تحولت كأس العالم 2026 إلى واحدة من أكثر النسخ تجارية في تاريخ البطولة، بعدما وسع الاتحاد الدولي لكرة القدم نطاق الإيرادات إلى ما يتجاوز حقوق البث والرعاية والتذاكر، ليشمل بيع تجارب حصرية وتذكارات باهظة الثمن وحتى أجزاء من عشب ملعب المباراة النهائية، بحسب تحليل نشرته "فايننشال تايمز".
وتعكس الممارسات الجديدة تبني فيفا نموذج الترفيه الرياضي الأميركي، الذي يتعامل مع المباراة باعتبارها حدثًا متكاملًا يمكن تحقيق الدخل من كل تفاصيله، ما يثير تساؤلات بشأن استمرار هذا النموذج عندما تنتقل البطولة إلى إسبانيا والبرتغال والمغرب في 2030.
فيفا يبحث عن آخر دولار في كأس العالم
واصل فيفا إطلاق منتجات وتجارب تجارية جديدة حتى الساعات الأخيرة من البطولة، في محاولة لتعظيم العائد من استضافة كأس العالم داخل أكبر اقتصاد في العالم.
ولم يعد المشجع يدفع فقط مقابل دخول الملعب، بل أصبح مستهدفًا بسلسلة طويلة من المنتجات تبدأ بالتذاكر والضيافة والملابس، وتمتد إلى حضور فعاليات حصرية وشراء مقتنيات مرتبطة بالمباريات.
وتعكس هذه السياسة تحولًا في طريقة إدارة كأس العالم، إذ أصبح فيفا أكثر استعدادًا لتحويل كل لحظة أو مساحة أو ذكرى مرتبطة بالبطولة إلى منتج قابل للبيع.
وأتاح فيفا للجماهير فرصة حضور المؤتمر الصحفي السابق للمباراة النهائية، وهي فعالية كان الدخول إليها مقتصرًا تقليديًا على ممثلي وسائل الإعلام المعتمدين.
وجرى تقديم التجربة ضمن مهرجان Fanatics Fest في نيويورك، الذي تنظمه شركة الملابس والمقتنيات الرياضية التابعة لرجل الأعمال الأميركي مايكل روبن.
وبلغ سعر تذكرة اليوم الواحد للمهرجان 80 دولارًا، ما يعني تحويل الوصول إلى كواليس البطولة من امتياز مهني إلى تجربة تجارية يمكن للجمهور شراؤها.
عشب ملعب النهائي للبيع
وصلت تجارية البطولة إلى أرض الملعب نفسها، بعدما طرح فيفا أجزاء من عشب الملعب المستضيف للنهائي داخل قوالب تذكارية للبيع للجماهير.
وعرضت النسخ الأولية بسعر 450 دولارًا، قبل أن تختفي من المتجر، لتتبقى نسخة Stadium Edition بقيمة 900 دولار، مزودة بتذكرة تذكارية معدنية منقوشة باللون الذهبي.
أما نسخة Hero Edition، فيصل سعرها إلى 3 آلاف دولار، وتضم كمية أكبر من العشب وكرة ذهبية صغيرة ونسخة بلورية مصغرة من كأس العالم.
ويكشف تسعير هذه المنتجات عن استهداف شريحة من المشجعين الأثرياء وهواة جمع المقتنيات، بدلًا من الاكتفاء ببيع المنتجات الجماهيرية التقليدية.
خواتم البطولة تستنسخ النموذج الأميركي
يعتزم فيفا طرح 1996 خاتمًا تذكاريًا للبطولة بعد انتهاء المباراة النهائية، في محاكاة واضحة لتقليد خواتم الأبطال في الرياضات الأميركية.
ويحصل الفائزون بدوري كرة القدم الأميركية والبيسبول وكرة السلة عادةً على خواتم مرصعة تخليدًا للبطولة، وهي ثقافة لم تكن مرتبطة تاريخيًا بكأس العالم.
ومن المقرر، أن يتسلم لاعبو المنتخب الفائز خواتمهم في موعد لاحق، ما يمنح فيفا فرصة لمواصلة التسويق وإنتاج المحتوى بعد انتهاء المباراة ورفع الكأس.
تبنت البطولة عددًا من مظاهر الترفيه التجاري المرتبطة بالأحداث الرياضية الأميركية، من بينها الاستراحات المدعومة من الرعاة والعرض الموسيقي بين شوطي المباراة النهائية.
وتمنح هذه الفعاليات فيفا مساحات إضافية لبيع الرعاية وجذب جماهير قد لا تتابع كرة القدم بصورة منتظمة، لكنها تهتم بالعروض الموسيقية والمشاهير والمحتوى الترفيهي.
أسعار التذاكر تضع المشجع تحت الضغط
اعتمد فيفا خلال البطولة على تسعير التذاكر وفق مستويات الطلب، ما سمح بارتفاع الأسعار مع زيادة الإقبال على المباريات الكبرى والأدوار النهائية.
كما تحصل منصة فيفا الرسمية لإعادة البيع على عمولة تبلغ 15% من قيمة التذكرة عند بيعها، إضافة إلى رسوم بنسبة 15% يدفعها المشتري.
ويعني ذلك أن الاتحاد يستطيع تحقيق إيرادات إضافية من التذكرة نفسها بعد بيعها للمرة الأولى، بينما يتحمل المشجعان البائع والمشتري تكلفة عملية إعادة التداول.
وأثارت الأسعار والرسوم انتقادات من جماهير، ترى أن كأس العالم أصبحت أقل قدرة على استيعاب المشجعين من أصحاب الدخول المتوسطة والمحدودة.
الملاعب الأميركية تعظم إيرادات الضيافة
استفاد فيفا من البنية التجارية الضخمة داخل الملاعب الأميركية، التي تضم أعدادًا كبيرة من الأجنحة الخاصة وقاعات كبار الزوار والمطاعم ومساحات استضافة الشركات.
وتسمح هذه المنشآت ببيع باقات مرتفعة السعر للعملاء الأثرياء والشركات التي تستخدم المباريات لاستضافة شركائها وموظفيها وكبار عملائها.
وأصبحت الضيافة عنصرًا أساسيًا في اقتصاد البطولة، إذ يمكن أن تحقق المقعد الواحد داخل الجناح الخاص عائدًا يفوق قيمة التذكرة العادية عدة مرات.
لكن تكرار الحجم نفسه من إيرادات الضيافة قد يكون صعبًا في نسخة 2030، لأن ملاعب أوروبية وإفريقية عديدة لا تمتلك العدد نفسه من الأجنحة والمساحات التجارية.
حقوق البث تمنح السوق الأميركية نفوذًا أكبر
قد يكون التأثير الأكثر استمرارًا لنسخة 2026، هو ارتفاع قيمة حقوق بث كأس العالم في الولايات المتحدة، بعد أن أظهرت البطولة قدرة كرة القدم على جذب جمهور واسع داخل السوق الأميركية.
وقد يمتد هذا التأثير إلى مواعيد انطلاق المباريات وفترات التوقف والعروض المصاحبة، كما يحدث بالفعل في بطولات رياضية كبرى داخل الولايات المتحدة وفي الألعاب الأولمبية.
وتتوقع تقديرات فيفا لدورة كأس العالم 2030 زيادة إيرادات حقوق البث والرعاية بنحو ملياري دولار، ما يشجع الاتحاد على الاحتفاظ بالممارسات التي أثبتت قدرتها على جذب المعلنين والمشاهدين.
لم يكتف فيفا بتحقيق الإيرادات خلال أسابيع البطولة، بل صمم عددًا من المنتجات والفعاليات لإطالة الدورة التجارية إلى ما بعد المباراة النهائية.
وتساعد خواتم البطولة والمقتنيات المحدودة والمحتوى الرقمي المرتبط بتتويج المنتخب الفائز في استمرار اهتمام الجمهور بعد مغادرة الفرق والمشجعين للمدن المستضيفة.
بعض الممارسات قد تتوقف في أوروبا
رغم نجاح النموذج داخل الولايات المتحدة، قد تواجه بعض ممارسات فيفا قيودًا قانونية وتنظيمية عندما تنتقل البطولة إلى دول الاتحاد الأوروبي في 2030.
وقد تحد قوانين حماية المستهلك وإعادة بيع التذاكر من قدرة الاتحاد على استخدام التسعير الديناميكي أو فرض الرسوم المرتفعة المطبقة في السوق الأميركية.
كما تختلف طبيعة الجمهور الأوروبي، الذي يمتلك بالفعل قمصان الأندية والمنتخبات والأوشحة والمنتجات الكروية، ما قد يقلل الإقبال على السلع العامة التي تحمل أسماء الدول أو شعار البطولة فقط.
ومن المرجح أيضًا أن تتراجع إيرادات الضيافة والتذاكر مقارنة بالنسخة الأميركية، بسبب اختلاف تصميم الملاعب والقوة الشرائية والأسواق المستضيفة.
يرجح استمرار توسع حقوق البث والرعاية والمحتوى الرقمي وبيع المقتنيات الفاخرة، بعدما أثبتت هذه الأنشطة قدرتها على رفع إيرادات البطولة.
وتبقى نسخة 2026 نقطة تحول واضحة، بعدما رسخت فكرة أن كأس العالم ليست مجرد مسابقة رياضية، بل منصة عالمية للترفيه والتسويق وبيع التجارب.
يبرر فيفا توسعه التجاري بالحاجة إلى زيادة الإيرادات وتمويل البطولات وبرامج تطوير كرة القدم حول العالم.
(ترجمات)
