تتصدر توقعات أسعار الذهب الفترة المقبلة المشهد في الأسواق العالمية خصوصا بعد خسائر عنيفة بنهاية الأسبوع الماضي، فما هي توجهات سوق الذهب العالمي، ولماذا حدثت الخسائر، وما هي مراكز البيع والشراء للذهب هذا الأسبوع.
المعادلة الصعبة في سوق الذهب
الذهب سجل تحركات عنيفة خلال الأيام الأخيرة، دفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم وسط مخاوف من استمرار موجة الهبوط الحالية، ومع تصاعد الضغوط الناتجة عن قوة الدولار وارتفاع العوائد، باتت التوقعات تشير إلى سيناريوهات أكثر حدة قد تمتد خلال الفترة المقبلة، قبل أن يعاود الذهب التقاط أنفاسه.
يرى محلل سوق الذهب أحمد فهيم، أن الرهانات على دخول السوق في مرحلة تصحيح عميق لا تزال قائمة، خصوصا بعد أن سجل الذهب أكبر خسارة أسبوعية له منذ أكثر من 4 عقود، وهو ما يفتح الباب أمام تحركات سعرية غير مستقرة على المدى القصير وخلال تعاملات الأسبوع الجاري.
مستويات حاسمة
وأضاف أن "التقديرات الفنية تشير إلى أن كبار المستثمرين قد يتجهون إلى بناء مراكز شرائية جديدة في نطاق يتراوح بين 4,310 و4,280 دولارًا للأوقية، وهو نطاق يوصف بأنه منطقة تجميع قوية مدعومة بعدة عوامل فنية مهمة.
وتابع أن أول هذه العوامل تتمثل في سد الفجوة السعرية التي تكونت عند مستوى 4,330 دولارًا، وهو ما يعد سلوكًا طبيعيًا في الأسواق بعد التحركات العنيفة، كما أن هذه المنطقة تتزامن مع مستويات سيولة مرتفعة أسفل حاجز 4,400 دولار، ما يجعلها هدفًا لحركة السعر خلال الفترة الحالية.
أما العامل الأهم ، فيرتبط بوجود المتوسط المتحرك لـ200 يوم عند مستوى 4,222 دولارًا، وهو مستوى دعم قوي تاريخيًا، ما يعزز من احتمالات حدوث ارتداد فني حال الوصول إليه بحسب فهيم في رسالة مطولة خص بها منصة "المشهد"
سيناريو الهبوط
وبحسب هذه الرؤية، فإن كسر مستوى 4,280 دولارًا قد يدفع الأسعار لمزيد من التراجع نحو نطاق يتراوح بين 4,222 و4,175 دولارًا، وهي منطقة يُتوقع أن تشهد دخولًا قويًا للسيولة الشرائية.
وفي حال الوصول إلى هذه المستويات، تشير توقعات "فهيم" إلى إمكانية حدوث ارتداد صاعد قوي قد يتراوح بين 200 و300 دولار على الأقل، قبل أن تعود الضغوط البيعية للظهور مرة أخرى.
وتعزز هذه النظرة وجود ما يُعرف بـ"منطقة الطلب" أو Order Block شرائي ضخم بالقرب من مستوى 4,272 دولارًا، بحجم سيولة يتجاوز 3 ملايين، وهو ما يمثل حاجز دعم قوي يصعب كسره بسهولة على المدى القريب.
لكن في حال تم كسر هذه المنطقة بشكل واضح، فإن السيناريو السلبي قد يتسع ليشمل هبوطًا يتراوح بين 500 و600 دولار، وهو ما يُعد احتمالا قائما لكنه غير مرجح في الأجل القصير وفقًا للمعطيات الحالية.
أكبر خسارة أسبوعية منذ 1983
وعلى صعيد الأداء الفعلي، شهدت أسعار الذهب تراجعًا حادًا خلال تعاملات الأسبوع الماضي، مسجلة أكبر خسارة أسبوعية منذ عام 1983 بنسبة بلغت نحو 11%، تحت ضغط صعود الدولار الأميركي وارتفاع عوائد السندات.
وانخفض سعر الأوقية بنسبة 3.1% في ختام تداولات الأسبوع بجلسة الجمعة، ليستقر عند 4,494 دولارا، مسجلا ثامن جلسة تراجع يومية على التوالي، وهي أطول سلسلة خسائر منذ أكتوبر 2023.
ورغم هذا التراجع العنيف، لا يزال الذهب يحتفظ بمكاسب تُقدر بنحو 4% منذ بداية العام، بعد أن سجل مستويات قياسية قرب 5,600 دولار للأوقية خلال يناير الماضي.
ضغوط تضرب الذهب
وجاءت هذه الخسائر في وقت تصاعدت فيه التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بالتزامن مع تقارير عن استعدادات أميركية لاحتمالية نشر قوات برية في مناطق الصراعات، ما دفع الأسواق إلى تسعير احتمالات رفع أسعار الفائدة بشكل أكبر.
كما ساهمت هذه التطورات في تعزيز قوة الدولار، وهو ما ضغط بدوره على الذهب، خاصة مع اتجاه المستثمرين نحو الأصول التي تدر عائدًا، في ظل بيئة نقدية مشددة.
وفي هذا السياق، أوضحت رونا أوكونيل، المحللة في مؤسسة "ستون إكس فاينانشال"، أن التراجع الحالي في الذهب يعكس مزيجًا من عمليات جني الأرباح والتسييل الإجباري، بعد وصول الأسعار لمستويات قياسية تجاوزت 5,200 دولار للأوقية بحسب رويترز.
وأضافت أن تفعيل أوامر وقف الخسارة ساهم في تسريع وتيرة الهبوط، إلى جانب تباطؤ مشتريات البنوك المركزية، واستمرار خروج التدفقات من صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب للأسبوع الثالث على التوالي، مع انخفاض الحيازات بنحو 60 طنًا.
ولم يكن الذهب وحده المتأثر بهذه الضغوط، حيث تراجعت الفضة بنسبة 6.3% لتصل إلى 68.20 دولارًا للأوقية، مسجلة خسائر أسبوعية تتجاوز 15%، فيما سجل كل من البلاتين والبالاديوم تراجعات متفاوتة.
إلى أين يتجه الذهب؟
في ضوء هذه المعطيات، تبدو الأسواق أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتحرك الأسعار بين ضغوط هبوطية قوية على المدى القصير، وفرص ارتداد محتملة مدعومة بمستويات فنية مهمة وسيولة قد تعود للأسواق في أي وقت.
وتظل المنطقة بين 4,310 و4,280 دولارًا هي المفتاح الرئيسي لتحركات الذهب خلال الفترة المقبلة، حيث قد تحدد ما إذا كان السوق بصدد تكوين قاع جديد يعقبه صعود، أم الاستمرار في موجة هبوط أعمق.
وفي جميع الأحوال، تشير التقديرات إلى أن تقلبات الذهب لن تهدأ هذا الأسبوع، وأن السيناريوهات الأكثر ترجيحا تتضمن تحركات حادة في الاتجاهين، ما يجعل الفترة المقبلة واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ تداول المعدن الأصفر.
(المشهد)