في وقتٍ تستعد فيه الولايات المتحدة لفرض زيادات جديدة على الرسوم الجمركية مطلع أغسطس المقبل، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سلسلة اتفاقيات تجارية وصفها بـ"الانتصارات الكبرى"، وخصوصًا مع اليابان والاتحاد الأوروبي، في إطار سياسة الحماية الاقتصادية التي يتبناها.
غير أن هذه الاتفاقات، رغم ما تتضمنه من أرقام ضخمة، لا تزال تفتقر إلى الوضوح والتفاصيل الدقيقة، ما يثير تساؤلات واسعة حول جدواها ومدى التزام الشركاء بها.
الترويج لأرقام بلا آليات تنفيذ
قال ترامب أثناء عودته من اسكتلندا إلى واشنطن: "أعتقد أن الاتفاقيات التجارية تسير بشكل جيد جدًا – ونأمل أن تكون كذلك للجميع، ولكنها جيدة جدًا جدًا للولايات المتحدة".
يرى بعض المحللين أن هذه الاتفاقيات، وخصوصًا تلك المعلنة مؤخرًا، تتضمن وعودًا غامضة باستثمارات تتجاوز التريليون دولار من الاتحاد الأوروبي واليابان، دون وجود آليات واضحة لضمان تنفيذ هذه الوعود.
ويرى ترامب أن هذه التعهدات الاستثمارية تمثل دليلًا على نجاح أجندته الحمائية في تنشيط الصناعة الأميركية وخلق فرص العمل، غير أن محللين حذروا من أن عدم تحقق تلك الاستثمارات فعليًا قد يؤدي إلى ارتفاع عائدات الحكومة من الرسوم على حساب المستهلكين والشركات داخل الولايات المتحدة، دون تحقيق الأهداف التنموية الأوسع.
اتفاق اليابان.. استثمار أم مجرد قروض؟
الاتفاق مع اليابان ينص – بحسب ترامب – على صندوق بقيمة 550 مليار دولار وصفه بأنه "نوع من مكافأة التوقيع". لكن المسؤولين اليابانيين أكدوا أن نسبة الاستثمار الحقيقي لن تتجاوز 1% إلى 2% من القيمة المعلنة، أي بحد أقصى 11 مليار دولار، بينما ستشكل القروض النسبة الأكبر.
كما أوضحوا أن نسبة توزيع الأرباح التي تصل إلى 90% لصالح الجانب الأميركي – كما روجت إدارة ترامب – تنطبق فقط على الجزء الاستثماري الصغير.
وقال كبير المفاوضين التجاريين اليابانيين، ريوسي أكازاوا: "لن يتم إرسال 550 مليار دولار نقدًا إلى الولايات المتحدة"، في حين قال وزير التجارة الأميركي هاورد لوتنيك عبر قناة "فوكس نيوز": "هذا حرفيًا يعني أن الحكومة اليابانية تقدم 550 مليار دولار لدونالد ترامب".
لوتنيك أشار أيضًا إلى أن ترامب سيعيد فرض الرسوم الجمركية إذا لم تلتزم اليابان بتعهداتها، بينما أقرّ بأن هناك الكثير من "المساومات" المتبقية بشأن اتفاق الاتحاد الأوروبي.
الاتحاد الأوروبي: التزامات غير ملزمة ووعود ضخمة
الاتحاد الأوروبي التزم من جانبه بضخ 600 مليار دولار من الاستثمارات الجديدة، غير أن المسؤولين الأوروبيين أكدوا أن هذه الوعود ليست مُلزِمة، بل تمثل مجموع التزامات محتملة من جانب شركات خاصة داخل التكتل، ولم يتم الاتفاق على مضمون تلك الاستثمارات أو جدولها الزمني.
وقال لوتنيك في تصريحات تلفزيونية إن شركات السيارات والأدوية الأوروبية تعهدت ببناء مصانع في الولايات المتحدة، بينما وعد الاتحاد بشراء طاقة أميركية بقيمة 750 مليار دولار على مدى 3 سنوات – وهو ما يعادل 3 أضعاف المعدل الحالي – وهو ما قد يُشكل ضغطًا كبيرًا على قدرات التصدير الأميركية وقدرات الاستيراد الأوروبية في آنٍ واحد.
رسوم جمركية ترتفع إلى مستويات تاريخية
فيما يخص الرسوم الجمركية، ستقوم إدارة ترامب برفعها من 10% إلى 15% على معظم الواردات من اليابان والاتحاد الأوروبي، مع بعض الإعفاءات القطاعية، وخصوصًا في قطاع السيارات، من دون إعفاءات تشمل منتجات مثل الصلب والألومنيوم، التي لا تزال تخضع لمفاوضات.
وأكد مسؤول في البيت الأبيض أن الرسوم المعدلة على السيارات ستدخل حيز التنفيذ في الأول من أغسطس، إلى جانب فرض رسوم بنسبة 15% على أشباه الموصلات والأدوية من الاتحاد الأوروبي، رغم أن هذه المعدلات لم تُعلن رسميًا بعد، وسط تقارير عن أن اليابان ستحصل على الحد الأدنى نفسه من الرسوم لتلك الفئات.
الصفقات الأخرى، مثل الاتفاق مع فيتنام في وقت سابق من يوليو، أثارت بدورها جدلًا بعد فرض رسوم بنسبة 20% على صادراتها، وهي نسبة أعلى من المتفق عليها سابقًا وفق مصادر دبلوماسية.
في الوقت ذاته، يواصل المفاوضون الأميركيون والصينيون مباحثاتهم لتمديد الهدنة الجمركية بين البلدين، بعد اجتماعات عقدت في السويد. إلا أن تهديد ترامب بفرض رسوم على الدول التي تشتري الطاقة من روسيا، وخصوصًا الصين، أكبر مشترٍ للنفط الروسي، والهند، لا يزال يمثل عنصرًا غير محسوم في تلك المعادلة.
كندا والمكسيك.. استثناءات محدودة
وبينما استبعد ترامب إبرام اتفاق قريب مع كندا، قلل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني من تلك التصريحات، في وقتٍ تواجه فيه كل من كندا والمكسيك زيادات جمركية هذا الأسبوع. إلا أن البضائع التي تتوافق مع اتفاقية "USMCA" ستظل معفاة من هذه الرسوم، وهو ما يمثل ارتياحًا كبيرًا للبلدين.
انتقد بعض المراقبين نهج الإدارة الأميركية القائم على "الاتفاقات القطاعية" المنفصلة، مشيرين إلى أنها قد تؤدي في النهاية إلى منظومة تجارية غير متماسكة.
على سبيل المثال، أعربت شركات صناعة السيارات الأميركية عن اعتراضها على الاتفاق مع اليابان، لأنه يمنح امتيازات ضريبية للسيارات المستوردة التي لا تحتوي على مكونات أميركية، أكثر مما يمنحه للسيارات المنتَجة في أميركا الشمالية.
ورغم كثرة الأسئلة المفتوحة، ترى الإدارة الأميركية أن الأول من أغسطس سيكون علامة فارقة في مسار إعادة رسم الخارطة الجمركية للبلاد. ومع ذلك، أكد كيفن هاسيت، رئيس المجلس الاقتصادي الوطني في البيت الأبيض، أن "المفاوضات ستظل مستمرة حتى بعد هذا الموعد، فالرئيس دائمًا مستعد للتفاوض".
(وكالات)