW Nasdaq" بنسبة 15% الخميس الماضي قبل أن يرتفع قليلا الجمعة وينهي الأسبوع عند انخفاض بنسبة 8%.

وأبلغ مصرفا "باك ويست" و"ويسترن ألاينس"، اللذان أنهيا أسبوعا متقلبا بانخفاض 43% و27% على التوالي، عن عدم وجود أي نشاط إيداع غير عادي عقب بيع "فيرست ريبابليك".

ويشير ما يحدث إلى أن المستثمرون يقودون التوجه ضد البنوك الإقليمية، إذ يقول الخبير الاقتصادي بنجامين جراهام إن "الأسواق يمكن أن تكون آلة توازن على المدى الطويل، مما يعكس الواقع. لكن على المدى القصير يمكن أن تكون آلة توجه تُعبر عما يعتقد المستثمرون أنه سيحدث".

ويُظهر ما حدث لـ"فيرست ريبابليك" أن البنوك الإقليمية معرضة بشكل كبير لعدم ثقة المستثمرين، خصوصا مع انخفاض الأسهم الحرة لشركة "فيرست ريبابليك" كجزء من قرار مصادرة وبيع أصول البنك التابع لها، إذ قالت الهيئات التنظيمية في كاليفورنيا إن نموذج أعمال البنك فشل في استعادة "ثقة السوق".

جهود سابقة

ولم يكن من المفترض أن يحدث ما حدث للبنوك الأميركية الإقليمية خلال الشهرين الماضيين، خصوصا في أعقاب الأزمة المالية في عام 2008، وبذل المنظمون والمشرعون جهودا كبيرة لجعل البنوك أكثر أمانا وأقل عرضة لتقلبات السوق.

وتتحمل البنوك عموما مخاطر أقل مما كانت عليه في السابق وعادة ما يكون لديها رأس مال أكبر مما بحاجة إليه، حيث أبلغ أكثر من 99% من البنوك وجميع البنوك الإقليمية التي لديها أصول تصل إلى 100 مليار دولار عن نسب رأس مال إلى أصول أعلى من المتطلبات اعتبارا من منتصف 2022، بحسب ما يقول البنك المركزي الأميركي.

وحتى 8 مارس الماضي، كان يشكك عدد قليل في سلامة النظام المصرفي الأميركي، قبل أن يكشف انهيار بنك "سيليكون فالي" عن خسارة لفتت انتباه الجميع. 

ومع ذلك، فإن المشكلة الناجمة عن ارتفاع أسعار الفائدة في محافظ البنوك، ليست مشكلة دائمة، بحسب "وول ستريت جورنال"، والتي نقلت عن محللو بنك الاستثمار الأميركي "جيفريز غروب" قولهم إن "سندات وقروض البنوك التي تدر عائدا أقل من أسعار السوق اليوم، سترتفع أو تسدد في نهاية المطاف، مما يعطي البنوك أموالا جديدة للاستثمار أو الإقراض بمعدلات فائدة أعلى بكثير".

وتتوقع البنوك الأميركية التي يغطيها محللو " جيفريز غروب" أن تشهد تحسنا بنسبة تتراوح بين 20% و50% تقريبا بمحافظ الأوراق المالية الخاصة بها بحلول نهاية عام 2024.

وقد يؤدي إيقاف رفع أسعار الفائدة لفترة طويلة، أو حتى خفضها إلى تعزيز قيمة محافظ البنوك بشكل حاد، وفق الصحيفة الأميركية التي تشير إلى أنه بهذه الطريقة فإن عدم القيام بأي شيء هو في الواقع مسار جيد.

لكن هذه النظرة المتفائلة لا تأخذ في الحسبان الهشاشة الكامنة في ودائع النظام المصرفي، حيث كان بإمكان بنكي "سيليكون فالي" و"فيرست ريبابليك" أن يواجها موجة مدمرة من عمليات سحب الودائع التي تفتقر إلى التأمين من المؤسسات التنظيمية.

قلق المستثمرون

ينتاب المستثمرون القلق بشأن البنوك نتيجة للعديد من الأشياء، بما في ذلك صناديق أسواق المال التي تنافس البنوك على النقد، إذ تحرص على تمرير معدلات فائدة عالية على ودائع العملاء على عكس البنوك، لذا فإن البنوك تحتاج إلى تقدم أسعار مشابهة أو تقترب منها إذا كانت لا تريد المخاطرة بخسارة المودعين الذين يتأثرون بأسعار الفائدة.

وركز الإصلاح التنظيمي في أعقاب الأزمة المالية عام 2008 على مخاطر فشل البنوك الضخمة، بسبب ترابطها العالمي، ونجح في جعلها أكثر أمانا وجاذبية للمودعين، لكن على النقيض ظلت البنوك الصغيرة أضعف.

وبحسب بيانات جمعتها الأستاذة بكلية الحقوق في "فاندربيلت" مورغان ريكس فإن ما يقرب من 8 تريليونات دولار من الودائع غير المؤمن عليها في الولايات المتحدة في نهاية العام الماضي، كان موجود ثلثيها في 7 بنوك تتجاوز أصولها 500 مليار دولار.

ومن المتوقع أن يؤدي تعديل محتمل لقواعد رأس المال للبنوك الإقليمية إلى تقلبات في السوق أيضا، حيث ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال في وقت سابق أن البنوك التي لديها أصول منخفضة تصل إلى 100 مليار دولار قد يُطلب منها في مرحلة ما أن تعكس الخسائر الورقية على استثمارات معينة في مستويات رأس مالها التنظيمي، كما تفعل البنوك الكبرى.

وعلى الرغم من أن هذه التغييرات قد تستغرق سنوات حتى تصبح سارية المفعول، فقد يقوم المحللون بالفعل بتخفيض مستويات رأس مال البنوك الضعيفة مما يقلل من توقعات الأرباح المستقبلية لحائزي الأسهم.

وتشير "وول ستريت جورنال" إلى أنه حتى بدون رأس مال إضافي، يمكن لمعظم البنوك أن تدخل الأزمة، وهذا يرجع إلى تعرضها للتغيرات السريعة في السوق أو معنويات العملاء، مؤكدة في ذات السياق أن خطوة توسيع نطاق التأمين على الودائع التي تزيد عن 250 ألف دولار قد يؤدي إلى تهدئة مخاوف المستثمرين، لكن هذا قد يتطلب صراعا جديدا في الكونغرس لإقراره، و"كل هذا يجعل هذه الأزمة صعبة الحل".

ويُقر الكثير من المستثمرين في السوق بأن البنوك الصغيرة في حاجة إلى ضخ المزيد من رؤوس الأموال، لكن مع هبوط أسعار الأسهم هبطت إلى مستويات قياسية فأصبح من الصعب تحقيق ذلك، وفي حال أراد المستثمرون ضخ الأموال فقط في البنوك التي لا يمكن أن تفشل، فإن أزمة الثقة هذه ستستمر في الغليان.

(ترجمات)